مسيرة الفنان النحات العراقي: وليد رشيد القيسي.. حين يتحول الطين إلى ذاكرةٍ عن الحرب والإنسان.- إعداد : فريد ظفور.



وليد رشيد القيسي.. حين يتحول الطين إلى ذاكرةٍ عن الحرب والإنسان
خزّاف ونحّات عراقي جعل من المادة سؤالاً، ومن التشظّي لغةً، ومن الخزف مساحةً للتأمل في الإنسان والذاكرة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين لا يعود الطين مجرد طين
في التجربة العراقية المعاصرة، احتل الخزف موقعاً يتجاوز حدود الحرفة والمادة، ليصبح أحد الحقول التي استطاع فيها الفنانون التعبير عن الذاكرة، والحضارة، والحرب، والانكسار، والتحولات الاجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق تبرز تجربة الفنان العراقي وليد رشيد القيسي، المولود في بغداد عام 1963، بوصفها تجربة تنطلق من الخزف والنحت لكنها لا تتوقف عند حدودهما التقليدية.
القيسي لا يتعامل مع الطين باعتباره مادة صامتة تنتظر أن يمنحها الفنان شكلاً، بل يتعامل معه باعتباره مادة تحمل تاريخاً وذاكرة وقابلية للكسر والتحول وإعادة التكوين.
وقد وصفته مصادر فنية متخصصة بأنه معروف بمنحوتاته الخزفية التجريدية والسردية المصنوعة باليد، فيما تؤكد سيرته الفنية أن أعماله ارتبطت منذ مراحل مبكرة بمفهوم التفكيك وإعادة البناء وبالتحولات التي أحدثتها الحرب في رؤيته للمادة والشكل.
بغداد.. البداية وتكوين الحس الفني
ولد وليد رشيد القيسي في بغداد سنة 1963، ونشأ في بيئة ثقافية وفنية أسهمت في تكوين اهتمامه المبكر بالفنون. وتشير سيرته إلى أنه بدأ مساره الفني في مراكز الفنون الشبابية عام 1980، قبل أن يلتحق بدراسة الفنون الجميلة والتخصص في الخزف.
تخرج في قسم الخزف بمعهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1985، وهي مرحلة كانت فيها الحركة الفنية العراقية تعيش حضوراً قوياً للخزف والنحت والفنون الحديثة.
وفي أثناء دراسته ارتبط بالفنان والخزّاف العراقي طارق إبراهيم، الذي كان له تأثير في تجربته المبكرة. وفي نص شخصي للقيسي بعنوان «ذاكرة العين» يستعيد لقاءه الأول مع طارق إبراهيم سنة 1984، عندما كان لا يزال طالباً في معهد الفنون، ثم عمل معه في مشغله.
وهنا بدأت علاقة القيسي بالخزف بوصفه أكثر من تقنية؛ إذ أخذت المادة تتحول تدريجياً إلى وسيلة للتفكير في الشكل والفراغ والتدمير وإعادة البناء.
من الشكل التقليدي إلى تفكيك الشكل
من أبرز المفاتيح لفهم تجربة وليد القيسي أنه لم ينطلق من الرغبة في المحافظة على الشكل الخزفي التقليدي، وإنما من محاولة تحرير الطين من القواعد الجاهزة.
وتشير إحدى سيره الفنية إلى أنه طرح منذ بداياته فكرة تفكيك الشكل وإعادة بنائه وتمثيله بطرق مختلفة، في محاولة لتحرير الطين من القيود التقليدية. كما قدم مشروع تخرجه حول مفهوم جمالي يقوم على مفارقة «تقديم الجمال من خلال القبح».
هذه المفارقة ستصبح لاحقاً إحدى السمات المهمة في تجربته.
فالجمال عند القيسي ليس بالضرورة سطحاً مصقولاً أو شكلاً مثالياً؛ فقد يظهر الجمال في الأثر، وفي الشق، وفي الخدش، وفي الكسر، وفي عدم اكتمال الشكل.
ومن هنا يمكن قراءة أعماله باعتبارها محاولة لتحويل أثر العنف على المادة إلى لغة بصرية.
الحرب.. حين تغيرت علاقة الفنان بالمادة
لا يمكن قراءة تجربة وليد القيسي من دون التوقف عند مفهوم الحرب.
تذكر سيرته أنه خدم في الجيش العراقي، وأن تجربة حرب الخليج الثانية سنة 1990 تركت أثراً عميقاً في رؤيته الفنية. وبعد تلك المرحلة غادر بغداد إلى عمّان، حيث واصل العمل في مجال الخزف وأقام مشروعات وورشاً مرتبطة بهذه المادة.
لكن الحرب في تجربته لا تظهر بالضرورة بوصفها مشهداً مباشراً أو تقريراً بصرياً عن المعارك.
إنها تظهر في المادة نفسها.
الطين يتشقق.
الشكل يتصدع.
الكتلة تنقسم.
السطح يتعرض للاعتداء.
والبناء يبدو أحياناً كما لو أنه خرج من قلب الانهيار.
وهذا ما يجعل تجربة القيسي أقرب إلى تحويل الذاكرة الشخصية والجماعية إلى بنية مادية.
وقد وصف مصدر متخصص في الخزف أعماله بأنها مرتبطة بتسجيل الأحداث الكبرى وتمثيل مشاهد الحروب والصراعات، وأن منشآته تحمل هواجس مرتبطة بالخراب والذاكرة وآثار الحرب.
الطين كجسدٍ قابل للكسر
الطين مادة شديدة الخصوصية في الفن.
قبل الحرق يكون ليناً وقابلاً للتغيير؛ وبعد الحرق يصبح صلباً لكنه يظل محتفظاً بذاكرة اليد.
هذه الثنائية تبدو مناسبة جداً لعالم وليد القيسي.
فالعمل يبدأ من مادة رخوة يمكن تشكيلها، ثم تمر المادة بالنار، وبعد ذلك تصبح شيئاً آخر: أكثر صلابة، لكنه يحمل آثار العملية التي مر بها.
لهذا يمكن النظر إلى الخزف في تجربة القيسي باعتباره استعارة للإنسان:
الإنسان يتشكل، يتعرض للضغط، يتشقق، يحترق، ثم يعيد تشكيل نفسه.
وليس مصادفة أن تتكرر في أعماله العلاقة بين البناء والهدم، وبين الشكل ونقيضه، وبين الكتلة والفراغ.
من الخزف إلى النحت
رغم أن القيسي معروف أساساً كخزّاف، فإن تجربته تتقاطع بقوة مع النحت.
فأعماله ليست أواني خزفية بالمعنى التقليدي، وإنما أجسام وكتل ومنشآت وأشكال ثلاثية الأبعاد تشتغل على الفضاء.
وتشير المصادر المتخصصة إلى أن أعماله تتسم باستخدام وسائط متعددة وبأشكال تستكشف الفضاء والحركة، بينما تصف مصادر أخرى منحوتاته بأنها خزفية مجردة وسردية ومشكلة باليد.
وهكذا يصبح السؤال:
هل وليد القيسي خزّاف يستخدم لغة النحت، أم نحّات اختار الطين مادته الأساسية؟
ربما تكون الإجابة الأدق أن تجربته تقع في المنطقة الفاصلة بين الاثنين.
إنه فنان يتعامل مع الجسم والكتلة والفراغ والسطح كما يفعل النحات، لكنه يحتفظ بحساسية الخزّاف تجاه المادة والنار والتحول.
عمّان.. مرحلة جديدة في التجربة
بعد انتقاله إلى الأردن، أصبحت عمّان محطة أساسية في مسيرته.
تشير سيرته إلى أنه عمل في المجال الصناعي للخزف، وأسهم في تأسيس مصانع ومشروعات مرتبطة بالخزف الفني والوظيفي، كما أشرف على مصنع الحرف العربي في الأردن بين عامي 1995 و1997.
كما أقام معارض شخصية في عمّان خلال تسعينيات القرن العشرين، وواصل نشاطه التعليمي والفني، وارتبط اسمه أيضاً بغاليري الأورفلي.
وقد كان معرضه في غاليري الأورفلي عام 2017 بعنوان «بدون عنوان» محطة مهمة في مساره، وعُرضت فيه تجارب تجمع بين الخزف والرسم.
قطر.. التعليم والانفتاح على التجارب العالمية
في عام 2001 انتقل القيسي إلى قطر، حيث عمل في مجال التعليم الفني وتدريس الخزف في مراكز فنية.
وكانت هذه المرحلة مهمة في اتساع نشاطه، إذ شارك في معارض وفعاليات دولية متعددة، وأقام معارض شخصية في قطر ولندن، كما شارك في برامج الإقامات الفنية في عدد من الدول.
ومن مشروعات الإقامات الفنية التي ترد في سيرته:
My Journey – رحلتي في الدنمارك.
Beauty and Magic – الجمال والسحر في اليابان.
What Do You See Through Windows? – ماذا ترى عبر النوافذ؟ في إيطاليا.
Figures – أشكال/شخوص في إسبانيا.
ومشروع Letters from Baghdad to the World – رسائل من بغداد إلى العالم في المغرب.
هذه التجارب تؤكد أن مشروع القيسي لم يبق محصوراً في الجغرافيا العراقية أو العربية، بل دخل في حوار مع مدارس واتجاهات وتجارب الخزف والفن المعاصر عالمياً.
القيسي والشعر.. عندما يتحول النص إلى جسم بصري
من الجوانب اللافتة في تجربة وليد القيسي علاقته بالأدب والشعر.
ففي أحد مشروعاته تعاون مع الكاتب والشاعر شربل داغر، وأنتج سلسلة من الأعمال ثلاثية الأبعاد انطلقت من قصائد داغر، بحيث تحولت الكلمات إلى خطوط وألوان ومساحات وأجسام بصرية.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة في تجربته:
القيسي لا يرى حدوداً صارمة بين الأدب والتشكيل.
الكلمة يمكن أن تصبح شكلاً.
والشكل يمكن أن يصبح سرداً.
والخزف يمكن أن يتحول إلى قصيدة صامتة.
وبهذا المعنى فإن عمله لا يقوم فقط على «صناعة قطعة خزفية»، وإنما على ترجمة فكرة أو ذاكرة أو نص إلى كيان بصري ثلاثي الأبعاد.
المادة في مواجهة المادة
من العبارات المركزية التي تتكرر في الخطاب الفني للقيسي مفهوم «الخزف ضد الخزف»، أو مواجهة المادة بالمادة.
وتشير إحدى المواد المنشورة عنه إلى أن منحوتاته الخزفية تقوم على مفهوم يرتبط بالتدمير، باعتباره انعكاساً لتجارب الحرب التي عاشها وشاهدها.
إنها ليست مواجهة بين الفنان والطين فحسب، بل بين:
البناء والهدم،
النعومة والصلابة،
الحياة والموت،
الذاكرة والنسيان،
الشكل واللاشكـل.
وهذه الثنائيات تمنح تجربته طابعاً فلسفياً يتجاوز التصنيف التقليدي للخزف.
الحدس بدل المخطط المسبق
من الأفكار المهمة في فلسفة القيسي الفنية أن العمل لا ينمو دائماً وفق مخطط فكري مسبق.
في حديثه المنشور عبر Artaxis، يشرح القيسي أن أسلوبه يعتمد على قرارات حدسية تتولد أثناء العمل، وأن القطعة تمر خلال عملية طويلة تسمح بالتغيير والنمو بصورة تلقائية.
وهذا يفسر كثيراً من مظاهر عدم الاستقرار الشكلي في أعماله.
فالعمل ليس دائماً نتيجة رسم تخطيطي سابق.
إنه حوار مستمر بين اليد والمادة.
الفنان يبدأ بفكرة، لكن المادة تقترح شيئاً آخر.
والفنان يستجيب.
ثم يتغير الشكل.
ثم تعود اليد لتتدخل.
وهكذا تصبح العملية الإبداعية أشبه بمفاوضات متواصلة بين الإنسان والطين.
الأوستراكيزم.. الكسر بوصفه فعلاً إبداعياً
في حوار منشور عام 2025 حول تجربته، ارتبط اسم القيسي بمفهوم «الأوستراكيزم» بوصفه ممارسة تقوم على كسر المادة وإعادة بنائها من حطامها، إلى جانب اشتغالات تستدعي إرث الحضارات الطينية وتعيد توظيفه في صياغة معاصرة.
وهذه الفكرة شديدة الأهمية في قراءة أعماله.
فالكسر عنده ليس بالضرورة نهاية.
قد يكون الكسر بداية ثانية.
الحطام ليس مجرد بقايا.
إنه مادة أولية لبناء جديد.
ومن هنا تتحول تجربة الفنان إلى سؤال فلسفي:
هل يمكن للإنسان أن يعيد بناء ذاته من الأشياء التي تحطمت؟
بين سومر والحاضر
العراق بالنسبة للقيسي ليس مجرد مكان ولادة، وإنما طبقة حضارية عميقة في تكوين المادة والرمز.
فالطين العراقي يحمل ذاكرة بلاد الرافدين، حيث ارتبطت الحضارات القديمة بالآجر والرقم الطينية والأختام والعمارة والخزف.
لكن القيسي لا يبدو معنياً بإعادة إنتاج الماضي بطريقة أثرية.
إنه يستدعي روح المادة وليس شكلها التاريخي فقط.
ولهذا فإن الطين عنده يمكن أن يحمل ذاكرة سومر، وفي الوقت نفسه يتحدث عن المدينة الحديثة، والحرب، والاغتراب، والهجرة، والإنسان المعاصر.
إنه حوار بين طبقتين من الزمن:
زمن الطين القديم، وزمن الإنسان الحديث.
حضور عالمي ومقتنيات متحفية
امتدت مشاركات وليد القيسي إلى عدد كبير من الدول والمعارض الدولية.
وتشير سيرته المنشورة من الأكاديمية الدولية للخزف إلى وجود أعمال له ضمن مجموعات ومؤسسات في دول متعددة، منها الأردن والإمارات ومصر والصين واليابان والدنمارك وكرواتيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وغيرها.
كما تؤكد المؤسسة الوطنية للفنون الجميلة في الأردن وجود أعمال للقيسي ضمن مجموعتها، وتذكر من أعماله:
Fallacy Chaos – فوضى المغالطة، 2025
I Want to Say Something – أريد أن أقول شيئاً، 2009
Untitled Form – نموذج بلا عنوان، 2002.
وتشير المصادر كذلك إلى وجود أعمال له في مؤسسات ومتاحف دولية متخصصة في الخزف والفن المعاصر.
«تَنصُّل».. القيسي يعود إلى الأورفلي
في 14 سبتمبر/أيلول 2026 استضاف غاليري الأورفلي في عمّان معرضاً جديداً لوليد رشيد القيسي بعنوان «تَنصُّل» – Disavowal، في محطة معاصرة ضمن مسيرته الفنية.
وبحسب الإعلان المنشور للمعرض، افتتح في 14 سبتمبر 2026 ويستمر حتى 28 سبتمبر 2026، في عودة جديدة إلى الفضاء الذي احتضن تجربة سابقة له عام 2017.
والعنوان نفسه يفتح مساحة واسعة للقراءة.
«تَنصُّل» كلمة تحمل معنى الانفصال أو رفض الإقرار أو محاولة الخروج من مسؤولية أو هوية أو موقف.
وعندما توضع هذه الكلمة في سياق تجربة فنان مثل القيسي، الذي ظل طويلاً مشغولاً بأسئلة الذاكرة والحرب والدمار وإعادة البناء، فإنها تثير أسئلة حول علاقة الإنسان بماضيه:
هل يستطيع الإنسان أن يتنصل من ذاكرته؟
هل يستطيع الفنان أن يتنصل من آثار الحرب؟
هل تستطيع المادة أن تتنصل من تاريخها؟
وهل يمكن للعمل الفني أن يكون محاولة للانفصال عن الماضي، أم أنه يصبح، paradoxically، وسيلة لاستحضاره؟
هذه أسئلة تفسيرية يثيرها عنوان المعرض، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تصريحاً مؤكداً من الفنان ما لم يرد ذلك في بيان المعرض نفسه.
«تَنصُّل» بين العنوان والسياق
يكتسب معرض 2026 أهمية إضافية لأنه يأتي بعد عقود من العمل على موضوعات التفكيك والخراب والذاكرة.
فالقيسي الذي بدأ في الثمانينيات بتجريب إمكانات الخزف، ثم مر بتجارب الحرب والانتقال والعمل والتعليم والإقامات الفنية، يعود إلى الأورفلي بعد تجربة طويلة.
ولهذا يمكن النظر إلى «تَنصُّل» باعتباره عنواناً يفتح مرحلة جديدة من الأسئلة، لا مجرد عنوان لمجموعة من القطع.
فالعمل الخزفي عند القيسي كان دائماً مرتبطاً بفكرة التحول:
المادة تتحول إلى شكل،
الشكل يتعرض للكسر،
الكسر يتحول إلى أثر،
والأثر يتحول إلى ذاكرة.
ومن هنا تبدو كلمة «تنصّل» وكأنها تقع في نهاية سلسلة طويلة من الأسئلة حول العلاقة بين الفنان وذاكرته ومادته وماضيه.
وليد القيسي.. فنان بين الخزف والنحت
يصعب اختزال وليد القيسي في لقب واحد.
فهو:
خزّاف لأنه جعل الطين والخزف جوهر مشروعه.
نحّات لأنه اشتغل على الكتلة والفراغ والجسم ثلاثي الأبعاد.
فنان تشكيلي لأنه وسّع تجربته إلى الرسم والوسائط المختلطة.
فنان مفاهيمي لأن المادة لديه تحمل فكرة وتتجاوز وظيفتها المادية.
ومثقف بصري لأن تجربته دخلت في حوار مع الشعر والأدب والذاكرة والتاريخ.
وهذه المستويات المتداخلة هي التي تمنح تجربته خصوصيتها.
موقعه في مسار الخزف العراقي المعاصر
يأتي القيسي ضمن سلسلة طويلة من الفنانين العراقيين الذين جعلوا من الخزف مجالاً للفن الحديث والمعاصر، لا مجرد حرفة تقليدية.
لكن خصوصية تجربته تكمن في أنه تعامل مع الخزف بوصفه مادة قابلة للتمرد.
فهو لا يبحث دائماً عن الكمال التقني الظاهر، بل يسمح للسطح بأن يحمل أثر التجربة.
الخط.
الخدش.
الشق.
الفراغ.
الكتلة.
الحطام.
كلها تتحول إلى مفردات في قاموسه البصري.
ولهذا فإن مشاهدة أعماله لا تبدأ من سؤال:
«ما هذه القطعة؟»
بل ربما تبدأ من سؤال:
«ماذا حدث لهذه المادة؟»
ثم:
«ماذا حدث للإنسان الذي صنعها؟»
الخاتمة: حين يصبح الكسر شكلاً من أشكال الحياة
تجربة وليد رشيد القيسي هي تجربة فنان لم يتعامل مع الخزف باعتباره نهاية المطاف، بل باعتباره بداية لسلسلة لا تنتهي من الأسئلة.
من بغداد إلى عمّان، ومن قطر إلى المعارض الدولية، ومن الطين إلى النحت، ومن الكتلة إلى الفراغ، ومن الحرب إلى الذاكرة، ظل القيسي يبحث عن إمكان آخر للمادة.
ربما لهذا تبدو أعماله أحياناً كما لو أنها خرجت من منطقة بين الأثر والشيء، وبين الأنقاض والبناء، وبين الذاكرة والنسيان.
وفي عالمه الفني، لا يكون الكسر دائماً علامة على النهاية.
قد يكون الكسر طريقة أخرى للقول إن الشيء ما زال قادراً على الحياة.
وهنا تكمن أهمية تجربته: فهو لا يمنح الطين شكلاً وحسب، وإنما يمنحه ذاكرة؛ ولا يصنع المنحوتة بوصفها جسماً فقط، بل يجعلها مساحة للتفكير في الإنسان والزمن والحرب والهوية.
ومع معرض «تَنصُّل» في غاليري الأورفلي بعمان في سبتمبر 2026، يبدو أن القيسي يواصل طرح السؤال ذاته بصيغ جديدة:
ماذا يبقى من الإنسان عندما يحاول أن يتنصل من ماضيه؟
وربما تكون الإجابة، كما توحي مسيرته كلها، موجودة في المادة نفسها؛ في ذلك الطين الذي يمكن أن ينكسر، لكنه يستطيع أيضاً أن يُعاد تشكيله.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
ملاحظة توثيقية:

*هناك اختلاف طفيف في بعض المصادر حول تسمية المؤسسة التعليمية التي تخرّج منها القيسي (معهد الفنون الجميلة/أكاديمية الفنون الجميلة)، لكن المصادر الأردنية المتحفية والأرشيفية تتفق على بغداد، 1963، والتخصص في الخزف، والتخرج عام 1985. كما أن السيرة الأرشيفية المنشورة تتضمن تسلسلاً مهماً للمعارض والجوائز منذ 1983، من بينها جائزة الفن الحديث في بغداد عام 1992 وجائزة الفخار من وزارة الثقافة العراقية عام 1993.
معرض «تَنصُّل» 2026م. موعد افتتاحه في 14 سبتمبر واستمراره حتى 28 سبتمبر من الإعلان المنشور للمعرض، بينما التفاصيل النقدية الكاملة للأعمال المعروضة حديثة جداً؛ لذلك تعمدت عدم اختلاق أسماء أعمال أو تفسيرات منسوبة إلى الفنان لم أجد لها توثيقاً منشوراً.
* بالتأكيد. بعد مراجعة مصادر فنية وأرشيفية متعددة، يمكن تقديم وليد رشيد القيسي بوصفه فناناً عراقياً تشكيلياً وخزّافاً ونحّاتاً ارتبطت تجربته خصوصاً بتحويل الطين والخزف من مادة وظيفية إلى فضاء للتجريب والذاكرة والأسئلة الوجودية، مع حضور واضح لتجربة الحرب والهدم وإعادة البناء في لغته الفنية.

أخر المقالات

منكم وإليكم