منشورات جامعة أكسفورد
يؤمن الأثريون أن يوريبيديس كان فناناً إضافة إلى كونه كاتبًا تراجيدياً فرسوماته كانت تعرض في مدينة ميجارا .فهذا التقليد المحتمل هو ابتداع مستلهم من مواضع مختلفة بمسرحياته التي لها بعد بصري فني ,وما من مسرحية ممتعة تعبر عن ذلك أكثر من أيون فمن لحظة دخول جوقة المنشدات الأثينيات على نحو يثير الإعجاب ,يصفن المناظر الأسطورية المنحوتة على واجهة معبد أبوللون المشتملة على صورة أثينا المدهشة (السطر184-218).ويتضح ذلك عند مناقشة أيون وكريوسا حول جدها أرشتونيس الشخصية المحورية في الأساطير التأسيسية الأثينية فتعليقات أيون في دقيقة إعطاء أثينا أرشتونيس كطفل لبنات كيكروبس كان مشهداً أثيراً لدى الرسامين (271)وعندما يقيم أيون خيمته الاحتفالية فهو يستعمل نسيجًا مزدانًا بالرسومات به تفاصيل متسلسلة لمناظر وطنية (السطر1141-52),عند مدخل الخيمة يُموضع أيون تمثال كيكروبس ,الذي به الرجل الثعباني الذي نبت من من التربة الأثينية ,ليصبح السلف الأول لسكان أثينا الأصليين المولودين بها (1141-66)فهذه العبارة تلفت الانتباه لأحوال المسرح بواسطة جعل الجمهور يتأمل البعد المرئي للشعر الدرامي الذي لديهم خبرة به لكن الأسطورة تختار لما هو متخيل أيضاً ومتموقع في السرد الرئيسي للمسرحية,فالتوحد بين أيون وأمه كريوسا ملكة أثينا ,مأخوذ من التقليد المحلي الأسطوري المحتفى به في كل شكل فني بمدينة أثينا.فإصرار كريوسا أن المُلك يرثه الولد الحقيقي للعائلة الملكية الآثينية ,لعله يسبب صدمة لدى الجمهور المعاصر مما يشحذ التفكير حول موضوع الخوف من الغرباء(رهاب الأجانب) ,فالأمر يتسق مع شعور سعادة أبناء الوطن اليوريبيديين بتصديقهم ,أن أسلافهم لم يكونوا مهاجرين, لكن ولدوا في تربة مدينتهم.بشكل متناقض, مسرحية أيون تكون ذات خصوصية عميقة ,إنها دراما شخصية. فالمنظر يكون في محراب عام حيث بركة نبؤة دلفي الهلينية ,فكريوسا وزوجها يأتيان كي يستفسرا عن عدم الانجاب ,على نحو ظاهري. لكن المسرحية تنتهي بإلقاء أثينا نبؤات عظيمة تهم العالم الإغريقي قاطبة (1575-94)فالمسرحية توهجها الرئيسي يكون ناشئًا عبر التطور التدريجي للعلاقة بين كريوسا وولدها المفقود منذ فترة طويلة,أي الإبن الذي يدرك بعدئذ أن أبوللو قد اغتصبها .إن معظم المسرحية تتألف من حوار حميم بين كريوسا وأناس ذوي علاقة دم بها أو مقربين قلبياً منها,فحتى الجوقة تكون خدمها الملكيين .إن معظم الفعل الدرامي يتراكب من الأسرار الجنسية ,المشتملة على أسرار زيسياس(كسوثوس) الذي قبل أن يتزوج كريوسا جامع فتاة ليلة كاملة في الاحتفال. فحتى النهاية السعيدة تكون مفضوحة من جانب تواطؤ الجمهور في الأسرار الخطيرة. فكريوسا وأيون يكونان بيولوجياً أم وابن وهي معلومة لم يشترك زيسياس في معرفتها ,وهو العضو الآخر في عائلتهم النووية الصغيرة(1601-3)ـإن مسرحية أيون ليوريبيديس قامت بتجريب الحيل الدرامية التي كانت لاحصر لها في المسرح الأوروبي مؤخراً .مثل أخطاء التعارف, وعلى سبيل المثال تكون معروضة في تكوين محتمل كوميدياً وتراجيدياً .إن زيسياس(كسوثوس) افتراضة أن أيون يكون ولده بيولوجياً تولد برهة من فن الفارس(المبالغة)تماماً.إن زيسياس يحاول أن يعانق الشاب العجيب الذي يفسر بوضوح سبب فقدانه عقلة(517-30)لكن عندما تقوم كريوسا بنفس الخطأ, فالنتيجة تكون محاولة قتل متبادلة …يوريبيديس أيضاً يكتشف التزامن العشوائي أو المصادفة المؤثرة على الأحداث ,على الرغم أن اكتشاف حقيقة هوية أيون ختى عودته إلى أثينا يكون جزءاً من ترتيب سماوي أعده أبوللو ,فالأحداث المبنية على الصدفة تولد التوتر الدرامي وتولد معظم خراب البرنامج السماوي .قليل من الشواهد تؤكد محاولة احياء سحر هذا الجو الدرامي في تصورات المتأخرين في العصور القديمة .لكن إنه جهد لاحصر له ممتد التأثير ,كواحدة من انجازت يوريبيديس الدرامية التي تلقفتها الكوميديا الجديدة عند ميناندر ومعاصريه من الرومان مثل بلاوتس وتيرنيس, وما تلاه من اعمال رومانسية كوميدية نثرية خيالية كتبها الروائيون أمثال هليدورس وأخيل تاتيس ولونيج .فأحبولة الصدفة لم تصبح فقط واحدة من أهم الأسس الدرامية في الكوميديا الجديدة انها في بعض الأحيان تكون على هيئة ظهور الهة المصادفة كبرولوج .فمثل أيون نجد الكوميديا الجديدة تكون مستوحاة من فتنة أحبولة الحصول على اللقطاء بعد ضياعهم من عائلاتهم ومن شخصيات الخدم والأسرار وأحبولة التعارف ومن كوميديا الأخطاء التي تدور عن الهوية والأبوة والأمومة فهذه المتناقضات يشملها سحر يُكتشف من سياق الحياة المعاصرة كل يومإن موضوع الطفل اللقيط كان بالطبع أقدم من يوريبيديس فهناك في العهد القديم نظائر له في قصة النبي موسى الأسيوي .وفي رواية هيرودوت عن طفولة كورش الكبير ملك فارس ,وغير ذلك ,في التراجيديا القاتمة أوديب حاكم طيبة لسوفوكليس .لكنه يوريبيديس وليس كاتباً آخر الذي لديه خيوط الغزل لقصة محددة النموذج تُسفر عن التحولات الأولية للكوميديا الإغريقية من الهجاء الأريستوفاني السياسي والإجتماعي إلى قصة محلية للطبقة المتوسطة .يعد الابتكار الأهم لدى يوريبيديس في تركيزه على أحاسيس كريوسا بالرغم من أنها نموذج أقل شهرة من ميديا أو هيكابي… في شخصية كريوسا عند يوريبيديس نجد رسمًا مدروساً دقيقاً,فيمكن القول إنها صورة نفسية لأنثى رسمها يوريبيديس بحس مرهف إن القليل من ضحايا الاغتصاب في مدونات الأدب الغربي يمكن الإنصات إليها, لكن ليس بنفس قدر انصاتنا لرد فعل كريوسا على الإعتداء عليها, الذي نعلم به من الغضب الواقعي الناجم من اغتصابها .فغضبها ينفجر في مشهد يمزق نياط القلب أثناء بوحها في وجه الجمهور بالذكريات المكبوتة لصدماتها التي عانت منها وهي مراهقة ,فبينما اغتصبها أبوللو نادت بلا جدوى على أمها(893)فلقد تحملت آلام المخاض وحدها دون قابلة (948-9)فلقد كانت في عذاب نفسي بينما تحاول أن تتجاهل ذراع طفلها المتمد نحوها ,إنها الرقة المكتشفة من جراء معاناة كريوسيا الذي يجعل مشهد التعارف الأخير مؤثراً جداً بما فيه من مشاعر متدفقة, تُعلي من مغزى عام لرمزية قماط الطفل في أعمال المنمنمات الفنية ,التي تصف مشاهد من أسطورة أثينا المناسبة لملك أثينا المستقبلي .تعرض مسرحية أيون ليوريبيديس لكيف أن دماء السكان الأصليين الأثينيين ,كانت قد انصهرت بدماء أبوللو السماوي سيد نبوءة دلفي .لكن الأبوة السماوية لأيون في النهاية تبدو أقل أهمية من الوحي المنذر بكارثة حمل غير مرغوب فيه ,الذي يمكن أن يكون لفتاة غير متزوجة .فلقد أبرز يوريبيديس زاويته غير الاعتيادية على حمل كريوسا بالإشارة إلى الشعراء الذكور الذين يسردون الأساطير التي تروي فضائح الإتصال الجنسية ,مشيرين الى النساء بالاتهام واللوم . .ان الجوقة الغاضبة ترشدنا إلى أنه حان الوقت ان تروي بعض الأشعار كيف أن المرأة تعاني بين أيدي الرجال, ففي السطور (1096-8)يُذكر الآتي:لعل أغنية ربات الشعر الصاخبة بسردمختلف وعلى نحو حر يفضح الرجال وغرامياتهم .
ترجمة أسامة سليمان
عن صفحة المسرح العالمي


