مدينة خارج الورق،اد فيرببرن

إد فيربيرن… الشوارع التي تنتهي في عين
قد نعرف الطريق إلى مدينة، ولا نعرف الطريق إلى إنسان عاش فيها. نقرأ أسماء الشوارع، ونتتبّع الأنهار والحدود، لكن الخرائط تترك حياة ساكنيها خارج الورق. في أعمال إد فيربيرن، يستعيد الإنسان مكانه داخل هذه المساحات؛ تطلع عين من شبكة طرق، ويتكوّن خدّ بين أحياء متجاورة، وتصبح المسافة التي اعتدنا قياسها بالكيلومترات قابلة للقراءة عبر ملامح وجه.
يقول الفنان عن طريقته: «أهدف إلى الحفاظ على وظيفة كل خريطة، بدعم تكوينها بدلاً من مقاومته». تكشف هذه العبارة، المترجمة عن موقعه الرسمي، أساس تجربته: الإصغاء إلى الخطوط الموجودة قبل إضافة خطوط جديدة. فالخريطة تحمل نظامها وإيقاعها، ويبدأ عمله من اكتشاف الإمكانات البصرية الكامنة في هذا النظام. (edfairburn.com⁠)
وُلد فيربيرن عام ١٩٨٩، وقد جمع في تجربته بين اهتمامه بالخرائط الورقية القديمة وشغفه برسم البورتريه. يستخدم الحبر والقلم الرصاص والطلاء، ويتأمّل بنية الخريطة قبل التدخل فيها، ليمنح الطرق وخطوط التضاريس دوراً في تشكيل الملامح. وأطلق على طريقته اسم «Topopointillism»، جامعاً فيه بين الطبوغرافيا والتنقيطية؛ وهي تسمية يشرح بها منهجه الخاص، وليست اسماً لمدرسة تاريخية مستقلة. (edfairburn.com⁠)
في الصورة المرفقة، يمكن ملاحظة دقة العلاقة بين الرسم والأرضية المطبوعة. تظهر العين واضحة وسط ازدحام الخطوط، بينما تتوزع بقية الملامح على درجات من الظهور والاختفاء. تبقى الشوارع مقروءة، وتحتفظ الأحياء بتقسيماتها، لكن تراكم الظلال يمنحها وظيفة إضافية داخل الوجه. يصبح الخط الواحد جزءاً من طريق، وجزءاً من تعبير إنساني في الوقت نفسه.
تقوم قوة هذا البناء على ضبط الكثافة. فالمناطق الداكنة تمنح الملامح عمقها، والمساحات الأخف تتيح للضوء أن يستقر على الوجه. ويحتاج هذا التوازن إلى حساسية عالية، لأن زيادة الظل قد تطمس الخريطة، وضعفه قد يترك البورتريه مشتتاً. تتجلى المهارة في الوصول إلى مساحة يستطيع فيها المشاهد رؤية الاثنين معاً، دون أن يفقد أحدهما حضوره.
كما تدخل مسافة المشاهدة في تكوين التجربة. يوضح فيربيرن أن الوجه يصبح أكثر وضوحاً من بعيد، بينما تتكشف تفاصيل الخريطة عند الاقتراب. (edfairburn.com⁠) وهكذا تتحرك العين بين قراءتين للعمل: قراءة تبحث عن الإنسان، وأخرى تتتبّع المكان. هذا التحول يجعل المشاهدة فعلاً متجدداً؛ فكل اقتراب يكشف بنية، وكل ابتعاد يعيد جمعها في ملامح.
ومن زاوية نقدية، يمكن قراءة هذه الوجوه باعتبارها تأملاً في أثر الأمكنة على الهوية. للمدينة حضور في الذاكرة والسلوك وطريقة النظر إلى العالم؛ شارع ارتبط بطفولة، وحيّ احتفظ بصوت عزيز، وطريق شهد مغادرة لم تُنسَ. تتيح أعمال فيربيرن تخيّل هذه العلاقة مرئية على سطح الوجه، كأن التجربة الإنسانية تركت تضاريسها الخاصة على الملامح.
ويمنح الورق القديم هذا التأويل عمقاً إضافياً. فالخريطة وثيقة لتنظيم المكان وتسجيله، والرسم يدخل إليها حضوراً فردياً يصعب اختزاله في اسم أو رقم. بذلك يلتقي نظام المسح الجغرافي بتعبير العين، وتتجاور دقة التقسيم مع ما يحمله الوجه من غموض. ومن هذا اللقاء تنشأ خصوصية العمل: سطح يمكن قراءته بعين الباحث عن طريق، وبعين الباحث عن حكاية.
أما من حيث اللغة التشكيلية، فتجاور التجربة بين وضوح البورتريه وتجريد الشبكات الخطية. للوجه بنية يمكن التعرف إليها، وللخريطة إيقاع من التقاطعات والمسارات والفراغات. ويولد الانسجام من قدرة الفنان على جعل هذا الإيقاع يخدم التعبير؛ فتبدو الملامح كأنها تنمو تدريجياً من الورقة، ويصبح اكتشافها جزءاً من متعة النظر.
تترك أعمال إد فيربيرن سؤالاً مفتوحاً عن علاقتنا بالأرض التي نعبرها: كم من الأماكن يستقر فينا بعد أن نغادره؟ أمام هذه الوجوه، تبدو الشوارع قادرة على الاحتفاظ بشيء من حياة البشر، ويبدو الإنسان حاملاً لخريطة لا تظهر في الوثائق. خريطة ترسمها التجربة، وتمنحها الذاكرة أسماءها، وتنتهي بعض طرقها في عين تتأملنا.

#الفن والنقد التشكيلي#محلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم