حكايات مسرحية
رفيقي الذي وضعني على الطريق ثم اختفى
لا أتذكر على وجه اليقين كيف وقع في يدي كتاب “مسرح المسرحيين” لصافي ناز كاظم.
ربما كان قد لفت نظري أثناء إحدى جولاتي شبه اليومية بين الكتب التي كان العم مدبولي يفترشها أمام محله في ميدان طلعت حرب ، وربما أهدانيه صديق عرف مبكرًا ولعي بالمسرح. لا أملك الآن ما يحسم الأمر، وكلما حاولت أن أستعيد المشهد وجدت الاحتمالين يتداخلان، كأن الذاكرة نفسها لا تريد أن تمنحني إجابة قاطعة.
لكنني أتذكر شيئًا واحدًا على وجه اليقين، أن الكتاب أخذني إليه من أول صفحة.
كان ذلك في قطار يحملني إلى الإسكندرية بصحبة شلة من الأصدقاء. فتحت الكتاب من باب الفضول، لأعرف فقط عما يتحدث. ولم أكن أعرف أنني بعد دقائق قليلة سأغادر الأصدقاء، وأنا جالس بينهم، إلى مكان آخر تمامًا.
التصقت بالكتاب التصاقًا عزلني عن كل ما حولي.
أتذكر أيضًا أنني توقفت عند اسم الكاتبة نفسها.
صافي ناز كاظم.
ما هذا الاسم الغريب؟
قلت لنفسي: يبدو أنها ليست مصرية!
كنت يومها في بداية علاقتي بالمسرح، ولم يكن اسم صافي ناز كاظم قد صار بالنسبة إليّ الاسم الذي أعرفه الآن. ولم يكن ما يدهشني اسمها وحده، وإنما الأسماء التي وجدتني أدخل معها عالمًا لم أكن أعرفه.
“بيتر بروك.. جيرزي جروتوفسكي..ألفريد جاري”.
يا الله! من هؤلاء؟
وما الذي فعلوه بالمسرح؟
بل الأهم: ما الذي فعلوه بي؟
كانت صافي ناز تتحدث عنهم بحب واضح، لكنها لم تكن تكتفي بأن تقول إنهم مخرجون أو مسرحيون كبار. كانت تفتح أمامي أبوابًا لم أكن أعرف بوجودها، وتشرح ببساطة كيف استطاع هؤلاء أن يهزوا ما استقر في المسرح طويلًا، وأن يسألوا عن الأشياء التي اعتدنا أن نعدّها بديهيات.
فبيتر بروك، كما قدمته لي، كان يستطيع أن يرى المسرح في أبسط صورة ممكنة: مساحة فارغة، ومؤدٍ، ومتفرج، وشيء يحدث بينهما. أما بقية الأشياء التي كنا نظنها من ضرورات المسرح فيمكن أن تغيب. وكانت هذه الفكرة، بالنسبة إلى شاب لم يكن قد بدأ بعد دراسة المسرح دراسة حقيقية، أشبه باكتشاف قارة جديدة.
ثم جاء جروتوفسكي.
وهنا كان السحر أشد.
المسرح الفقير.
والمبدأ الذي أسمته صافي “الحذف والإلغاء”، وتخليص المسرح من الأثقال التي تراكمت حوله.
لم يكن المسرح، إذن، بحاجة دائمًا إلى المزيد. ربما كان يحتاج أحيانًا إلى أن نتخلص من الأشياء حتى نصل إلى جوهره.
كنت أقرأ وأعيد القراءة. ولم أكن أقرأ لكي أفهم فقط، كنت أقرأ لأنني كنت أشعر أن شيئًا ما يتحرك داخلي.
وللمرة الأولى بدأت أفهم أن المسرح ليس مجرد نص مكتوب على الورق.
كانت صافي ناز تصر على الفصل بين المسرح والأدب، وترى أن النص المسرحي لا يكتمل بالقراءة، وإنما لا يصبح مسرحًا إلا حين يدخل إلى فضائه الحقيقي، العرض، والممثل، والمتفرج، وكل العناصر التي تجعل السفينة تخرج من الميناء إلى البحر.
كنت أقرأ ذلك كله وأنا في قطار الإسكندرية.
وفي مكان ما بين القاهرة والإسكندرية، اتخذت قراري ” لا طريق لي إلا المسرح.. ولتذهب الميكانيكا والكهرباء إلى الجحيم!”
لم أكن قد اتخذت قرارًا مهنيًا بالمعنى الذي يتخذ به الناس قراراتهم. لم أكن أضع خطة للمستقبل، ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني إذا فعلت ذلك. كنت فقط أشعر، للمرة الأولى، أنني وجدت الشيء الذي أريد أن أهب له حياتي.
ظل الكتاب معي طوال رحلة الإسكندرية.
وفي رحلة العودة إلى القاهرة، امتدت يدي إلى حقيبتي الصغيرة، أبحث عن رفيقي لكي نواصل حديثنا.
لكن… ويالا المصيبة ..لم أجده.
كدت أجن.
بحثت في الحقيبة مرة، ثم مرة أخرى، وكأن الكتاب يمكن أن يظهر إذا أعدت البحث بالطريقة الصحيحة.
وبعد قليل تذكرت.
لقد نسيته أسفل وسادتي في الفندق الرخيص الذي أقمنا فيه.
كرهت الفندق.
ولعنت نفسي.
وحين حاول الأصدقاء أن يخففوا عني قال أحدهم، ببساطة شديدة:
” يا عم، لما تنزل مصر ابقى اشتري نسخة تانية.”
كان الحل سهلًا بالنسبة إليهم.
فهو، في النهاية، مجرد كتاب.
لكنهم لم يعرفوا أن الأمر لم يعد كذلك.
لم يكن الكتاب الذي فقدته مجرد كتاب اشتريته من عند العم مدبولي أو أهدانيه صديق. لقد أصبح خلال أيام قليلة شيئًا آخر. صار رفيق رحلة، وصار بوابة دخلت منها إلى عالم لم أكن أعرفه، وربما كان ــ من حيث لا أدري ــ أحد الذين دفعوني إلى اختيار الطريق الذي عشت فيه بعد ذلك كل حياتي.
لذلك لم أسعَ، منذ ذلك اليوم، إلى اقتناء نسخة أخرى.
فكلما هممت بذلك اجتاحني شعور غريب، يشبه شعور من يخون رفيقًا.. فأتراجع.
ومضت السنوات.
درست المسرح، ومارسته، وقرأت عنه، وعشت معه.
وصار بيتر بروك وجروتوفسكي وألفريد جاري أسماء بشر أعرفهم تماما، لا أسماء سحرة مجهولين دخلوا ذات يوم إلى عربة قطار.
بعد سنوات طويلة، ظننت أنني شُفيت من ذلك الجرح.
فقلت لنفسي: حان الوقت.
سأشتري نسخة أخرى من “مسرح المسرحيين”.
هذه المرة لن أتركها تضيع. سأضعها في مكتبتي، وربما أعيرها لبعض تلاميذي إذا احتاجوا إليها.
لكنني اكتشفت شيئًا لم أتوقعه.
الكتاب اختفى.
لم أجد النسخة التي أبحث عنها.
بحثت عنه فلم أجد.
وكأن القدر المسرحي الذي أتاح لي الكتاب ذات يوم قرر أن يعاقبني على خيانتي له، وأن يجعل العقوبة دائمة.
صرت أملك كل ما جاء في ذلك الكتاب تقريبًا، لكنني لم أعد أملك الكتاب الذي بدأ منه كل شيء.
وها أنا الآن، بعد كل هذه السنوات، أعود إليه.
أبحث عنه، لا لأنني أحتاج إلى المعلومات التي فيه، فقد قرأت بعده عشرات الكتب، ودرست ما كنت أجهله يومها، وعرفت بروك وجروتوفسكي وجاري وغيرهم من الذين فتحوا للمسرح أبوابًا جديدة.
إنما أبحث عنه لأنني أريد أن أستعيد ذلك الشاب الذي كان يجلس في قطار الإسكندرية، يفتح كتابًا للمرة الأولى، ولا يعرف أن حياته بعد الصفحة الأولى لن تكون كما كانت قبله.
#محمد الروبي#مجلة ايليت فوتو ارت.
