مؤرخ إدلب: فايز قوصرة. الذي حمل ذاكرتها في دكان:تركي المصطفى.

فايز قوصرة.. مؤرخ إدلب الذي حمل ذاكرتها في دكان
تركي المصطفى
في مدينة إدلب، تلك المدينة التي تتكئ على أطراف الشمال السوري وكأنها تحرس ذاكرة الأرض منذ آلاف السنين، وُلد فايز عبد القادر قوصرة عام 1945. والحقيقة أن القدر لم يختر له هذا المكان عبثاً، فقد جاء إلى الدنيا في بيت تتقاطع فيه روائح التاريخ مع همسات الأدب، فجدّه لأمه هو محمد راغب الطباخ، مؤرخ حلب الشهير وصاحب “إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء”، وكأن العائلة أرادت أن تسلّم الرجل مفاتيح الذاكرة جيلاً بعد جيل، من حلب إلى إدلب، ومن الطباخ إلى قوصرة. نشأ الطفل في هذا الجو الذي كانت فيه الكتب لا تزال تتنفس، فتشبّع بذلك النهم المبكر للتاريخ والآثار، حتى صار فيما بعد لا يرى في الحجر الأثري مجرد حجر، بل وثيقة صامتة تنتظر من يقرأها.
والحقيقة أن قوصرة لم يكن ذلك الباحث الذي يجلس في برجه العاجي يكتب عن التاريخ من بعيد، بل كان رجلاً مشى في الميدان، وصعد التلال، ودخل المتاحف، ووقف أمام الأوابد التي تصارعت عليها الحضارات، يقرأ فيها ما لم تقله الكتب. درس المرحلتين الإعدادية والثانوية في إدلب، ثم رحل إلى دمشق حيث تخرج في كلية الآداب بجامعة دمشق، حاملاً إجازتين: الأولى في التاريخ، والثانية في الدراسات الفلسفية والاجتماعية. وهذا التكوين المزدوج، بين التاريخ والفلسفة، هو ما جعل عقله يعمل بطريقة مختلفة عن كثيرين من أبناء جيله، فلم يكتف بسرد الوقائع، بل كان يسأل دائماً عن السياق، وعن المعنى، وعن الحضارة التي تقف خلف الحجر.
بدأ نشاطه الثقافي مبكراً، قبل أن يتخرج من الجامعة، حين التحق بالمركز الثقافي في إدلب عام 1960 منذ تأسيسه، وأسهم في تأسيس مكتبته. وفي عام 1962، نشر أول مقال له بعنوان “إيمان بالنجاح” في مجلة “الخمائل” الحمصية، والتي عمل مراسلاً لها. ثم عمل مراسلاً لعدد من الصحف والمجلات السورية والعربية، وأسّس صحيفة “إدلب الخضراء” وعمل مديراً لتحريرها عام 1986، كما عمل كاتباً ومحرراً في مجلة “سنابل” الليبية عام 1990. وإذا كان لا بد من الإشارة إلى محطة مهمة في حياته، فلا يمكن تجاوز تجربته في رومانيا، حيث عاش فترة من عمره وتزوج هناك من فتاة رومانية توفيت لاحقاً، قبل أن يعود إلى سوريا بدافع حبه لبلاده، على حد ما ورد على لسانه. وقد انعكست هذه التجربة لاحقاً في مؤلفه “عرب على عرش روما”، وكأن الرجل أراد أن يقول إن التاريخ ليس حكراً على أحد، وإن العرب قد حكموا روما ذات يوم.
لكن الإسهام الأكبر لقوصرة كان في ميدان الآثار والتاريخ المحلي، حيث كشف خلال مسيرته عن ألف موقع أثري في محافظة إدلب، ووثّقها بالكلمة والصورة. والحقيقة أن هذا الرجل لم يكن مؤرخاً “كرسيّاً”، بل كان باحثاً ميدانياً يزور المواقع ويصوّرها ويدوّن تفاصيلها قبل أن تضيع أو تُنهب، وقد عمل محاضراً في قسم الآثار بجامعة حلب، ما يدل على أن الأوساط الأكاديمية نفسها اعترفت بخبرته الميدانية. وترك إنتاجاً غزيراً يزيد على ثلاثين كتاباً في التاريخ وعلم الآثار، من أبرزها “الرحالة في محافظة إدلب” (1984) الذي كان أول مؤلفاته، و”من إيبلا إلى إدلب”، وهو مجلد ضخم يحوي أكثر من 140 وثيقة وصورة في 422 صفحة، و”الثورة العربية في الشمال السوري.. ثورة إبراهيم هنانو” الذي صدر عن وزارة الثقافة السورية، و”التاريخ الأثري للأوابد العربية الإسلامية في محافظة إدلب” الذي فاز بالجائزة الأولى في مسابقة جمعية العاديات بحلب عام 2004، و”قلب لوزة درة الكنائس السورية” الذي صدر باللغتين العربية والإنجليزية، و”حصن شغر–بكاس” الذي وثّق حصناً استعصى على صلاح الدين الأيوبي، و”عرب على عرش روما”، و”محافظة إدلب: بوابة الحضارة السورية” في عدة أجزاء، وأخيراً “جولة في متحف إدلب” الذي صدر إلكترونياً عام 2019.
وهنا لا بد من التوقف عند هذه النقطة الأخيرة، لأنها تكشف عن جوهر الرجل. ففي ظل الحرب التي شهدتها سوريا بعد 2011، واجه قوصرة صعوبات أمنية ومعيشية ونفسية “قوّضت عمله في مجال الثقافة”، على حد تعبيره. غير أنه لم يتوقف عن الكتابة والتوثيق، بل وجّه جهوده نحو توثيق ما كان موجوداً في متحف إدلب قبل أن يُسرق أو يُدمَّر. وقال في مقدمة الكتاب: “تراثنا يُنهب أمام أعيننا، ونحن نسير نحو الجهل به بكل أسف. لعلّ هذا الكتاب يكون وثيقة لكل دارس في تراثنا”. والحقيقة أن هذه العبارة وحدها تكفي لتلخيص مأساة مثقف عربي رأى كل ما بناه ينهار أمام عينيه، فلم يجد سوى القلم ليقاوم به.
ترك قوصرة عشرين كتاباً لم تُطبع بعد، بانتظار جهة تتبنى طباعتها، وكان ينشر أجزاءً منها عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، وكأنه كان يقول إن الزمن لم يعد يسمح بالانتظار. وكان يعمل قبيل وفاته على كتاب بعنوان “إدلب البلدة المنسية” في عدة أجزاء. وحاز خلال حياته على اعتراف واسع في الأوساط الثقافية والأكاديمية السورية، حيث أُطلق عليه لقب “مؤرّخ إدلب” نظراً للجهد الثقافي الكبير الذي بذله في تأريخ آثار المدينة ودراسة معالمها. وحين رحل، نعته منصات ثقافية وإعلامية عربية واسعة، ووصفته صحيفة “العربي الجديد” بأنه رحل “مؤرّخ إدلب”، فيما كتبت الجزيرة نت عنه تحت عنوان مؤثر: “مؤرخ إدلب الذي مات عاملاً في دكان”، في إشارة إلى الظروف المعيشية الصعبة التي واجهها في سنواته الأخيرة.
والحقيقة أن هذا العنوان الأخير يختصر الكثير. فايز قوصرة، الرجل الذي كشف ألف موقع أثري، ووثّق تاريخ إدلب من إيبلا إلى اليوم، والذي حاور الحضارات القديمة عبر حجارتها، مات عاملاً في دكان. توفي يوم الخميس 23 مايو/أيار 2024 في مدينة إدلب، عن عمر يناهز 79 عاماً، بعد أسابيع من دخوله في غيبوبة إثر إصابته بجلطة دماغية. رحل تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وتاريخياً وصفته المصادر بأنه “إرث إدلب الثقافي وقلمها الشاهد”.
وهنا يبقى السؤال: ماذا يعني أن يموت مؤرخ في دكان، في بلد ينهب تراثه أمام أعين أبنائه؟ لعل الإجابة تكمن في ما تركه قوصرة من كتب، وما لم يُطبع منها بعد. فهو لم يكن مجرد باحث أكاديمي، بل كان شاهداً على تحولات مدينة كاملة، ووثّق ذاكرتها قبل أن تمحوها الحروب والنهب. إنتاجه الغزير، من “الرحالة في محافظة إدلب” إلى “جولة في متحف إدلب”، يشكّل أرشيفاً لا غنى عنه لكل من يريد فهم تاريخ شمال سوريا وحضارتها. وبغياب عشرين كتاباً لم تُطبع بعد، يبقى السؤال عن مصير هذا الإرث قائماً، خاصة في ظل الظروف التي تعيشها المنطقة. ومع ذلك، فإن ما نُشر من أعماله يكفي لتثبيت مكانته كأحد أهم مؤرخي سوريا المعاصرين، وأبرز من وثّق ذاكرة إدلب الثقافية والأثرية.
#سوريات-souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم