بين “السمو” والشتم: لماذا لا تقتل الكلمات رجلاً اخترع لغة جديدة !؟
تستطيع أن تفتح معارك فكرية وسياسية مع أدونيس من الآن وحتى نهاية التاريخ. تستطيع أن ترفض طروحاته، وتصريحاته، وتفكيكه للموروث، بل وأنا نفسي أختلف معه في منطلقات جذرية وأراه أحياناً يغرّد خارج سياق واقعنا اللحظي. الاختلاف مع قامة بحجم أدونيس ليس حقاً فحسب، بل هو “واجب معرفي” يفرضه فكر أدونيس نفسه الذي قام على مبدأ “الهدم والبناء”.
لكن، هناك خيط رفيع يفصل بين “المثاقفة” وبين “المراهقة الفكرية”
حين يتحول النقد إلى شتائم هابطة يطلقها صغار ومحدودو التفكير من وراء شاشاتهم، فنحن لا ننتقد أدونيس؛ نحن نعلن انتحارنا الثقافي. هؤلاء الذين يظنون أن شتم قامة أدبية قد يمنحهم مشروعية أو “صك غفران فكري”، يفوتهم أن أدونيس لم يعد مجرد شخص يُدعى علي أحمد سعيد إسبر.
أدونيس هو “التواطؤ السري” مع الأدب العربي بمجمله. هو الذي أخذ القصيدة العربية من رتابتها وألقى بها في أتون التجريب الكوني. سواء أعجبك ذلك أم لم يعجبك، فإن الحبر الذي يكتب به هؤلاء الشاتمون اليوم مستمدّ — بطريقة أو بأخرى — من الثورة الأسلوبية التي قادها أدونيس في مجلة “شعر” و”مواقف”.
المثقف المسالم، الذي يخشى الصدمات، ويبحث عن إجماع العوام، ويتحاشى إثارة الأسئلة المحرمة ليرضي الجميع، هو في الحقيقة مثقف فاشل. الثقافة ليست صالوناً للمجاملات أو حلقة لتبادل المديح والسكينة؛ الثقافة هي زلزال، وأدونيس كان ولا يزال هذا الزلزال.
أن تختلف مع “أدونيس المفكر” أو “أدونيس السياسي” يعني أنك تقرأ وتفكر. أما أن تشتم “أدونيس الشاعر والإرث” لتداري عجزك عن مجاراته، فهذا يعني أنك خارج سياق الأدب تماماً.
نختلف مع أدونيس ليبقى حياً فينا كحالة حوارية، ولا نشتمه، لأن الشتم سلاح العاجز أمام قامة لم يستطع فهمها.
أما الكوميديا السوداء، فتتجسد كل خريف مع موسم “جائزة نوبل”؛ حيث يتحول سوريون وعرب لم يقرأوا لأدونيس سطراً واحداً إلى شامتين بحرمانه منها، محاكمين تاريخاً شعرياً كاملاً بمواقف سياسية آنية. والغريب أنهم يتحدثون عن الجائزة وكأنها تُوزع في حارتهم! حسناً، ما دامت نوبل بهذه البساطة!؟ ليتطوع أحدكم ويذهب ليأخذها مكان الأدب العربي كله، أرونا عبقريتكم، أو على الأقل، اقرأوا له كتاباً واحداً قبل أن تحتفلوا بخسارته.
#لينا_هويان_الحسن#مجلة ايليت فوتو ارت


