حين دخلت السينما المصرية هوليوود من الباب الخلفي
ليست السينما المصرية فقيرة فى المواهب، ولا عاجزة عن اختراع الحكايات، ولا محتاجة من حيث المبدأ إلى استعارة دفتر الواجبات من أحد. لكنها، مثل طالب موهوب يكره المذاكرة، كانت أحياناً تفضّل أن تنظر إلى ورقة الجار، ثم تعيد كتابة الإجابة بخط أكثر أناقة، وتضع اسمها فى أعلى الصفحة بثقة من لم يضبطه المراقب.
ولذلك فإن الحديث عن سرقة الأفلام الأجنبية يحتاج إلى شيء من الدقة. فهناك فرق بين الاقتباس المعلن، والتمصير الذكي، والتأثر العام، وبين أن تنتقل الحبكة والشخصيات والمواقف الأساسية من فيلم إلى آخر، ثم لا يظهر فى التترات ما يشير إلى صاحب الفكرة الأولى. والعبارة الأخيرة هي موضع الشكوى؛ لأن تغيير أسماء الأبطال من «جون» إلى «حسن»، ونقل الأحداث من نيويورك إلى إمبابة، لا يحوّل الفيلم تلقائياً إلى اختراع مصري خالص.
وما نكتبه هنا، بطبيعته، لا يصدر حكماً قضائياً؛ ولذلك سترد الأمثلة التالية بصياغات مثل «يُقال»، و«بحسب ما أوردته مصادر نقدية»، و«تشابه لافت». أما المحكمة الوحيدة التي نملكها هنا فهي محكمة المشاهدة: نضع فيلمين جنباً إلى جنب، فإذا بدأ أحدهما يكمل حوار الآخر، فثمة قرابة يصعب إنكارها، حتى لو أنكرها التتر بكل ما أوتى من حبر.
«حنفي الأبهة»: 48 ساعة مصرية
يُذكر فيلم «حنفي الأبهة»، بطولة عادل إمام وإخراج محمد عبد العزيز، بوصفه قريباً بصورة شديدة من الفيلم الأمريكي «48 ساعة» (48 Hrs.)، إنتاج 1982، بطولة إيدى ميرفى ونيك نولتى وإخراج والتر هيل. تقوم الحبكة فى العملين على لص يخرج من السجن مؤقتاً بصحبة ضابط شرطة، من أجل مساعدته فى الوصول إلى عصابة إجرامية.
قد يقول قائل إن فكرة تعاون المجرم والشرطي ليست اختراعاً أمريكياً، وهذا صحيح تماماً؛ فالتاريخ البشرى كله قائم على أن الأعداء يتعاونون عند الضرورة ثم يعودون إلى الشجار فى أقرب فرصة. غير أن التشابه لا يقف عند الفكرة العامة وحدها، بل يمتد إلى الهيكل الدرامي وعلاقة الثنائي المتناقض، بما يجعل المسألة أقرب إلى إعادة طلاء سيارة قديمة منها إلى صناعة مركبة جديدة.
والطريف أن اختراع مسمى «تمصير» الفيلم أضاف إليه نكهة محلية واضحة، لكن النكهة لا تغير الوصفة الأساسية. لقد صار اللص المصري أكثر صخباً، والشرطي أكثر عصبية، والمطاردات أكثر ازدحاماً؛ غير أن «48 ساعة» ظلت تتنفس تحت القميص المصري.
«عصابة حمادة وتوتو»: عندما يسرق المفلس بنكاً وفيلماً
فى «عصابة حمادة وتوتو»، بطولة عادل إمام ولبلبة وإخراج محمد عبد العزيز، يبدأ الزوجان رحلة الجريمة بعد فقدان العمل والخلاف مع صاحب الشركة، ثم تتدرج عمليات السرقة والاحتيال إلى أن يتحولا إلى شخصيتين ناجحتين فى عالم المال.
هذه البنية تشبه فيلم «مرح مع ديك وجين» (Fun with Dick and Jane)، إنتاج 1977، الذى أعيد إنتاجه أمريكياً عام 2005 ببطولة جيم كارى وتيا ليوني. التشابه بين العملين مع غياب التنويه بالفيلم الأجنبي فى تترات النسخة المصرية.
هنا تبلغ المفارقة ذروتها: الفيلم المصري يحكى عن شخصين يسرقان لأن النظام الاقتصادي أغلق فى وجهيهما أبواب الرزق، بينما يبدو صناع الفيلم أنفسهم قد وجدوا أن باب الاقتباس هو الأسهل للعبور. إننا أمام سرقة داخل سرقة؛ أبطال ينهبون الشركات فى الشاشة، وصناع ينهلون من السينما العالمية خارجها. وحده الجمهور يدفع ثمن التذاكر مرتين: مرة لمشاهدة الجريمة، ومرة لاكتشاف أصلها.
«أمير الظلام»: فقدان البصر لا يمنع رؤية الأصل
فيلم «أمير الظلام»، الذى قام ببطولته عادل إمام، يُقارن غالباً بالفيلم الأمريكي «عطر امرأة» (Scent of a Woman)، إنتاج 1992، بطولة آل باتشينو. فى العملين بطل عسكري متقاعد فاقد للبصر، لكنه شديد التعلق بالحياة، ويعيش تجارب تتحدى إعاقته، حتى يصل الأمر إلى قيادة وسيلة نقل لا يتوقع المشاهد أن يقودها رجل كفيف.
ليس التشابه هنا فى وجود شخصية كفيفة فحسب؛ فالشخصية الكفيفة مادة درامية قديمة، وقد ظهرت فى آداب وفنون كثيرة. لكن المقارنة تتعلق بالمسار العام للشخصية، وبالعلاقة بينها وبين المحيطين بها، وبعدد من المواقف المركزية. ومع ذلك، لم يقدّم الفيلم المصري نفسه، وفق ما يورده المصدر، بوصفه اقتباساً معلناً من الفيلم الأمريكي.
والسخرية أن عنوان «أمير الظلام» يوحي بشخصية تمشى فى العتمة، بينما كانت المشكلة الحقيقية أن صناع النسخة المصرية لم يروا، أو لم يريدوا أن يروا الفيلم الذى استندوا إليه. أما المشاهد، فقد احتاج إلى عينين سليمتين كي يكتشف ما لم يذكره التتر.
«التوربيني»: الأخوة فى مواجهة «رجل المطر»
فى فيلم «التوربيني»، إنتاج 2007، تظهر صلة واضحة، بحسب القوائم النقدية والصحفية المتداولة، بفيلم «رجل المطر» (Rain Man)، إنتاج 1988، بطولة داستن هوفمان وتوم كروز. فى العملين أخ يتعرف إلى أخ آخر بعد وفاة الأب، وتفرض الوصية أو الظروف العائلية هذا اللقاء، فيما يكون أحد الأخوين مصاباً بالتوحد أو متمتعاً بقدرات استثنائية.
القضية هنا لا تتعلق بفكرة «أخ يكتشف أخاه» وحدها؛ فهذه من أكثر حبكات الميلودراما استعمالاً منذ أيام التعرف إلى الابن الضائع فى الحلقة الأخيرة. لكن عناصر الحبكة حين تجتمع: الأب الراحل، الأخ شديد الذكاء، الوصية، الرحلة، والعلاقة التي تنمو بالتدريج، تجعل التشابه أكثر كثافة من مجرد مصادفة عائلية.
لقد صار الفيلم المصري، فى هذه الحالة، كأنه أخذ «رجل المطر» إلى مكتب الشهر العقاري، واستخرج له شهادة ميلاد جديدة، ثم أقنعه بأن اسمه «التوربيني». وهى عملية تمصير ناجحة فى الأوراق، لكنها أقل نجاحاً فى إخفاء النسب السينمائى.
«1000 مبروك»: يوم يعيد نفسه وحقوقه معه
أما فيلم «1000 مبروك»، بطولة أحمد حلمي، فيرتبط بفيلم «يوم الجرذ» أو «جرَاوندهوج داى» (Groundhog Day)، إنتاج 1993، بطولة بيل مورى. الفكرة الأساسية فى العملين أن البطل يجد نفسه محاصراً داخل اليوم نفسه، يموت أو تنتهى يومياته، ثم يستيقظ ليعيد اليوم ذاته مع اختلافات صغيرة، إلى أن يتغير هو أو تتغير رؤيته للحياة.
هذه واحدة من الحبكات التي يصعب أن تخطئها الذاكرة. فليست المسألة مجرد رجل يستيقظ صباحاً، إذ إن البشر جميعاً يستيقظون صباحاً، وإنما رجل محكوم بإعادة اليوم نفسه مرات لا تنتهى، كأن الزمن موظف حكومي قرر أن يرفض طلبه بالخروج.
وقد نجح الفيلم المصري فى منح الفكرة ملامح محلية وكوميديا أقرب إلى الجمهور العربي، لكن التمصير هنا لا يمحو البنية الأصلية. إن تغيير أسماء الشوارع والأصدقاء ومواعيد الإفطار لا يغير حقيقة أن البطل ما زال يعيش اليوم نفسه، وأن المشاهد الذى شاهد «Groundhog Day» من قبل سيشعر بأنه دخل غرفة يعرف أثاثها جيداً، حتى لو عُلّقت على الجدار صورة مختلفة.
«جاءنا البيان التالي»: الصحافة حين تستعير خبرها
فيلم «جاءنا البيان التالي»، بطولة محمد هنيدي وحنان ترك، يدور حول صحفي وصحفية يتنافسان ثم يضطران إلى التعاون لكشف مؤامرة، قبل أن يتطور الصراع إلى علاقة عاطفية. وقد قورنت بنيته بفيلم «أحب المتاعب» (I Love Trouble)، إنتاج 1994، بطولة جوليا روبرتس ونيك نولت.
هنا تتكرر معادلة الصحفي والصحفية، المنافسة المهنية، التحقيق، المؤامرة، ثم الحب الذى يقرر أن يظهر فى نهاية التحقيق مثل خبر عاجل. وبالطبع أضفى الفيلم المصري على الحكاية نبرة كوميدية محلية، واستبدل الصحافة الأمريكية بعالم تلفزيوني وصحفي مألوف للجمهور المصري.
لكن التمصير، مرة أخرى، يشبه ترجمة الخبر لا كتابة الخبر. لقد تغيرت اللهجة، وتبدلت المكاتب، وصار النجم المصري يركض بطريقة مصرية تماماً، أما النواة الدرامية فبقيت محتفظة بجواز سفرها القديم.
«طير إنت»: سبع أمنيات وشيطان بلا فاتورة
فى «طير إنت»، بطولة أحمد مكى ودنيا سمير غانم، يلتقى شاب خجول عاجز عن التعبير عن حبه بكائن خارق يعرض عليه تحقيق سبع أمنيات، فيخوض سلسلة من التجارب والشخصيات محاولاً الوصول إلى محبوبته. وهذه الفكرة تقارن بفيلم «مسحور» (Bedazzled)، إنتاج 2000، الذى يعرض سبع أمنيات على شاب مقابل روحه.
الفارق المحلى أن الكائن المصري أكثر لطفاً، فهو «مارد» لا يطلب الروح، وربما لأن السوق المصرية لا تحب العقود النهائية، أو لأن المارد نفسه لم يثق فى قدرة البطل على الوفاء بالتزاماته. ومع ذلك، فإن انتقال فكرة الأمنيات السبع، والبطل الخجول، وسلسلة التجارب المتغيرة، يضع العملين فى منطقة تشابه لا يمكن تجاوزها بالقول إن كليهما يتحدث عن الحب فحسب.
لقد نجح الفيلم المصري فى تحويل الشيطان إلى مارد، والجحيم إلى كوميديا، والصفقة إلى خدمة مجانية. لكنه لم ينجح بالقدر نفسه فى تحويل الأصل إلى شيء لا يمكن التعرف إليه.
«حلاوة روح»: حين يُسرق الفيلم والملصق معاً
يُعد فيلم «حلاوة روح» من الحالات التي أثارت مقارنات قوية بفيلم «مالينا» (Malèna)، إنتاج 2000، بطولة مونيكا بيلوتشي. لم يقتصر التشابه المزعوم على بعض عناصر القصة والشخصية النسائية المركزية، بل امتد إلى تصميم الملصق الدعائي أيضاً.
وهنا تنتقل المسألة من سرقة الحكاية إلى سرقة طريقة تقديم الحكاية. فحتى لو اختلفت الحارة المصرية عن الأزقة الصقلية، وحتى لو ارتدى الناس ملابس مختلفة وتحدثوا بلهجة أخرى، فإن الصورة الدعائية تظل شاهدة على أن الاقتباس لم يكتفِ بالجلوس فى صالة العرض، بل صعد إلى غرفة التصميم أيضاً.
إنها مرحلة متقدمة من التمصير: أولاً نأخذ القصة، ثم نغير المكان، ثم نضع اسماً جديداً، ثم نعيد رسم الملصق، وبعد ذلك ننتظر من الجمهور ألا يتذكر شيئاً. غير أن الجمهور، لحسن الحظ، يحتفظ بالصور أكثر مما يحتفظ بالتترات.
«سمير وشهير وبهير»: العودة إلى المستقبل من بوابة الماضي
وفى فيلم «سمير وشهير وبهير»، بطولة الثلاثي شيكو وهشام ماجد وأحمد فهمى، يستعيد الأبطال فكرة السفر عبر الزمن والعودة إلى الماضي بما يقود إلى تغيير الحاضر. وقد أُجريت مقارنات بينه وبين فيلم «العودة إلى المستقبل» (Back to the Future)، إنتاج 1985.
مرة أخرى، لا يمكن احتكار فكرة السفر عبر الزمن؛ فهذه ملكية مشتركة بين الخيال العلمي وأحلام البشر ورغبتهم القديمة فى إصلاح قراراتهم بعد فوات الأوان. لكن الفيلم الذى يستخدم بوابة زمنية، وأبطالاً يعودون إلى الماضي، ثم يعيدون تشكيل حاضرهم، يجد نفسه مضطراً إلى تقديم تفسير مقنع لاستقلاله عن الأعمال السابقة.
أما الاكتفاء بتغيير آلة الزمن من سيارة إلى وسيلة أخرى، أو استبدال العالم الأمريكي بعائلة مصرية، فيظل أشبه بتغيير رقم اللوحة مع إبقاء السيارة نفسها. وقد تكون السيارة مضحكة، وقد تكون الرحلة أكثر خفة، لكن شرطة المرور السينمائية ستظل قادرة على التعرف إلى الموديل.
بين السرقة والاقتباس: من يملك الفكرة؟
تجمع هذه الأمثلة، كما يوضح الناقد والمؤرخ السينمائى محمود قاسم فى حديث تناولته صحيفة «العرب»، بين ظاهرة الاقتباس و«التمصير»، لكنه يلفت أيضاً إلى أن بعض الحالات يصعب إثبات مصدرها بصورة قاطعة، وأن الاقتباس موجود فى سينمات العالم كلها، بما فيها هوليوود نفسها. وهذا تحفظ مهم؛ لأن التشابه لا يساوى دائماً السرقة، والفكرة العامة لا يمكن تسجيلها باسم شخص إلى الأبد.
المشكلة إذن ليست أن السينما المصرية نظرت إلى الخارج؛ فكل سينما تنظر إلى الخارج، وبعض أعظم الأفلام العالمية وُلد من إعادة قراءة أفلام أو روايات سابقة. المشكلة أن صانع الفيلم قد يحصل على شرعية الاقتباس لو اعترف بمصدره، لكنه يختار أحياناً شرعية أخرى أكثر راحة: أن ينسب الفكرة إلى نفسه، ويترك المؤرخين بعد نصف قرن يقومون بعمل المحققين الجنائيين.
خاتمة: دفتر غياب المصادر
يمكن للسينما أن تستعير، وأن تترجم، وأن تمصر، وأن تعيد بناء العمل بما يلائم مجتمعها. بل إن الاقتباس المعلن قد يكون فرصة لتطوير الفكرة وإغنائها. أما أن يأخذ صانع الفيلم العمل كاملاً تقريباً، ثم يغيّر أسماء الشخصيات ويضيف أغنية شعبية، ويكتب «قصة وسيناريو وحوار» بحروف كبيرة، فهذه ليست دائماً حرية فنية، قد تكون حرية السرقة فى التعامل مع ذاكرة الجمهور.
والمفارقة أن بعض هذه الأفلام صار أكثر شهرة فى مصر من أصوله الأجنبية، حتى إن المشاهد المصري قد يظن أن «1000 مبروك» هو الذى ألهم «يوم الجرذ»، وأن «طير إنت» سبق «مسحور»، وأن «عصابة حمادة وتوتو» خرجت من رحم التجربة المصرية الخالصة. وهنا تبلغ السرقة نجاحها الكامل: لا تكتفى بأن تأخذ الفيلم، بل تجعل الضحية نفسها تنسى من كان صاحب الفكرة.
غير أن السينما العالمية، مثل جار فضولي يراقب من الشرفة المقابلة، لا تنسى بسهولة. فكل فيلم قديم ينتظر نسخة جديدة، وكل حبكة لها قريب فى بلد آخر، وكل «فنكوش» له اسم أجنبي سابق. وما دام المشاهد قادراً على الوصول إلى الأصل، فقد انتهى زمن سرقة الأفلام مع الاطمئنان إلى أن أحداً لن يكتشفها.
لقد أصبح لكل فيلم مصري تقريباً شاهد أجنبي، ولكل تتر صامت قصة، ولكل قصة «اقتباس تمصير أو سرقة» محتمل. أما السؤال الأهم فليس: هل اقتبسنا؟ بل: لماذا خجلنا من الاعتراف بأننا اقتبسنا وسرقنا؟
فالفنان الذى يقول: «هذا اقتباس أو سرقة من عمل سابق» يبدو مبدعاً يعرف موقعه فى تاريخ الفن. أما الذى يقول: «لم أرَ الفيلم»، بينما تتطابق حبكته مع الفيلم مشهداً مشهداً، فيبدو كمن يقف بجوار خزانة مفتوحة وبيده مفتاحها، ثم يسأل الشرطة: «هل حدثت سرقة هنا؟».
بقلم : #المؤلف_باسم_قاسم
#Writer_Basem_Qasem


