لوحة الفنان العراقي كريم سعدون Kareem Sadoon،عن الالم واللون والصرخة العميقة.

«ما تبقّى من الصرخة»

ثمة أعمال فنية لا تُرى بقدر ما تُعاش، ولوحة الفنان العراقي كريم سعدون Kareem Sadoon تنتمي إلى هذا النوع الذي يستدعي الذاكرة والوجع الإنساني أكثر مما يستعرض جماليات اللون والشكل. فالسطح التصويري هنا يبدو أشبه بأرضٍ مثقلة بالندوب، حيث تتحول المادة اللونية إلى سجلّ نفسي يحفظ آثار القلق والغياب وما تراكم في الأعماق من أسئلة مؤجلة.

يتسيد الأحمر فضاء اللوحة بوصفه لغة للجرح الداخلي، لا مجرد حضور لوني؛ فهو يمتد مثل نزيف بطيء للذاكرة، حاملاً إيحاءات الفقد والخوف والرغبة والحنين. وبين هذا الفيضان الأحمر، تتنفس المساحات البيضاء كاستراحات مؤقتة للروح، بينما تنبثق الكتل السوداء كجزر معتمة تخفي أسراراً لا تزال عصية على البوح.
يعتمد الفنان على تراكم الطبقات والخدوش والآثار الممحوة، فتبدو اللوحة كأنها جدارٌ احتفظ ببصمات الزمن، أو وثيقة نجت من المحو الكامل. إن كل أثر لوني هنا يبدو كندبة، وكل خدش هو شاهد على صراع خفي بين التذكر والنسيان، وبين الرغبة في الإفصاح والخوف من مواجهة ما يسكن الأعماق.
ويفرض المحور العمودي حضوره بوصفه علامة على انشطار داخلي، وكأن العمل يستحضر ثنائية الذات بين ظاهرها وباطنها، بين ما يُقال وما يُكبت. ورغم ما يبدو من فوضى، ينجح كريم سعدون في نسج إيقاع بصري بالغ الحساسية، حيث يتحول التشظي إلى نظام خفي، ويغدو القلق ذاته عنصراً بنائياً متماسكاً.

لا تقدم اللوحة سردية محددة، بل تستحضر حالة وجودية يعيشها الإنسان المعاصر وهو يواجه هشاشته وأسئلته المفتوحة. إنها ليست تصويراً للحرب بقدر ما هي استحضار لآثارها النفسية، وليست وصفاً للألم بقدر ما هي إنصات طويل إلى الصمت الذي يتركه الألم خلفه.
ومن هنا تنبع قوة العمل؛ إذ لا يسعى إلى إبهار العين، بل إلى ملامسة الطبقات العميقة من الوعي الإنساني، حيث تتجاور الذاكرة مع الغياب، والحضور مع أثره المتآكل. فاللوحة تبدو، في جوهرها، كأنها أركيولوجيا للوجع الإنساني؛ بحثاً بصرياً في طبقات الروح وما خلّفته فيها التجارب من شقوق وعلامات. وما نراه في النهاية ليس الصرخة نفسها، بل أثرها الأخير بعدما استقرت في أعماق الذاكرة، وتحولت إلى بقايا لون وصمت وغياب.
.مجيد كارا

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم