لقطة ادبية مشهدية من الذاكرة، تجسد زمنا من حنين واختلاط المشاعر.حانة برونيلو..

حيثُ لا يطرق الباب سوى برونيلّويدخُلها كما يدخلُ عاشقٌ متمرسٌ معبداً نسيَ الكهنةُ أمره. لا يدفعُ البابَ المصنوعَ من خشب الجوز العتيق، بل يُزيحه براحةِ يده بانسيابية .. هو لا سواه من يعرف أن العتبات تُستفتح بالحنين لا بالقوة .. تُقابله أولًا تلك الرائحة؛ مزيجٌ أسطوري من الجلد المُعتّق، دخان السيجار الكوبي الذي استقرّ في الستائر المخملية كذكرى، ولمعة الكريستال المُعلّق فوق القبو الذي يُشبه دموعًا مُتجمدة. يختار الرجل مقعده الوثير، لا في الواجهة حيث يرتطم ضوء الشارع بزجاج النوافذ المُعشّق، بل في أقصى الزاوية المُظلّلة، حيث البيانو لا يُعزف بل يئن من فرط الشجن.هنا، في هذا البار الذي تُديره عائلة توسكانية منذ قرن، لا يأتي ليُرى، بل ليختفي عن أعين أولئك الذين أضاعوا وجوههم في الحشود. ينظرُ من عُزلته الفاخرة إلى الطاولات المتناثرة، فيرى الوجوه ذاتها، الأقنعة التي تشابهت تقاسيمها وتوحدّت ملامحها من شدة اللهاث خلف لا شيء فقط بريق المظهر هو ضالتهم المنشودة .. هم يتحدثون، لكن أصواتهم نشازٌ يخدشُ سيمفونية “ديف بروبيك” المتسللة من المُشغّل. هم يضحكون، لكنها ضحكاتٌ لا ترتقي إلى بهجة الروح، أشبه بسعالٍ اجتماعي مُزمن. هو يُدرك، بعقلية الفيلسوف الليلي، أن السعادة كبرميل ديوجين لا تليق بالجماهير.يُشير إلى النادل، ذاك الكهل الذي يحمل على كتفيه وقار المهنة، إشارة خفيفة لا تكسر هدوء اللحظة. لا يُطلب قائمة النبيذ، فالقوائم تُكتب للغرباء. يميل قليلًا، وبصوتٍ مُخملي أشبه برجع البيانو، يقولها كما تُقال كلمة السر لنادٍ منسي: “برونيلّو دي مونتالشينو… Brunello di Montalcino من فضلك … في تلك اللحظة، يرتجف قلب النادل فرحاً، لأنه وجد ضالته. ليس زبونًاً يبتغي الثمالة، بل متذوقًا يبتغي الصحو. برونيلّو بالنسبة له ليس مُجرد عنب سانجيوفيزي عُتّق تحت شمس سيينا في براميل السلافونيان الضخمة، بل هو دمٌ أرضي، شريانٌ يمتد من تلال توسكانا إلى ركنه الموحش. إنه “مُضاد الزحام”، مشروبٌ لا يعرفه الراغبون في السُكر السريع، بل أولئك الذين يريدون استنطاق الزمن.وعندما تصل الزجاجة، بغبار قبوها الذي يُشبه رماد الذكريات الثمينة، تبدأ طقوس المتعة. لا يُسرع. يُمسك الفلّين المُستخرج ويُقربه من أنفه كأنه يتنشق رسالة قديمة. يراقب الحبر القرمزي الغامق وهو يترقرح في كأس البالون الكريستالية، ذاك اللون الذي ليس أحمر ولا أسود، بل لون الليل حين يتشح بالغموض.أما الرشفة الأولى، فهي ليست شربًا، بل ارتطامٌ لطيف بين التوقع والإدراك. يُغمض عينيه. هنا، في هذه العزلة الحسية، تتفتح المتعة الغريبة التي يصنعها لنفسه. إنه يُشغّل “الغرفة الداخلية”، تلك المساحة من الوعي التي تخلو من الوجوه المستنسخة. يشعرُ بقوام النبيذ، بمخمليته التي تُداعب جدران الروح، بأحرف الجملة الموسيقية التي تقولها نغمات الكرز الحامض، التبغ الحلو، ولمسة الجلود المُدبّغة. إنها فلسفة حسية: السعادة ليست في الإضافة، بل في الفراغ، في ذاك الهامش الضيق حيث لا يسكن أحد سواك.يُصرّ بعناد الأرستقراطيين على أن تبقى طاولته طاولة فردوس مفقود. قد تمر ساعة، وقد تمر ثلاث، ولا يقطع صمتَه الداخلي إلا تردد صدى الكمان في المكان. هو لا ينتظر أحدًا بعينه، لكنه يفتش بين الوجوه العابرة عن عينين لم تأكلهما المجاملة بعد. عن شخص لا يشبه القطيع، شخص يُدرك أن برونيلّو يُشرب على مهل، لا لأن الحلق ضيق، بل لأن اللحظة الخالدة لا تُقسم.في عالمٍ صار الاختلاط فيه ضجيجًا والصخبُ رفيقًا، يختار هو أن يكون “حادثة صوتية” قائمة بذاتها. يترك السُكارى بأحاديثهم المُفرغة، ويُبحر في كأسه. نبيذه ليس للنسيان، بل للتذكّر. تذكّر أن للحياة طبقة عليا من النقاء لا يطرق أبوابها سوى العارفين، وأن زجاجة برونيلّو ليست مشروبًا يُطلب، بل حكمة إيطالية قديمة تقول: حيث تزدحم الأجساد، تفنى الأرواح.وحين يدفع حسابه، واقفًا بأناقة ظلٍ طويل، تُصبح الزجاجة الفارغة شاهدًا على طقسٍ مكتمل. طقس رجلٍ صنع سعادته من “ندرة الحضور”، مُعلنًا أن الرقصة الحقيقية لا تبدأ إلا عندما تصمت الأقدام المتشابهة في الخارج، ويبدأ قلبه وحده بالنبض على إيقاع المطر الذي بدأ يهطل للتو على شرفات المدينة النائمة … R-A#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم