كيف تنبَّأ إيمانويل ڤالرشتاين بسقوط الإمبراطورية الأميركية؟

إيمانويل ڤالرشتاين

كتابة: غريغوري ويليامز (جاكوبين) | ترجمة، بتصرّف: أنس أبو سمحان

الولايات المتحدة خاضت تدخلات عسكرية منذ عام 1991 أكثر مما خاضته بين عامَي 1798 و1990. وكان هذا الخيار هو الإستراتيجية الكلاسيكية لمهيمنٍ آفلٍ في حالة إنكار، مدركٍ لانحداره…

ظهر إيمانويل ڤالرشتاين، في تموز/ يوليو 2002، في برنامج الاتصال الصباحي المباشر على قناة سي-سپان (C-SPAN). وكان قد نشر للتو مقالًا في مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy) تحت عنوان استفزازي: «النسر الذي تحطَّم عند هبوطه» (The Eagle Has Crash Landed)[1]. جادل ڤالرشتاين أنَّ موقع الهيمنة الأميركية على الساحة العالمية آخذٌ في الأفول. وحين كان يتحدث، لم يكن قد مرّ عام بعد على هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 وما تلاها من غزو أميركي لأفغانستان. وكانت إدارة بوش تُعِدّ جيشها والرأي العام الأميركي لغزو العراق الذي سيبدأ في آذار/ مارس 2003.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ جورج دبليو بوش حظي بشخصية شعبية في ذلك الوقت. فقد بلغت نسبة تأييد الرئيس رقمًا قياسيًا هو 90 بالمئة في أيلول/ سبتمبر من العام السابق، وظلَّت فوق 70 بالمئة حين طرح ڤالرشتاين علنًا رسالته حول الانحدار.

لا بدَّ أنَّ اللحظة بدت لڤالرشتاين هي المثلى تحديدًا للتدخل. فقد كان يكتب عن انحدار الهيمنة الأميركية منذ أوائل الثمانينيات. ومع ذلك، ظلَّ يعتقد، في تلك الفترة الفاصلة بين غزوي أفغانستان والعراق، أنَّ أميركا لا تزال تملك فرصة إدارة انحدارها بفعالية. لم يكن ڤالرشتاين يرى إمكانية إطالة أمد الهيمنة العالمية لقوة عُظمى إلى ما لا نهاية. فقد لاحظ أنَّ القوى العُظمى تُصبح مُهيمنة (hegemonic)، وهو مصطلح يشير إلى سيطرة عالمية لا تُضاهى، بفعل عوامل اقتصادية وسياسية وعسكرية هي ذاتها التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل تلك الهيمنة. وقد بدأ الانحدار الهيمني الأميركي قبل 9/11 بوقت طويل، مع الركود الاقتصادي في السبعينيات والحرب الأميركية في فيتنام.

واجهت الولايات المتحدة، بالنسبة لڤالرشتاين، الخيار الذي تواجهه كل القوى الهيمنية الآفلة: إمَّا أن تنحدر بأناقة أو أن تنحدر بتهوُّر. واختار جورج دبليو بوش المسار الثاني. أمَّا اليوم، فقد زاد دونالد ترامب من تسريع الانحدار الأميركي عبر توظيفهالعدواني لأحد الأسلحة القليلة المتبقية لدى مهيمنٍ يحتضر: قوته العسكرية الهائلة.

دول الهيمنة

لماذا كانت الهيمنة الأميركية في تراجع؟ بالنسبة لڤالرشتاين، لم تكن الهيمنة الأميركية في القرن العشرين تختلف كثيرًا عن الهيمنة الهولندية في القرن السابع عشر أو الهيمنة البريطانية في القرن التاسع عشر. فهذه القوى الثلاث (وهي وحدها، في اعتقاده) حقَّقت الهيمنة عبر ركوب موجة من القوى الاقتصادية التي لم تكن قادرة على التحكم الكامل بها، وعبر الانتصار عسكريًا على قوة منافسة. وبعد الانتصار، مضت القوة المهيمنة في إنشاء منظمات على صورتها. فالبريطانيون، على سبيل المثال، انتصروا على فرنسا ثم أنشأوا مؤتمر أوروبا (Concert of Europe) عام 1815[2].

بدأ صعود أميركا نحو الهيمنة في أعقاب الركود العالمي عام (1873)[3]. وكما روى ڤالرشتاين القصة، فإنَّ تراجع حصة بريطانيا العظمى من الأسواق العالمية كان بسبب الولايات المتحدة ومنافستها الرئيسة، ألمانيا. فقد أصبحت الولايات المتحدة منتجًا رئيسًا للصلب، ثم للسيارات، في حين أصبحت ألمانيا منتجًا رئيسًا للمواد الكيميائية الصناعية. وقد أعقب صعود كل دولة اقتصاديًا أزمة سياسية داخلية واستقرارٌ (نسبي): بالنسبة لأميركا، انتصار الاتحاد في الحرب الأهلية، وبالنسبة لألمانيا، الوَحدة تحت القيادة البروسية بعد الحرب مع فرنسا.

فهم ڤالرشتاين الحربين العالميتين على أنهما حرب ممتدة من ثلاثين عامًا بين المتنافسين. ولاحظ أنَّ المقاطعات المتحدة لهولندا (United Provinces of the Netherlands) وبريطانيا العظمى أصبحتا مهيمنتين أيضًا في أعقاب حروب استمرت نحو ثلاثة عقود (وفي الحالة الهولندية، جاء ذلك بعد حرب الثلاثين عامًا الأصلية بين 1618 و1648)[4].

اعتقد القادة الأميركيون، بعد الانتصار على ألمانيا ودول المحور عام 1945، أنهم بحاجة إلى ثلاثة أمور للحفاظ على ازدهارهم: أولًا، عملاء دوليون لإنتاجهم الصناعي؛ وثانيًا، نظام عالمي يضمن التجارة بتكلفة منخفضة؛ وثالثًا، نوع من التعاقد يضمن عدم إعاقة الإنتاج. وقد حقَّقت واشنطن هذه الأهداف عبر إعادة إعمار أوروبا الغربية واليابان، وعبر إنشاء مؤسسات دولية كبرى مثل الأمم المتحدة، وعبر عقد نوع من الصفقة مع الاتحاد السوفيتي. وكانت آخر هذه الخطوات، التي يرمز إليها مؤتمر يالطا (Yalta)[5] في شباط/ فبراير 1945، أكثر أهمية بالنسبة لڤالرشتاين من تأسيس الأمم المتحدة بعد شهرين.

في التصوُّر التقليدي، كانت الحرب الباردة، التي امتدت تقريبًا من 1945 إلى 1991 (باستخدام أطول تقدير زمني ممكن)، صراعًا بين الخصمين الأميركي والسوفيتي. أمَّا بالنسبة لڤالرشتاين، فقد كانت هذه الحقبة في جوهرها مُهيكَلة حول تعاقدٍ ضمنيٍّ بين القوى العُظمى. وكانت منطقة النفوذ الأميركية تغطي نحو ثلثي العالم، بينما كانت منطقة النفوذ السوفيتية تستحوذ على الباقي. وكان بإمكان كل قوة أن تُهيمن على منطقتها وأن تستخدم التهديد بالطرف الآخر لتطويع الشركاء المتردِّدين. وقد فُرِض تفاهم يالطا عبر «توازن الرعب» بين الدولتين.

بلغت الهيمنة الأميركية ذروتها تقريبًا بين عامي 1945 و1970. ومثل كل القوى المهيمنة، أصبحت الولايات المتحدة ضحية نجاحها. فبحلول عام 1970، كانت أوروبا الغربية واليابان، في نظر ڤالرشتاين، قد أصبحتا نِدَّين اقتصاديين للولايات المتحدة. ففي سياق بناء الشركاء التجاريين، وهو أمرٌ كان حاسمًا للنجاح الأميركي بعد الحرب، بنت الولايات المتحدة أيضًا منافسيها. ومثل كل القوى المهيمنة، بدأت الولايات المتحدة تفقد أفضليتها الاقتصادية بالتسلسل ذاته الذي بُنِيت به أصلًا. فأولًا، تفقد القوة المهيمنة أفضليتها في الزراعة والصناعة. ثم تفقد أفضليتها في التجارة. وأخيرًا، تفقد أفضليتها في التمويل.

كذلك في السبعينيات، كشفت هزيمة واشنطن في فيتنام عن ضعف عسكري أميركي وأظهرت عجزها عن فرض إرادتها على العالم. وكتب ڤالرشتاين أنَّ فيتنام رمزت إلى رفضٍ للنظام العالمي الأميركي من قِبَل شعوب العالم المنسية، التي يُطلَق عليها أحيانًا العالم الثالث، وأحيانًا الجنوب العالمي (Global South). وكانت حركة الاستقلال في فيتنام ضد القوى الاستعمارية (فرنسا واليابان والولايات المتحدة) امتدادًا لحركة الاحتجاج العالمية التي بلغت ذروتها عام 1968. ووفقًا لڤالرشتاين، «لم يكتفِ جيل 1968 بإدانة الهيمنة الأميركية. بل أدانوا أيضًا تواطؤ السوفييت مع الولايات المتحدة، وأدانوا تفاهم يالطا»، ولم يروا سوى «معسكرَين، القوتين العُظميين وبقية العالم».

أمَّا انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، فقد كان أيضًا، خلافًا للحكمة السائدة، كارثةً بالنسبة للولايات المتحدة في نظر ڤالرشتاين، لأنها فقدت «آخرَها» العظيم[6]. وأكَّد ڤالرشتاين في مقال نشره عام 1992 أنَّ الحرب الباردة لم تكن «لعبةً يُراد الفوز بها، بل مِنُويتًا (رقصة)[7] يُراد أداؤها… فقد أزال انتهاء الحرب الباردة، من الناحية الفعلية، آخر ركيزة كبرى للهيمنة الأميركية وللازدهار الأميركي، أي الدرع السوفيتي».

كان ردُّ فعل واشنطن على الانحدار الهيمني هو التأكيد على عظمتها، قولًا وفعلًا، سعيًا لاستعادة موقعها في العالم. لكن، كما أوضح ڤالرشتاين في برنامج «سي-سپان»، «إذا كنتَ الرقم واحد، فلست بحاجة لأن تصرخ بأنك الرقم واحد. فالناس يعرفون أنك الرقم واحد. أمَّا إذا احتجتَ للصراخ، فهذا يعني أنَّ هناك خطأً ما. هناك أمرٌ ما يجري».

أن تقتل الرسول؟

لم يكن كثيرٌ من المتصلين ببرنامج «سي-سپان» سعداء برسالة ڤالرشتاين حول الانحدار. فسأل أحدهم عمَّا إذا كانت الأعلام لا تزال تُرفَع في حرم جامعة ييل (Yale)، في إشارة إلى ما اعتبره تحيُّزًا معاديًا لأميركا لدى ڤالرشتاين. واتَّهمه آخر بأنه كان متهربًا من التجنيد في حرب فيتنام، متجاهلًا أنَّ ڤالرشتاين كان قد جُنِّد فعليًا في مرحلة سابقة خلال الحرب الكورية. وارتعد متصلٌ ثالث من فكرة أن يكون ڤالرشتاين رئيسًا: «لو تولى شخصٌ مثله قيادة الولايات المتحدة، لانتهى بها الحال أشبه بحيوان أرماديلو، ملتفًّا على نفسه في كرة، بانتظار أن يُركَل».

وكانت مثل هذه التعبيرات عن الغضب أمرًا معتادًا بالنسبة لڤالرشتاين، الذي كتب عن الثمن النفسي-الوطني الذي يفرضه الانحدار الهيمني على من يعيشونه. فقد كانت تلك مرحلةً قد تحمل خطورةً على السياسة الداخلية وعلى القادة الذين قد يتوجه إليهم الرأي العام. وفي البرنامج، أوضح ڤالرشتاين أنه كان مجرَّد رسول، وأنَّ الولايات المتحدة كانت تعزل نفسها عن العالم، ليس فقط عن الدول التي تحتاج إلى استمالتها، بل حتى عن أقرب حلفائها. وقال: «إذا بالغتَ في تقدير قوتك، وتصرَّفتَ كأنك بلطجي، فإنك تخسر أكثر مما لو انخرطتَ في حوارٍ أوَّلي بسيط».

رأى بعض المتصلين في ڤالرشتاين شخصًا منخرطًا في محاولة إصلاح السياسة الخارجية الأميركية. فسأل أحدهم كيف يمكن الرد على اتهامات معاداة أميركا. فأوضح ڤالرشتاين أنه كان يحاول استخدام المنطق. وجادل بأنَّ السياسة الخارجية الأميركية تعمل ضد المصالح الفردية للمواطنين: «أنا لا أناشد إيثاركم. أنا أناشد أنانيتكم. أنتم تجلبون على أنفسكم أثرًا سلبيًا أسرع بكثير على الولايات المتحدة وعلى حياتكم أنتم. فمن حيث مستوى معيشتكم، ومن حيث مخاطر الموت التي تتعرضون لها، ومن حيث كل ما تؤمنون به، ستكونون أسوأ حالًا في اتباع هذه السياسات مما لو غيَّرتم مسارها».

لم يكن الانحدار يعني الكارثة. فتاريخيًا، لا تسقط القوى المهيمنة سقوطًا مدّويًا. بل تحطُّ بين صفوف القوى العُظمى الأخرى، وإن كان ذلك برخاءٍ مادي أكبر من معظمها (يكفي أن ننظر إلى هولندا أو المملكة المتحدة اليوم). وعلاوة على ذلك، كما كتب ڤالرشتاين في ذلك المقال الصادر عام 1992، فإنَّ الانحدار قد يكون «أعظم نعمة على الإطلاق». إذ كانت أمام الولايات المتحدة فرصة لاحتضان القيم الأخلاقية. فقد «كان أبراهام لينكولن (Abraham Lincoln) هو من أطلق النغمة الأخلاقية: ‘كما أني لا أرضى أن أكون عبدًا، فأنا لا أرضى أن أكون سيدًا’».

رأى ڤالرشتاين، في أوائل التسعينيات، مستقبلَين محتمَلين لأميركا. أحدهما ينطوي على فاشية جديدة (neofascism)، ويتَّسم بالصراع الاجتماعي، مع تعرُّض الطبقات الدنيا للعنف والتمييز. أمَّا الثاني، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلًا، فيتمثَّل في شكل من أشكال التضامن الوطني عبر الديمقراطية الاجتماعية (Social Democracy)[8] والتحرك نحو المساواة.

ومع أنَّ ڤالرشتاين لم يكن مِن أصحاب التوقعات المفرطة في التفاؤل، فقد اعتقد أنَّ مسار المساواة كان أكثر احتمالًا من مسار الفاشية الجديدة. فقد تصوَّر أنَّ التطهُّر النفسي الناجم عن «ضغطٍ اجتماعي مشترك»، مقترنًا بالازدهار الاقتصادي الأميركي والتصورات الشعبية عن الحرية، سينتج حركةً ضد أبرز أوجه «التوزيع غير المتكافئ»: النوع الاجتماعي، والعرق والإثنية، والعمر، والطبقة. وقدَّر أنَّ زخم عام 1968، بعد أن زعزع الهيمنة الأميركية وأطاح بأيديولوجيا الليبرالية الوسطية[9]، سيقود إلى حركة جماهيرية نحو التقدُّم.

واستند ڤالرشتاين أيضًا إلى التاريخ مرشدًا له. ففي أول حالتَين من حالات الهيمنة في الاقتصاد العالمي الرأسمالي، الهولندية والبريطانية، تبع الانحدار الهيمني، في نهاية المطاف، تحرُّكٌ نحو الرفاه والمساواة. فلماذا تكون الولايات المتحدة مختلفة إلى هذا الحد؟ غير أنَّ ڤالرشتاين ترك الباب مفتوحًا أيضًا لاحتمال صعود فاشية جديدة. فإذا كانت نهاية الحرب الباردة تعني نهاية الهيمنة الأميركية على ثلثَي العالم، فإنها كانت تعني أيضًا نهاية الليبرالية الوسطية بوصفها ضامنًا ثقافيًا للاقتصاد العالمي الرأسمالي. فمنذ ثورات عام 1848 على الأقل، كانت الليبرالية الوسطية هي القوة الجاذبة التي أبقت اليسار الراديكالي واليمين المحافظ تحت السيطرة.

وعدت الليبرالية الوسطية بتحقيق الحقوق الديمقراطية والرفاه الاقتصادي، لا لجميع الشعوب فورًا، بل عبر عملية بطيئة ومنظَّمة تديرها الدولة على مدى أجيال. وقد استُخدمت الليبرالية الوسطية، كما صاغها ڤالرشتاين في كتابه النظام العالمي الحديث الرابع (The Modern World-System IV)، لكي «يُلجم القويُّ سخط الضعيف». فالأفراد الأقوياء كانوا يلجمون سخط الجماهير الضعيفة، والدول القوية كانت تلجم سخط الدول الضعيفة.

غير أنَّ الأفضلية الاقتصادية الأميركية تعثَّرت مع بدء الجنوب العالمي برفض بنية يالطا القائمة على توازن القوى. وبعد أن تفكَّك أحد اللاعبين الأساسيين، وهو الاتحاد السوفيتي، تبيَّن أنَّ الجماهير والدول الضعيفة لم تكن ضعيفة إلى هذا الحد في نهاية المطاف. وفي هذا السياق، يقول ڤالرشتاين: «سيعود المحافظون محافظين، والراديكاليون راديكاليين من جديد. لم يختفِ الليبراليون الوسطيون، لكنهم تقلَّصوا حجمًا». وأصبحت الاحتمالات الأيديولوجية عندئذٍ بلا حدود.

رأى ڤالرشتاين، بعد الحرب الباردة، إمكانية كبيرة لأن يترافق الانحدار الهيمني الأميركي مع إعادة توزيع اقتصادي داخلي. لكن بعد عشر سنوات، لم تتحقق الحركة الراديكالية، بينما ترسَّخت صقور الحرب المحافظة بقوة في السلطة. وسعوا إلى استعراض القوة العسكرية لأنهم، في تصورهم، «إذا لم تُمارس واشنطن قوتها، فستزداد الولايات المتحدة تهميشًا». لكن ڤالرشتاين رأى أنَّ أفعالهم ستؤدي إلى العكس تمامًا. فبالنظر إلى حتمية الانحدار، فإنَّ السياسة الخارجية العضلية لإدارة بوش «لن تُسهم إلا في انحدار الولايات المتحدة، مُحوِّلةً الهبوط التدريجي إلى سقوطٍ أسرع وأكثر اضطرابًا بكثير».

وبالنظر إلى الوراء، شكَّل مقال ڤالرشتاين وظهوره التلفزيوني في عام 2002 محاولةً لتحويل مسار الولايات المتحدة عن اتجاهها. وكان قد تخلَّى، على ما يبدو، عن الأمل في نشوء حركة ديمقراطية اجتماعية، وأعاد توجيه اهتمامه بدلًا من ذلك إلى القوة الهيمنية الآفلة نفسها.

في صيف عام 2002، أيَّد أكثر من ستة من كل عشرة أميركيين فتح حرب ثانية في العراق. وكان رأي ڤالرشتاين رأيَ مجموعة من المنتقدين غير الشعبيين لكن المثابرين. وحين كان يواجَه بمثل هذا النقد، كان الرئيس بوش يكتفي بالإشارة إلى أنَّ التاريخ سيحكم على أفعاله. بات واضحًا اليوم أنَّ الصقور لم يستطيعوا الحفاظ على الهيمنة الأميركية، ولا إعادة تشكيل العالم بطريقة أكثر خدمةً للمصالح الأميركية. فماذا جرى إذن بين تلك اللحظة والآن؟

الانحدار والإنكار

لم يسِر القرن الحادي والعشرون في صالح الولايات المتحدة؛ فقد سعى القادة الأميركيون إلى استعادة الهيمنة المفقودة. ومع تراجع القوة الاقتصادية الأميركية مقارنةً ببقية العالم، استخدمت واشنطن جيشها لإظهار القوة ولتحقيق طموحاتها السياسية. والحقيقة أنَّ الولايات المتحدة خاضت تدخلات عسكرية منذ عام 1991 أكثر مما خاضته بين عامَي 1798 و1990. وكان هذا الخيار هو الإستراتيجية الكلاسيكية لمهيمنٍ آفلٍ في حالة إنكار، مدركٍ لانحداره، لكنه غير مدركٍ أنَّ خياره الأفضل الوحيد كان الإدارة السليمة لهذا الانحدار.

لم تجعل الولايات المتحدة العالم أكثر سلامًا أو ازدهارًا، ولم تُحسِّن أوضاع الدول التي غزتها. وفي كتابه الكونية الأوروبية: خطاب القوة (European Universalism: The Rhetoric of Power)، شكَّك ڤالرشتاين في منطق التدخل العسكري. فالقوة الغازية نادرًا ما تجعل المكان المغزوّ في وضعٍ أفضل مما لو لم تتدخل فيه، وهو استنتاجٌ تؤكده المغامرات العسكرية الأميركية عبر الشرق الأوسط.

لقد كان بالإمكان أن يُكتَب حكم ڤالرشتاين لعام 2002 في هذه السنة (أو حتى في هذا الأسبوع بالتحديد). فقد كتب أنَّ الولايات المتحدة تجد نفسها «قوةً عُظمى وحيدة تفتقر إلى القوة الحقيقية، وزعيمًا عالميًا لا يتبعه أحد ولا يحترمه كثيرون، وأمَّةً تنجرف بخطورة وسط فوضى عالمية لا تستطيع السيطرة عليها». وجاء ردُّ الفعل العكسي من جيل 1968 الذي وصفه من الجنوب العالمي غير المنحاز، وكذلك من الجماهير الساخطة في الداخل. وفي القرن الحادي والعشرين، انتقل هذا التسلسل، الذي بدأ على مستوى النظام العالمي، بسرعة إلى السياسة الداخلية الأميركية، ثم عاد للانتشار خارجًا من جديد.

أدَّت نهاية الحرب الباردة إلى فكِّ ارتباط كلٍّ من الراديكالية والمحافظة عن الليبرالية الوسطية. وكانت الآثار جذرية. فقد تحدَّى دونالد ترامب وبيرني ساندرز (Bernie Sanders) عقودًا من الإجماع النيوليبرالي. وحين تولَّى ترامب الرئاسة، أول مرة عام 2017، ثم مرة أخرى عام 2025، فعل ذلك بوصفه ناقدًا للنظام الليبرالي الأميركي.

غير أنَّ شعار «أميركا أولًا» (America First) لم يُفضِ إلى إحياء الإنتاج المحلي، أو تحسين الرفاه الاجتماعي، أو حماية العمال. بل تميَّزت الترامبية بفسادٍ هائلٍ وصفيق (في الداخل والخارج)، وبنزعة عسكرية في الخارج، وبسياسات داخلية من الترحيل الجماعي. واستمرت الولايات المتحدة في توسيع التزاماتها العسكرية وإنفاقها العسكري، لكن دون التزامٍ بالرفاه الاجتماعي الداخلي. وفي الوقت نفسه، تراجعت نسبة التفاؤل بشأن المستقبل بين الأميركيين إجمالًا منذ عام 2013.

اختارت الولايات المتحدة، باختصار، مسار الفاشية الجديدة الذي كان ڤالرشتاين قد اعتبره في البداية الأقل احتمالًا: الصراع الاجتماعي والعنف والتمييز. وسعى أفراد الطبقة العليا إلى التمسك بامتيازاتهم ومكاسبهم الهائلة. ونتيجةً لذلك، بات الأميركيون يعيشون حياةً أكثر هشاشةً، يعتمدون على رواتبهم شهرًا بشهر، مع حمايات أقل من مخاطر المرض والشيخوخة وعدم استقرار العمل.

تُجسِّد الحرب الأميركية في إيران في عام 2026 نزعتَين من نزعات الانحدار الهيمني الأميركي. الأولى هي عجز الولايات المتحدة عن تحقيق ما تريد رغم امتلاكها جيشًا بالغ القوة. والثانية هي سخط الجمهور الأميركي من تدنِّي مستوى المعيشة ومن طبقة قيادية لم يعد يثق بها. ومثل هذه المشاعر من السخط، كما لاحظ ڤالرشتاين، يمكن أن تكون محفزات قوية للفعل السياسي. وقد تجد واشنطن نفسها مرةً أخرى مندهشةً من أحداثٍ فوضوية، عالمية ومحلية، لا تستطيع السيطرة عليها.


إحالات:

[1] هذا المقال، المنشور في تموز/ يوليو 2002 في مجلة “فورين بوليسي”، هو الأساس الذي استند إليه ڤالرشتاين في تحليله لأفول الهيمنة الأميركية، وأثار جدلًا واسعًا وقتها بسبب توقيته المبكر قبل غزو العراق. (المُترجم).

[2] مؤتمر فيينا اللاحق شكَّل ما عُرف بـ «مؤتمر أوروبا»، وهو نظامٌ دبلوماسي أوروبي أرسته القوى المنتصرة على نابليون للحفاظ على توازن القوى بعد الحروب النابليونية. (المُترجم).

[3] يُعرف هذا الركود في الأدبيات الاقتصادية بـ «الكساد الطويل» (Long Depression)، وهو انكماشٌ اقتصادي عالمي بدأ عام 1873 واستمر حتى منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر بحسب بعض التقديرات، وطال أوروبا وأميركا الشمالية بعد انهيار فقاعة مضاربات مالية وعقارية، وأدى إلى تراجع الهيمنة الصناعية والتجارية البريطانية لصالح منافسين صاعدين أبرزهم الولايات المتحدة وألمانيا. (المُترجم).

[4] حرب الثلاثين عامًا (1618-1648) كانت من أكثر الصراعات دموية في التاريخ الأوروبي، اندلعت أساسًا بين القوى البروتستانتية والكاثوليكية في أوروبا الوسطى، وانتهت بمعاهدة وستڤاليا التي أرست مبدأ الدولة القومية ذات السيادة. (المُترجم).

[5] مؤتمر يالطا عُقد في شباط/ فبراير 1945 في شبه جزيرة القرم، وجمع الزعماء فرانكلين روزفلت (الولايات المتحدة)، ونستون تشرشل (بريطانيا)، وجوزيف ستالين (الاتحاد السوفيتي) لتقسيم مناطق النفوذ في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وقد شكَّل الإطار الضمني لتوازن القوى بين المعسكرين طوال الحرب الباردة. (المُترجم).

[6] تحمل عبارة «its great Other» في الأصل دلالة فلسفية (مفهوم «الآخر» الهيغلي/اللاكاني الذي تُعرِّف الذات نفسها من خلال مواجهته). ترجمتها هنا حرفيًا نسبيًا («آخرَها العظيم») مع وضعها بين علامتي تنصيص للفت الانتباه لطابعها الاصطلاحي. (المُترجم).

[7] كلمة «minuet» في الأصل الإنجليزي تشير إلى رقصة أوروبية كلاسيكية بطيئة ومنمقة (مينويت)، استخدمها ڤالرشتاين للتعبير عن طابع الحرب الباردة «المُتفَق عليه ضمنيًا» بين القوتين، لا الصراع الحقيقي. (المُترجم).

[8] تجدر التفرقة بين «الديمقراطية الاجتماعية» (Social Democracy)، التي يقصدها ڤالرشتاين هنا، وبين «الاشتراكية الديمقراطية» (Democratic Socialism). فالديمقراطية الاجتماعية تيارٌ إصلاحي يقبل ببقاء الاقتصاد الرأسمالي مع تدخل الدولة لتوزيع ثماره عبر الضرائب التصاعدية وبرامج الرفاه الاجتماعي (كما في الدول الإسكندنافية)، في حين تدعو الاشتراكية الديمقراطية إلى تجاوز الرأسمالية نفسها عبر ملكية جماعية أو عامة لوسائل الإنتاج، وإن كان الوصول إلى ذلك يتم بالوسائل الديمقراطية لا الثورية. ومن اللافت أنَّ الموجة الأخيرة من الانتخابات التمهيدية الأميركية لعام 2026 شهدت صعودًا لافتًا لمرشحين مدعومين من منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين» (DSA)، أبرزهم عبد الرحمن السيد الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، إلى جانب فوز عددٍ من مرشحي المنظمة بمقاعد في الكونغرس، ما يعكس تصاعد نفوذ اليسار الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي نفسه. (المُترجم).

[9] الليبرالية الوسطية (Centrist Liberalism) مفهومٌ مركزي في فكر ڤالرشتاين، خصَّص له المجلد الرابع من سلسلته «النظام العالمي الحديث»، الصادر تحت عنوان النظام العالمي الحديث الرابع: انتصار الليبرالية الوسطية، 1789\1914 (The Modern World-System IV: Centrist Liberalism Triumphant, 1789/1914). ويشير المصطلح، بحسب ڤالرشتاين، إلى الأيديولوجيا التي فرضت نفسها بعد الثورة الفرنسية كحلٍّ وسط بين المحافظة والراديكالية، وأصبحت الإطار الثقافي الحاكم للاقتصاد العالمي الرأسمالي حتى نهاية الحرب الباردة. (المُترجم).

******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم