كنتُ أضيق ذرعًا منذ أشهر بذلك الرجل العجوز الذي يسكن بجواري…
لم أكن أطيق نباتاته التي تجاوزت حدود حديقته، وأوراقها الجافة التي كانت تتساقط كل يوم فوق شرفتي، فتفسد عليّ هدوء الصباح ونظافة المكان.
كنت أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وأعيش في منزل صغير له شرفة أمامية أحب أن أراها دائمًا نظيفة ومرتبة.
أما جاري، السيد صموئيل، فكان رجلًا مسنًا تجاوز السبعين، يعيش وحيدًا في منزله منذ وفاة زوجته.
كانت حديقته مختلفة تمامًا عن بقية حدائق الحي.
أصص كثيرة، شجيرات متشابكة، وأغصان ضخمة تنمو في كل اتجاه دون ترتيب، وعلى السور المشترك بين منزلينا كانت نباتات الجهنمية تمتد حتى أصبحت أغصانها تتدلى فوق شرفتي.
في البداية حاولت تجاهل الأمر.
لكن مع مرور الأيام، أصبحت الأوراق الجافة والأزهار الذابلة والأغصان الصغيرة جزءًا من روتيني اليومي.
كل صباح كنت أخرج بفنجان قهوتي، فأجد شرفتي مغطاة بالأوراق.
كنت أتنهد بضيق، أمسك المكنسة، وأبدأ في تنظيفها وأنا أتمتم بكلمات غاضبة.
وأحيانًا كنت أتعمد أن أضرب المكنسة بالأرض بقوة، حتى يصل صوتها إلى منزل الرجل العجوز.
وفي إحدى المرات لم أتمالك نفسي، فناديت بصوت مرتفع:
«يا سيد صموئيل! لو سمحت، حاول تقلم نباتاتك شوية… أنا مش معقول أفضل أنضف الورق اللي بيقع عندي كل يوم!»
كان يظهر من خلف النافذة، ينظر إليّ بخجل، ثم يقول:
«حقك عليّ يا ابنتي… هحاول أرتبها.»
كنت أرى الاعتذار في عينيه، لكنني لم أهتم كثيرًا.
كنت أعتقد أنه رجل مهمل لا يهتم بجيرانه.
ولم أفكر للحظة أن وراء تلك الحديقة حكاية لا أعرفها.
حتى جاء يوم الأحد…
كان الوقت يقترب من الثانية ظهرًا عندما بدأت أسمع صوت كلبه.
كان كلبًا عجوزًا، رافقه لسنوات طويلة، ولم أكن أسمعه ينبح كثيرًا.
لكن ذلك اليوم كان الأمر مختلفًا.
كان يبكي بصوت متواصل، ويخدش الباب الأمامي بعصبية وكأنه يحاول الخروج أو استدعاء أحد.
في البداية تجاهلت الأمر.
لكن بعد ساعات، لم يتوقف.
فقلت لنفسي بانزعاج:
«أكيد الراجل خرج وساب الكلب لوحده.»
وبصراحة، كنت غاضبة أصلًا بسبب الضوضاء.
ذهبت إلى منزله وأنا أنوي أن أطلب منه أن يجد حلًا لهذا الأمر.
ضغطت جرس الباب مرة…
ثم مرة ثانية…
ثم ثالثة.
لا إجابة.
ناديت:
«يا أستاذ صموئيل؟»
لا شيء.
اقتربت من الباب، ولمست المقبض، فوجدته مفتوحًا.
ترددت للحظات.
ثم سمعت صوت الكلب من الداخل، وكان بكاؤه أكثر إلحاحًا.
دخلت وأنا أنادي:
«يا أستاذ صموئيل؟ أنا جارتك… حضرت أشوف في إيه.»
لم يجبني أحد.
مشيت في الممر حتى وصلت إلى المطبخ.
وهناك…
توقفت قدماي عن الحركة.
شعرت وكأن الدم تجمد في عروقي.
كان السيد صموئيل ملقى على الأرض، مستندًا إلى الحائط.
وجهه شاحب للغاية، وأنفاسه ضعيفة، ويده ترتجف بصورة مخيفة.
صرخت:
«يا نهار أبيض! أستاذ صموئيل!»
جثوت بجانبه بسرعة.
كان بالكاد قادرًا على فتح عينيه.
اتصلت بالإسعاف فورًا، ثم وضعت وسادة تحت رأسه وحاولت أن أبقيه مستيقظًا.
قلت له وأنا أمسك يده:
«استحمل… الإسعاف جاي، متغمضش عينيك.»
ضغط على يدي بضعف.
وبعد لحظات، فتح عينيه ونظر إليّ.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
ثم حرك رأسه ناحية النافذة التي تطل على منزلي، وقال بصوت متقطع:
«شكرًا… إنك جيتي.»
قلت بسرعة:
«متشكرنيش، المهم إنك تبقى كويس.»
لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم قال:
«وأنا كمان… آسف على الورق اللي بيقع عندك.»
نظرت إليه في صمت.
لم أفهم لماذا يتحدث عن الأوراق في هذه اللحظة.
لكنه تابع بصوت ضعيف:
«أنا عارف إنها كانت بتضايقك.»
خفضت عيني، وشعرت بالخجل.
ثم قال شيئًا لم أكن مستعدة لسماعه.
«بس أنا ما كنتش قادر أقلم الجهنمية.»
سألته:
«ليه؟»
نظر إلى الحديقة من خلال النافذة، وقال:
«مراتي هي اللي زرعتها.»
صمت قليلًا، ثم تابع:
«قبل ما تموت، كانت بتحب تقعد وسط الزرع ده بالساعات. كانت بتقول إن الجهنمية دي هتفضل تفتكرني بيها بعد ما تمشي.»
ارتجف صوته.
«بعد ما ماتت… حاولت أحافظ عليها. لكن مع الوقت إيدي ما بقتش تساعدني زي الأول.»
نظرت إلى يديه.
فهمت وقتها كم كان من الصعب عليه أن يقوم بأبسط الأشياء.
ثم قال:
«كنت بسيبها تكبر وتتمدد ناحية شرفتك…»
ابتسم بحزن.
«كنت بسمع صوت المكنسة كل صباح.»
رفعت رأسي إليه.
فقال:
«كنت عارف إنك بتكوني متضايقة.»
ثم أضاف:
«بس صوتك… وصوت خطواتك… وصوت المكنسة، كانوا بيطمنوني.»
لم أستطع الكلام.
قال بصوت مكسور:
«كنت عارف إن فيه حد عايش جنبي.»
ثم أغمض عينيه للحظة وقال:
«من بعد ما مراتي ماتت، البيت بقى ساكت أوي… لدرجة إني بقيت أخاف من الهدوء.»
نزلت دموعي دون أن أشعر.
كل تلك الأشهر…
كنت أرى الأوراق فقط.
هو كان يرى شيئًا آخر تمامًا.
كنت أراها فوضى تزعجني.
وهو كان يراها جزءًا من آخر شيء تبقى له من زوجته.
وكنت أسمع صوت المكنسة وأتمنى أن تختفي تلك الأوراق من حياتي…
بينما كان هو يسمعها ويشعر أن هناك شخصًا ما زال موجودًا في هذا العالم إلى جواره.
وصل الإسعاف بعد دقائق، ونُقل السيد صموئيل إلى المستشفى.
وبقيت واقفة أمام منزله، أنظر إلى الحديقة لأول مرة بطريقة مختلفة.
لم أرَ نباتات مهملة.
رأيت ذكريات.
رأيت امرأة رحلت، ورجلًا عجوزًا يحاول أن يحافظ على آخر شيء تركته له.
وفي اليوم نفسه، اتصلت باثنين من الجيران.
ذهبنا إلى منزله.
لكننا لم نقص الجهنمية.
بل اعتنينا بها.
ثبتنا الأغصان التي كانت على وشك السقوط، أزلنا الأعشاب الضارة، نظفنا الحديقة، ورتبنا النباتات، بل وطلينا جزءًا من واجهة المنزل.
وحين انتهينا، أصبحت الجهنمية تمتد فوق السور بشكل جميل، وكأنها لم تكن يومًا مصدر إزعاج.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى المستشفى.
كنت أحمل معي ترمسًا من القهوة.
عندما رآني السيد صموئيل، ابتسم.
جلست بجواره وقلت:
«أنا عندي طلب.»
ضحك وقال:
«طلب إيه؟»
قلت:
«كل يوم أربعاء، هاجي أقعد معاك على الشرفة ونشرب قهوة سوا.»
ظل ينظر إليّ لثوانٍ، ثم امتلأت عيناه بالدموع.
وأضافت:
«وأنت تحكيلي عن مراتك وعن أيام شبابك، وأنا هسمعك.»
ابتسم وهو يمسح دموعه.
ومن يومها، لم تعد الأوراق التي تسقط على شرفتي تزعجني.
كنت أكنسها وأنا أبتسم.
لأنني صرت أعرف أن وراء كل ورقة تسقط من تلك الجهنمية…
هناك ذكرى لامرأة أحبها رجل حتى بعد رحيلها.
ووراء ذلك البيت الهادئ…
هناك إنسان كان يحتاج فقط إلى شخص يشعر بوجوده.
تعلمت يومها درسًا لن أنساه أبدًا:
أحيانًا نحكم على الأشياء من زاوية حياتنا فقط.
نرى الضوضاء إزعاجًا، ولا نفكر أن أحدًا قد يراها دليلًا على أنه ليس وحيدًا.
نرى الفوضى إهمالًا، ولا نعرف أنها ربما تكون آخر بقايا شخص نحبه.
ونرى شخصًا صامتًا ونظنه لا يحتاج إلينا…
بينما قد يكون صمته في الحقيقة صرخة لا يعرف كيف يطلقها.
لذلك…
قبل أن تغضب من شخص بسبب شيء صغير يفعله، حاول أن تسأل نفسك:
هل أنا أعرف فعلًا ما الذي يمر به؟
فربما يكون الشيء الذي يزعجك منه…
هو الشيء الوحيد الذي يمنحه سببًا ليستمر. ❤️🥀
#قصص #حكايات #حكاية #اكسبلور #fypageシ #fypviral #حكمة #حكم #عبرة #قصة_وعبرة


