كتبت: نجوى عبد العزيز محمود.عن صناعة القبقاب الدمشقي (القباقيبي)..حرفة من ذاكرة الشام وتراثها الشعبي.

القباقبي..حرفة من ذاكرة دمشق وتراثها الشعبي
بقلم نجوى عبد العزيز محمود
تعد صناعة القبقاب الدمشقي واحدة من الحرف التقليدية التي ارتبط اسمها بمدينة دمشق، المدينة العريقة التي اشتهرت منذ قرون بأسواقها وحرفييها وصناعاتها اليدوية المتنوعة، ولم يكن القبقاب الدمشقي مجرد قطعة تُستخدم لحماية القدم من الأرض، بل كان جزءاً من الحياة اليومية والزيّ الشعبي، وقطعة فنية تعبّر عن ذوق الصانع الدمشقي ودقته ومهاراته.
ارتبط القبقاب الحذاء الشعبي الأول في دمشق قديماً بذاكرة السوريين بشخصية غوار الطوشة التي قام بأدائها الفنان دريد لحام في مسلسلاته الدرامية التي ذاع صيتها في كل الوطن العربي وقال فيه الأجداد حكايا وأمثالاً منها “الجار يلي بيقروش بالقبقاب بيخانق جاره” ومثل آخر يضرب حين يلتئم شمل المتخاصمين “لف السير على القبقاب صاروا الأعداء حباب”، والمثل البيروتي القائل “لابق للشوحة مرجوحة، ولأبو بريس قبقاب”، يقصدون فيه عدم التجانسبين الناس.
ومع مرور الزمن تحوّل القبقاب من أداة استعمالية بسيطة إلى شاهد على تاريخ الحرف الدمشقية وقدرتها على الجمع بين الوظيفة والجمال، حيث ارتبط القبقاب الدمشقي ببعض العادات الاجتماعية، وكان حاضراً في البيوت والأسواق والحمامات والأحياء القديمة؛ إذ كان من مقتنيات العروس في بعض البيئات، ولم يقتصر استعمال القبقاب مقتصراً على فئة اجتماعية واحدة؛ فقد عرفها الرجال والنساء والأطفال وتنوّعت أشكالها بحسب الغرض من استعمالها، كما ظهرت نماذج أكثر زخرفة وأناقة كانت تُقتنى للمناسبات أو للاستعمال داخل المنزل، إلى جانب النماذج البسيطة المخصصة للاستعمال اليومي وتُصنع بعض أنواعه بعناية خاصة وتُزيّن بالزخارف والألوان، لتصبح قطعة تجمع بين المنفعة والزينة.
ارتبط القبقاب بصورة خاصة بالحمّامات الشعبية، التي كانت تمثل جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية في دمشق القديمة، فلم يكن القبقاب مجرد وسيلة للحماية من الأرض المبللة، بل كان أيضاً جزءاً من المشهد الاجتماعي والثقافي للمكان، وقد ساعد ارتفاعه عن الأرض على تقليل تماس القدم مع المياه، كما منح بعض الأنواع صوتاً مميزاً أثناء المشي، فأصبح صوت القباقيب نفسه جزءاً من ذاكرة الأماكن القديمة.
تكمن قيمة القبقاب الدمشقي في أنه لم يكن مجرد وسيلة للمشي، وإنما تحول في بعض نماذجه إلى عمل فني صغير، فقاعدة الخشب نفسها تحتاج إلى مهارة في النحت، بينما يمنح الجزء العلوي فرصة واسعة للإبداع في الألوان والزخارف والمواد المستخدمة، وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للحرف الدمشقية بالقدرة على تحويل الأدوات اليومية إلى منتجات ذات قيمة جمالية، وهي سمة يمكن ملاحظتها في العديد من الصناعات التقليدية في دمشق، حيث كان الحرفي لا يكتفي بأن يؤدي المنتج وظيفته، بل يسعى إلى جعله جميلاً ومتناسقاً أيضاً.
فقد كانت المرأة تقتني أنواعاً مزينة بعناية، وكان شكل القبقاب وألوانه وتفاصيله يعكس أحياناً المناسبة التي يُستخدم فيها.
وقد اكتسبت بعض القباقيب المزخرفة قيمة رمزية، خصوصاً عندما تدخل ضمن مقتنيات العروس أو أدوات المنزل، وكانت الزخرفة تُظهر قدرة الحرفي على العمل الدقيق، وعلى الجمع بين الخشب والجلد والقماش والزخارف في قطعة واحدة.
ومن هنا يمكن النظر إلى القبقاب النسائي بوصفه جزءاً من تاريخ الأزياء الشعبية في دمشق، وليس مجرد أداة من أدوات الحياة المنزلية.
ولا يعني تراجع الاستخدام اليومي للقبقاب أن هذه الحرفة فقدت قيمتها، فعلى العكس، ازدادت قيمتها التراثية والثقافية كلما أصبح وجودها أقل شيوعاً، وقد أصبح القبقاب الدمشقي في بعض السياقات قطعة تراثية تُعرض في المتاحف والمجموعات الخاصة والمعارض التي تهتم بالحرف الشعبية. كما يمكن أن يتحول إلى منتج تذكاري أو قطعة للديكور، أو أن تدخل عناصره في تصميمات حديثة تستلهم التراث الدمشقي.
إن توثيق صناعة القباقيب الدمشقية ليس مجرد تسجيل لطريقة تصنيع حذاء تقليدي، بل هو توثيق لجزء من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمدينة دمشق.
يبقى للقبقاب مكان خاص في الذاكرة الشعبية، فقد ارتبط بأصوات الأسواق القديمة، وبالحمّامات الشعبية، وبالبيوت الدمشقية، وبصور الأجداد والأمهات والحرفيين الذين كانوا يمارسون أعمالهم في الأسواق
إن صناعة القباقيب الدمشقية تمثل نموذجاً واضحاً للحرف التي نشأت من الحاجة اليومية، ثم تحولت مع الزمن إلى جزء من التراث والهوية، فقد جمع القبقاب بين الوظيفة العملية والجمال، وبين مهارة النجار أو الحرفي وذوق المستخدم، وأصبح مرتبطاً بأماكن وطقوس اجتماعية لا يمكن فصلها عن تاريخ دمشق القديمة.

أخر المقالات

منكم وإليكم