كتبت الصحفية: دنيا فهمي ..عن الفنان:عامر العبيدي..حين تُصبح الزخرفة طريقة لرؤية العالم.

حين تُصبح الزخرفة طريقة لرؤية العالم

دنيا فهمي، تونس
ليست الزخرفة في الفن دائماً فعلاً تزيينياً، فثمة تجارب تتجاوز فيها الزخرفة حدود ornament لتتحول إلى بنية تفكير بصري كاملة، وإلى نظام يرى العالم عبر الإيقاع والعلامة والاختزال. ضمن هذا الأفق يمكن قراءة أعمال الفنان عامر العبيدي، حيث لا تبدو العناصر المرسومة منفصلة عن بنيتها الزخرفية، بل مندمجة فيها إلى الحد الذي يصبح فيه الشكل امتداداً للإيقاع، وتصبح اللوحة فضاء تتحرك داخله الرموز كما لو أنها جزء من ذاكرة بصرية قديمة أُعيد بناؤها بلغة معاصرة.

في هذه الأعمال لا يظهر الحصان بوصفه موضوعاً تصويرياً، ولا الطائر باعتباره عنصراً جمالياً عابراً، بل ككائنات مشحونة بدلالات ثقافية وروحية. إنها مفردات تتحول داخل اللوحة إلى علامات، تُختزل وتُعاد صياغتها وفق حس بنائي واضح، بحيث يفقد الكائن تفاصيله الواقعية لصالح حضوره الرمزي. لذلك تبدو الأشكال وكأنها خرجت من أثر جداري قديم أو من منمنمة شرقية أُعيد تفكيكها داخل رؤية حديثة تتجاور فيها الذاكرة مع التجريد.

ويبدو واضحاً أن العبيدي لا يتعامل مع التراث بوصفه مرجعاً بصرياً جاهزاً، بل بوصفه مادة قابلة للتحويل والتأويل. فالعلاقة بالموروث الرافديني والشرقي تظهر في الجو العام للعمل أكثر مما تظهر في الاقتباس المباشر. هناك استحضار لروح الفن الرافديني، وللإيقاع الإسلامي والزخرفة الشعبية، لكن عبر معالجة حديثة تُخضع الشكل لمنطق الاختزال والبناء الهندسي. ولهذا تنجو الأعمال من الوقوع في الفولكلور أو التكرار الزخرفي السطحي، لأنها تبحث عن جوهر الرمز لا عن شكله الخارجي.

كما تكشف اللوحات عن حساسية قريبة من بعض تحولات الحداثة العراقية التي اشتغلت على إعادة بناء الهوية البصرية عبر الرمز والعلامة. وهي مقاربة تستدعي، من حيث البنية الفكرية لا التشابه الشكلي، بعض اشتغالات شاكر حسن آل سعيد في البعد الروحي للعلامة، كما تقترب أحياناً من النزعة الاختزالية الرمزية لدى ضياء العزاوي، خصوصاً في طريقة تفكيك الكائن وإعادة صياغته داخل فضاء تعبيري حر. وفي مستوى آخر، يمكن ملاحظة تقاطع بعيد مع تجارب عالمية تعاملت مع العلامة بوصفها لغة بصرية مستقلة، كما لدى بول كلي أو جوان ميرو، حيث يتحول الشكل إلى أثر ذهني أكثر من كونه تمثيلاً واقعياً.

ورغم هذا الامتداد المرجعي، يحتفظ العبيدي بلغته الخاصة، إذ يقوم عالمه التشكيلي على توازن دقيق بين الحس الشعبي والوعي البنائي الحديث. فالخطوط لا تعمل باعتبارها حدوداً للأشكال فقط، وإنما بوصفها مسارات حركة داخل اللوحة، فيما تتوزع الزخارف والعناصر وفق إيقاع يكاد يكون موسيقياً. حتى الفراغات تؤدي دوراً تعبيرياً مهماً، إذ تمنح العين لحظات من الصمت البصري، وتُبرز الكتل والعلامات بطريقة أكثر كثافة وتأثيراً.

أما اللون، فيمثل واحداً من أكثر العناصر حيوية في هذه الأعمال. الأزرق التركوازي، الأحمر القاني، الذهبي، والبني الترابي، ليست مجرد اختيارات جمالية، بل إشارات ثقافية وشعورية تستحضر العمارة الشرقية والنسيج الشعبي وحرارة المدن القديمة. غير أن الفنان لا يستخدم هذه الألوان بوظيفتها الوصفية، بل يحوّلها إلى طاقة داخلية تساهم في بناء الجو الروحي للوحة. ولذلك تبدو بعض الأعمال كما لو أنها مضاءة من الداخل، حيث يتحول اللون إلى جزء من النبض الإيقاعي العام.

وفي عدد من الأعمال ثمة ميل واضح إلى السرد الصامت؛ الكائنات مصطفّة أو متجاورة أو سائرة داخل فضاء غير محدد، كما لو أنها تشارك في طقس غامض أو رحلة مؤجلة. غير أن الفنان لا يمنح المتلقي حكاية مكتملة، بل يترك اللوحة مفتوحة على احتمالات التأويل. وهذه واحدة من نقاط قوة التجربة، لأنها تجعل المشاهدة فعلاً تأملياً مستمراً، لا تلقياً بصرياً سريعاً.

إنّ ما يميز أعمال عامر العبيدي حقاً هو قدرتها على الجمع بين البساطة والعمق في آنٍ واحد. فالتكوين يبدو واضحاً ومباشراً للوهلة الأولى، لكن العلاقات الداخلية بين الرمز والزخرفة واللون تكشف عن بناء معقد ومدروس بعناية. ومن هنا تأتي خصوصية هذه التجربة داخل المشهد التشكيلي العراقي المعاصر؛ فهي لا تكتفي باستعادة الهوية البصرية الشرقية، بل تعيد إنتاجها ضمن لغة حديثة تمتلك استقلالها الجمالي والفكري.

وفي المحصلة، لا تبدو الزخرفة عند عامر العبيدي مجرد تفصيل جمالي يحيط بالشكل، بل تتحول إلى طريقة لرؤية العالم، وإلى نظام بصري يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والذاكرة والرمز. ولهذا تترك أعماله ذلك الإحساس النادر بأن اللوحة لا تعرض أشكالاً فقط، بل تبني عالماً كاملاً من الإيقاعات والعلامات والحنين الصامت.
*
الخلاصة:
يقدّم عامر العبيدي تجربة تشكيلية تنجح في تحويل الزخرفة من عنصر تزييني إلى بنية فكرية وبصرية معاصرة. ومن خلال مزج الرمز الشرقي بالاختزال الحديث والإيقاع اللوني، يخلق الفنان عالماً تشكيلياً يمتلك هوية خاصة، ويتصل في عمقه بتحولات الحداثة العراقية دون أن يفقد صوته الشخصي المستقل.

دنيا فهمي #عامر العبيدي

الفن العراقي #النقد الفني

الفن التشكيلي # الحداثةالعراقية

الزخرفة المعاصرة # ضياءالعزاوي

شاكرحسنآلسعيد #الفنالعربي #قراءة_تشكيلية

أخر المقالات

منكم وإليكم