دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة لديوان “على ضفاف المجاز”
للشاعرة السورية أميمة إبراهيم
بقلم الأديبة الناقدة سمر الديك
تعريف بالشاعرة أميمة ابراهيم شاعرة
- رئيسة فرع حمص لاتحاد الكتاب العرب سابقاً
- صدر لها ثمان مجموعات شعرية.
- ترجمت واحدة منهن إلى الفرنسية.
- ومجموعة نصوص سردية.
- وفي مجال أدب الأطفال
- صدر لها عشرة إصدارات متنوعة.
- ولديها مجموعة من الشعر المحكي لم تطبع بعد
مدخل:
تأتي هذه المجموعة الشعرية بوصفها منجزاً شعرياً ناضجاً ينهل من التجربة الإنسانية والوجدانية والذاكرة الجمعية السورية ويعيد تشكيلها عبر لغة مشبعة بالصور والانزياحات والرموز وتتسم المجموعة بثراء لغوي وتنوع أسلوبي وتماسك بنائي مما دفعني لتحليلها وفق المنهج الذرائعي الذي يدرس النص من خلال علاقته بالقارئ والواقع من خلال عدة مستويات أيديولوجية فكرية ولغوية إضافة إلى المستوى السلوكي والأخلاقي والنفسي.
أولاً: المستوى الأخلاقي والبؤرة الفكرية الثابتة
وفيها نلمس ايديولوجية الشاعرة الأدبية والفكرية ونظرتها نحو مجتمعها وهذه البؤرة هي هوية الشاعرة الملتصقة بها كبصمتها ومن خلال قراءتي المستفيضة لديوا الشاعرة نرى أنها تنطلق من مقاصد إنسانية وجدانية أهمها : - استعادة الحب كقيمة وجودية
- تثبيت الذاكرة الجمعية السورية
- إعادة بناء الذات عبر اللغة
- مقاومة القهر بالخيال
- تحويل الألم إلى جمال
هذه المقاصد تتجلّى في نصوص الديوان مثل «أوجاع البلاد» و «تفاصيل» و «على مقام الريح »، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع السيرة الجمعية، في بنية شعرية ذات وظيفة علاجية وهذا مانراه بوضوح في قصيدة “تفاصيل “هذه واحدة من أجمل قصائد المجموعة، لأنها تجمع بين السيرة الذاتية والذاكرة الجمعية السورية.
القصيدة تقوم على تقنية الاسترجاع، حيث تعود الشاعرة إلى حمص، إلى الطفولة، إلى البيت، إلى الجارات، إلى الأغاني، إلى «سميرة توفيق»، إلى «العتابا»، إلى «السفربرلك».
كتبت الشاعرة القصيدة كحكاية، لكنها مشبعة بالشعر، والرموز: حمص، بردى، الكنيسة، المسجد، الجدة، العراضة…
كلها رموز تُعيد تشكيل الهوية السورية تقول:
«جدةً صرتُ وما زلتُ ألتحف غمام حمص»
صورة تجمع بين الزمن والحنين والهوية.
هذه القصيدة تُعدّ وثيقة وجدانية، تُظهر أن الشاعرة لا تكتب عن المكان، بل تكتب المكان داخلها.
إنها قصيدة ذاكرة، وقصيدة وطن، وقصيدة حنين، وقصيدة ألم.
وفي قصيدة “أوجاع البلاد ” نجد أنّ هذه القصيدة تمثل الذروة الوجدانية والسياسية في المجموعة.
حيث تقوم القصيدة على مفارقة واضحة تقول:
«بعد اليوم لن تكون حبيبي»
لكن الحبيب هنا ليس شخصاً، بل الوطن.
«حبيبي رغيف خبز محروق الأطراف»
الوطن يتحول إلى خبز، إلى لقيمات بلا دسم، إلى جوع.
«الجراد هاجم ربيعي»
صورة سياسية مكثّفة، تُحيل إلى الحرب، الدمار، الفقد.
كما أنّ التكرار «بعد اليوم» يخلق إيقاعاً يشبه طرقات الألم.
وهنا تُظهر قدرة الشاعرة على تحويل الواقع السياسي إلى شعر، دون خطابية، ودون شعارات.
إنها قصيدة وجع ووعي، تُعيد تعريف الوطن بوصفه جرحاً لا يندمل.
− ثانياً: المستوى المتحرك
المدخل البصري:
أول مايلفت نظرنا ثيمة العنوان “على ضفاف المجاز” العنوان مركّب من ثلاث مفردات ذات حمولة رمزية عالية يفتح باباً تأويلياً واسعاً:
الضفاف: منطقة بينية، حدّ فاصل بين الماء واليابسة، بين الواقع والخيال.
المجاز: الانزياح، التخييل، اللغة التي تتجاوز حدودها.
هذا العنوان يعلن منذ البداية أن الشاعرة تقف في منطقة ما قبل اكتمال المعنى، والعنوان إذن ليس مكاناً، بل حالة وجودية.
الذات تقف على ضفاف المجاز لأنها لا تريد أن تغرق في الواقع، ولا أن تستسلم للخيال، بل تبحث عن منطقة توازن بينهما. إنه عنوان وجودي، يشي بأن الشاعرة تعيش على تخوم اللغة، وتعيد تشكيل العالم عبر المجاز وهي:
ثيمة وجودية: الوقوف على حدود الذات.
ثيمة لغوية: العيش في منطقة الانزياح.
ثيمة جمالية: تحويل اللغة إلى ماء، والمجاز إلى ضفاف.
ثيمة سردية: امرأة تجمع ما يتساقط من الحكاية.
ثيمة وطنية: الوقوف على ضفاف وطنٍ موجوع.
ثيمة فلسفية: البحث عن اكتمال لا يتحقق.وبالتالي العنوان ليس عتبة، بل خريطة، و«المجاز» ليس أداة بل مكان إقامة، والضفاف ليست حدوداً بل حالة وجودية.
المدخل اللساني والدلالي والجمالي
سيمانتك النص واختيار الكلمة، أي علم اللغة، وبالتالي اللغة الشعرية التي تغوص في أعماق النفس الإنسانية للكشف عما يختلج في نفسية الشاعرة من أحاسيس مختلفة من خلال الإيحاءات والخيال والرمزية والصور الشعرية وعلم البيان والبديع والموسيقى الشعرية.
مما لاشك فيه أنّ لغة المجموعة تقوم على ثلاث ركائز: - الانزياح المكثّف مثل قولها:
«شمسٌ في حضني تغفو»
«يداك الراعشتان بشوقٍ تلملمان الندى»
هذه الصور الشعرية من الاستعارات تُظهر القدرة على تحويل المحسوس إلى طاقة وجدانية. - التشخيص حيث اللغة تُشخّص الأشياء:
الطريق، الريح، الورد، الصوت، القصيدة…
وهذا يمنح النصوص حيوية ذرائعية، لأن التشخيص يُسهّل على القارئ التفاعل مع الصورة بوصفها كائناً حيّاً. - التكرار البنائي:
التكرار في المجموعة ليس زخرفاً، بل أداة ذرائعية لخلق الإيقاع الداخلي، مثل:
«فارغٌ معنى الورد… فارغٌ معنى الورد»
«يا قلبُ قل لي… يا قلبُ قل لي»
التكرار هنا يُستخدم لخلق إلحاح شعوري.
نلاحظ أنّ أسلوب الشاعرة في المجموعة يجمع بين: القصيدة الومضة، القصيدة السردية، القصيدة التأملية.
كما تعتمد الشاعرة على:
جمل قصيرة مشحونة بالعاطفة، وصور متتابعة كأنها لقطات سينمائية، وانتقالات سريعة بين المشهد الداخلي والخارجي حيث مزجت بين اللغة الفصيحة واللغة اليومية الوجدانية هذا الأسلوب يخلق قابلية عالية للتلقي، وهو أحد أهم شروط الذرائعية.
الإيقاع في المجموعة ليس عمودياً، بل إيقاع داخلي قائم على:
التوازي التركيبي، التكرار،الموسيقى الخفية في المفردات، حضور مفردات صوتية: (الريح، الصمت، الصوت، الندى، المطر…)
فالإيقاع هنا وظيفي، يخدم المعنى، ويُسهّل على القارئ الدخول في الحالة الشعورية للنص.
ثالثاً: المستوى النفسي والمدخل السلوكي والعقلاني
وهذا يتجلى واضحاً وجليّاً في قصيدة “على مقام الريح”. تبدأ الشاعرة قصيدتها بمناداة صوفية: «يا حادي الروح»، وهي صيغة تراثية تُحيل إلى النداء الروحي.
القصيدة تقوم على حركة بين النداء والرجاء، بين الشوق والاكتمال.حيث لجأت إلى الانزياح بقولها:
«تراوغ الحقل عن زهره»
صورة تُحوّل الزنبقة إلى كائن مراوغ، حيّ، أنثوي.
كما أنّ التكرار «يا حادي الروح» يخلق موسيقى خفية.
كما اعتمدت على الرمز، فالريح هنا ليست ريحاً، بل حركة الروح، و«مقام الريح» هو مقام الحرية، مقام الانطلاق.
وهكذا قدّمت الشاعرة للقارئ الذات بوصفها كائناً يبحث عن اكتمال، عن ترتيب أغاني الفجر، عن إعادة صياغة العالم.
إنها قصيدة تأسيسية في المجموعة، تُعلن أن الشعر هو طريق الخلاص.
رابعاً: الخلفية الثقافية والأخلاقية للشاعرة
المجموعة غنية بالمرجعيات:
عشتار، بردى، قاسيون، حمص، الشام، الأساطير الإغريقية (زيوس، هيرا) التراث الشعبي (العتابا، السندباد) الموسيقى الشرقية (الصولفيج، الكمنجات).
هذه المرجعيات تُظهر أن الشاعرة تبني نصوصها على هوية ثقافية مركّبة:
سورية – عربية – إنسانية – أسطورية.
التقييم الذرائعي النهائي
المجموعة الشعرية غنيّة جداً بفضل وضوح اللغة وصدق الشعور، وما تركته من أثر جمالي من خلال توليفة ناجحة بين البلاغة والانفعال.
القيمة الأخلاقية سامية، تستند إلى المحبة والشغف ومقاومة الألم وإعادة بناء الذات بديلًا عن العنف.
كما أنّ اعتمادها على التوازن بين الشكل والمضمون، واستخدام الرمز بشكل مباشر يخدم خطاباً جمعياً واضحاً.
خاتمة ( الخلاصة النقدية)
«على ضفاف المجاز» ليست مجموعة شعرية فحسب، بل سيرة وجدانية مكتوبة بالمجاز.
تنجح الشاعرة في: - خلق لغة خاصة بها
- بناء عالم شعري متماسك
- تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية
- تقديم شعر حديث دون أن يفقد جذوره التراثية
إنها مجموعة تُقرأ بالقلب قبل العقل، وتُحلّل بالذائقة قبل المناهج، لكنها أيضاً تقف بثبات أمام النقد الأكاديمي الذرائعي.
تمنياتي للشاعرة المبدعة التوفيق والمزيد من العطاء والتميز.
سمر الديك


