كتب موفق جواد الطائي ، عن امكانية تجربة زها حديد في فتح الافق التخيلي للتشكيليين

من اللوحة إلى الفضاء والكتلة (العمارة)

** كيف يمكن للفنانين التشكيليين الاستفادة من تجربة زهاء حديد**

المعمار الاكاديمي موفق جواد الطائي

مقدمة

غالباً ما يُنظر إلى العمارة بوصفها علماً تقنياً يخضع لقوانين الإنشاء والوظيفة، بينما يُنظر إلى الفن التشكيلي باعتباره مجالاً للتعبير الحر والخيال الجمالي. غير أن تاريخ الإبداع البشري يكشف أن الحدود بين هذين المجالين لم تكن يوماً حدوداً صارمة، بل كانت دائماً فضاءات مفتوحة للتداخل والتفاعل. فالعديد من التحولات الكبرى في العمارة الحديثة انطلقت في الأصل من أفكار تشكيلية، كما أن كثيراً من الاتجاهات الفنية استلهمت مفاهيمها من البنية المكانية والإنشائية للعمارة.

ضمن هذا السياق تبرز تجربة المعمارية العراقية العالمية Zaha Hadid بوصفها نموذجاً استثنائياً لهذا التفاعل الخلاق بين الفن والعمارة. فقبل أن تصبح واحدة من أبرز المعماريين في العالم، كانت تعمل بالرسم واللوحة التشكيلية، وقد استخدمت هذه الوسائط بوصفها حقلاً فكرياً لتفكيك الفضاء وإعادة بنائه بصرياً. ولهذا فإن فهم منجزها المعماري لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن قراءة جذوره التشكيلية.

إن أهمية تجربة زهاء حديد بالنسبة للفنانين التشكيليين لا تكمن فقط في بعدها المعماري، بل في الطريقة التي استطاعت من خلالها تحويل اللوحة إلى مشروع فكري بصري قادر على إنتاج فضاءات جديدة. فقد تعاملت مع الرسم ليس بوصفه وسيلة لتمثيل الواقع، بل باعتباره أداة لاستكشاف إمكانات الشكل والفراغ والحركة. ومن خلال هذا المنظور استطاعت أن تفتح أمام الفن والعمارة معاً آفاقاً غير مسبوقة.

كما تكشف هذه التجربة عن تحولات عميقة في مفهوم الإبداع المعاصر، حيث لم يعد الفنان أو المعماري يعمل داخل حدود تخصص واحد، بل أصبح الإبداع عملية مركبة تتداخل فيها الفنون والعلوم والتكنولوجيا. ومن هنا فإن تجربة زهاء حديد تقدم للفنانين التشكيليين مثالاً مهماً على إمكانية توسيع مجال العمل الفني ليشمل التفكير الفراغي والتقني والفلسفي في آن واحد.

وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى منجز حديد بوصفه امتداداً للحركات الطليعية في الفن الحديث، ولا سيما التجريد الهندسي الذي ارتبط بأعمال الفنان الروسي Kazimir Malevich ومشروعه الفني المعروف باسم Suprematism، حيث تحولت الأشكال الهندسية البسيطة إلى لغة بصرية جديدة تسعى إلى تحرير الفن من قيود التمثيل الواقعي¹.

اللوحة التشكيلية كمختبر للأفكار

كانت لوحات زهاء حديد في مراحلها المبكرة أقرب إلى أعمال فنية تجريدية منها إلى رسومات معمارية تقليدية. فقد كانت تستخدم الألوان والمساحات والخطوط بطريقة حرة، وتُنشئ تكوينات هندسية معقدة توحي بالحركة والانسياب. وكانت هذه اللوحات تمثل بالنسبة لها فضاءً مفتوحاً للتجريب البصري، حيث يمكن اختبار العلاقات بين الكتل والفراغات دون القيود التي تفرضها متطلبات البناء والتنفيذ².

وقد تأثرت في هذا السياق بالفن الطليعي الروسي، خصوصاً أعمال Kazimir Malevich الذي أسس حركة Suprematism في بدايات القرن العشرين. وقد اعتمدت هذه الحركة على الأشكال الهندسية الأساسية مثل المربع والمستطيل والدائرة، لكنها تعاملت معها بطريقة تجريدية خالصة تهدف إلى التعبير عن الإحساس البصري بدلاً من تمثيل الواقع³.

وقد وجدت زهاء حديد في هذا الاتجاه الفني لغة بصرية قادرة على تحرير العمارة من الأشكال التقليدية، فبدأت بتحويل تلك الأشكال الهندسية الطائرة في لوحات ماليفيتش إلى تكوينات فضائية يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مبانٍ حقيقية. وهنا يكمن أحد أهم الدروس للفنان التشكيلي: أن اللوحة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لأفكار تتجاوز حدودها التقليدية.

كسر القواعد التقليدية للتكوين

من أبرز ما يميز تجربة Zaha Hadid هو رفضها للأنماط التقليدية في تنظيم التكوين. ففي العمارة الكلاسيكية كما في كثير من الأعمال التشكيلية التقليدية، يعتمد التكوين على محاور ثابتة وتوازنات مستقرة. أما في أعمال حديد، فإن التكوين يبدو وكأنه في حالة حركة دائمة، حيث تتداخل الكتل وتتشابك الخطوط بطريقة ديناميكية⁴.

هذا الأسلوب في التفكير البصري يمكن أن يقدم للفنانين التشكيليين إمكانات جديدة في بناء اللوحة. فبدلاً من التركيز على مركز واحد للتكوين، يمكن توزيع العناصر البصرية في اللوحة بطريقة تخلق إحساساً بالحركة والامتداد. كما يمكن استخدام التكرار والتحول التدريجي للأشكال لإنتاج إيقاع بصري يشبه الإيقاع الموسيقي.

إن ما فعلته زهاء حديد في هذا المجال هو إعادة تعريف مفهوم التوازن البصري، بحيث لم يعد التوازن يعني الاستقرار فقط، بل يمكن أن يعني أيضاً التوتر والحركة والتغير.

التفكير في الفراغ لا في السطح

غالباً ما ينظر الفنان التشكيلي إلى اللوحة بوصفها سطحاً ثنائي الأبعاد، لكن تجربة زهاء حديد تقدم منظوراً مختلفاً. فلوحاتها كانت تُبنى بطريقة توحي بوجود فضاءات متعددة الطبقات، وكأن المشاهد ينظر إلى عالم ثلاثي الأبعاد يتجاوز حدود السطح.

هذا التفكير الفراغي هو أحد أسرار قوة أعمالها البصرية. فالخطوط المائلة والتكوينات المتقاطعة كانت تُستخدم لإنتاج إحساس بالعمق والحركة، بحيث تتحول اللوحة إلى فضاء بصري يمكن للمشاهد أن يتخيله ويتحرك داخله⁵.

بالنسبة للفنانين التشكيليين، يمكن أن يكون هذا الدرس مهماً في تطوير أساليبهم التعبيرية. فالعمل الفني لا يجب أن يقتصر على تمثيل الأشكال، بل يمكن أن يصبح وسيلة لاستكشاف العلاقات بين الفضاءات المختلفة داخل التكوين.

العلاقة بين الفن والتكنولوجيا

في مراحل لاحقة من مسيرتها، بدأت زهاء حديد باستخدام التقنيات الرقمية في تصميم المباني، خصوصاً ما يعرف بالتصميم البارامتري الذي يعتمد على الخوارزميات والمعادلات الرياضية لتوليد الأشكال المعمارية. وقد ارتبط هذا الاتجاه نظرياً بأعمال المعماري والمنظر Patrik Schumacher الذي صاغ مفهوم Parametricism بوصفه أحد الاتجاهات المؤثرة في العمارة المعاصرة⁶.

لكن أهمية هذه التجربة بالنسبة للفنانين التشكيليين تكمن في إظهار الدور المتزايد للتكنولوجيا في العملية الإبداعية. فالفن المعاصر لم يعد يعتمد فقط على الوسائط التقليدية مثل الرسم والنحت، بل أصبح يشمل أيضاً الفن الرقمي والفن التوليدي والوسائط المتعددة.

الجرأة في التجريب والبحث

من الجوانب المهمة في تجربة زهاء حديد أيضاً الجرأة الفكرية في مواجهة التقاليد السائدة. فقد واجهت في بداياتها كثيراً من الشكوك والانتقادات، لأن أفكارها بدت في ذلك الوقت بعيدة عن الواقع المعماري السائد. ومع ذلك استمرت في تطوير لغتها البصرية الخاصة، ولم تتخل عن رؤيتها الإبداعية.

هذه الجرأة هي أحد أهم عناصر الإبداع في كل الفنون. فالفنان الحقيقي لا يكتفي بتكرار الأساليب المألوفة، بل يسعى دائماً إلى اكتشاف طرق جديدة للتعبير.

** الاستنتاج**

إن تجربة Zaha Hadid تمثل مثالاً بارزاً على قدرة الفن على تجاوز حدوده التقليدية والتفاعل مع مجالات معرفية متعددة. فقد استطاعت من خلال رؤيتها التشكيلية أن تعيد تعريف العلاقة بين اللوحة والفضاء، وأن تفتح أمام العمارة آفاقاً جمالية جديدة.

ومن خلال هذه التجربة يمكن للفنانين التشكيليين أن يستلهموا مجموعة من المبادئ الأساسية، منها الجرأة في التكوين، والتفكير الفراغي، والانفتاح على التكنولوجيا، والسعي المستمر نحو تطوير لغة بصرية شخصية. إن هذه المبادئ لا تخص العمارة وحدها، بل تمثل جوهر الإبداع الفني في العصر المعاصر.

الهوامش

  1. Malevich, Kazimir. The Non-Objective World. Chicago: Paul Theobald, 1959.
  2. Betsky, Aaron. Zaha Hadid: The Complete Buildings and Projects. London: Thames & Hudson, 1998.
  3. Milner, John. Kazimir Malevich and the Art of Geometry. Yale University Press, 1996.
  4. Curtis, William J. R. Modern Architecture Since 1900. London: Phaidon, 1996.
  5. Schumacher, Patrik. The Autopoiesis of Architecture, Vol. 1. London: Wiley, 2011.
  6. Schumacher, Patrik. “Parametricism as Style – Parametricist Manifesto.” Architectural Design, 2008.

قائمة المراجع

  • Betsky, Aaron. Zaha Hadid: The Complete Buildings and Projects. Thames & Hudson, London.
  • Curtis, William J. R. Modern Architecture Since 1900. Phaidon Press.
  • Hadid, Zaha. Zaha Hadid: Complete Works. Thames & Hudson.
  • Malevich, Kazimir. The Non-Objective World. Paul Theobald.
  • Schumacher, Patrik. The Autopoiesis of Architecture. Wiley.
  • Frampton, Kenneth. Modern Architecture: A Critical History. Thames & Hudson.

#الفن والنقد التشكيلي# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم