كتب من برلين الاستاذ: عماد خالد رحمة..بين ذاكرة اللفظ وأفق المعنى.. في جدل الحقلين المعجمي والدلالي.

بين ذاكرة اللفظ وأفق المعنى: في جدل الحقلين المعجمي والدلالي:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست اللغةُ مجرّدَ وعاءٍ محايدٍ للأفكار، ولا نظامًا آليًا من الإشارات القابلة للاستبدال، بل هي كينونةٌ رمزيةٌ حيّة، تتقاطع فيها الذاكرةُ الجماعية بالخيال الفردي، ويتجاور فيها المعجميُّ بوصفه خزّان الألفاظ، والدلاليُّ بوصفه أفق المعنى وانفتاح التأويل. ومن هذا التوتر الخلّاق بين الحقلين يتشكّل النص الأدبي، وتُصاغ الرؤية، ويولد الفعل الجمالي والمعرفي معًا.
الحقلُ المعجمي هو المجال الذي تنتظم فيه الكلمات وفق أصلها الاشتقاقي، واستعمالها القاموسي، وتاريخها التداولي. إنّه الذاكرة الصلبة للغة، ما سمّاه عبد القاهر الجرجاني «مادّة القول»، قبل أن تمسّها يد النظم. غير أنّ هذه المادة، مهما بلغت من ثراء، تظلّ خاملة ما لم تدخل في شبكة العلاقات التي تمنحها معناها الفعلي داخل النص. فالكلمة في المعجم شيء، وفي السياق شيء آخر؛ في القاموس تعريف، وفي الخطاب مصير.
أمّا الحقل الدلالي، فهو الفضاء الذي تتفاعل فيه الكلمات، لا بما هي ألفاظ منفردة، بل بما هي كائنات معنوية تتجاور، وتتقاطع، وتتضاد، وتتساند. هنا لا تُقاس القيمة بعدد المفردات، بل بكثافة العلاقات بينها. وقد نبّه فردينان دو سوسير إلى أنّ المعنى لا ينبع من الكلمة في ذاتها، بل من موقعها داخل النسق، من اختلافها عن غيرها، لا من حضورها المفرد. فالدلالة وليدةُ العلاقة، لا النواة المعزولة.
وفي النص الأدبي، يبلغ هذا التفاعل ذروته. فالشاعر أو الكاتب لا ينتقي ألفاظه من المعجم كما ينتقي أشياء من رفّ، بل يُعيد شحنها بطاقة رمزية جديدة، ويزحزحها عن دلالتها المألوفة، لتدخل في حقل دلاليّ أرحب. من هنا رأى بول ريكور أنّ الاستعارة ليست زينة بلاغية، بل «حدث دلالي»، لأنها تُعيد ترتيب الحقول الدلالية، وتفتح المعنى على إمكانات لم تكن كامنة في الاستعمال العادي.
وقد أدرك نقّادنا القدماء هذا الفرق الدقيق، حين فرّق الجرجاني بين «معرفة معاني الألفاظ مفردة» و«معرفة معاني النحو والنظم». فليست البلاغة في اللفظة، بل في طريقة ائتلافها، وفي المسافة التي تُحدثها بينها وبين نظيراتها. وهذا ما أكّده لاحقًا طه عبد الرحمن حين رأى أنّ اللغة ليست أداة نقل، بل أداة تفكير، وأنّ المعنى يتشكّل أخلاقيًا وتداوليًا داخل السياق، لا معجميًا فقط.
إنّ الاقتصار على الحقل المعجمي يُفضي إلى لغة جافة، تقريرية، أسيرة التعريف، فيما يمنح الحقل الدلالي النصَّ حيويته، وطاقته الإيحائية، وقدرته على إنتاج المعنى لا استهلاكه. لذلك كانت النصوص الكبرى – من المتنبي إلى محمود درويش – نصوصًا تُحسن إدارة هذا التوتر: معجمٌ مألوف، لكن دلالة متمرّدة؛ ألفاظ نعرفها، ومعانٍ تفاجئنا.
وهكذا، فإنّ جدل الحقلين ليس مسألة لغوية تقنية فحسب، بل قضية فكرية وجمالية. إنّه الفرق بين لغةٍ تكرّر العالم، ولغةٍ تعيد خلقه؛ بين خطابٍ يكتفي بالتسمية، وآخر يغامر بالتأويل. وفي هذا الفضاء الوسيط، حيث تلتقي ذاكرة اللفظ بأفق المعنى، تتجلّى اللغة في أسمى وظائفها: فعلَ معرفة، وفعلَ حرية، وفعلَ إبداع.

أخر المقالات

منكم وإليكم