تحت عنوان “لهو فكرى” يكتب الأستاذ محمد أسامة سلامة مراجعة قيمة عن “مقطوعات على الحب والخوف” قصص للكاتبة إيمان عبدالرحيم مفندا عددا من قصص الكتاب. مقطوعات على الحب والخوف هو المتاب القصصى الثانى للكاتبة الموهوبة إيمان عبدالرحيم.
إلى نص المراجعة.
“مقطوعات على الحب والخوف…..هندسة فراغ أزلي”
حين نقرأ هذه المجموعة: مجموعة “مقطوعات على الحب والخوف” للكاتبة “إيمان عبدالرحيم”-الصادرة عن دار الكتب خان بعام 2025- وننظر إلى مدى علاقة حبكات القصص وعناوينها والاستهلالات ذات الطابع الخاص لدى كل قصة، نستشف أن القصص تقوم على لحظة تبصر داخل عقل الإنسان، لنرى آلية عمله واستقباله للمعاني الكبرى المتداخلة مع ما تختزنه من حكايا ومشاهدات، لتنتقل الكاتبة بعد ذلك معضلة تأويل هذه التعقيدات بصراع شبه ثابت على النفس، بين التعرض للمعنى بصفته-الموت والزمن مثلا- المجردة، وبين استخراج أثره المتفاعل بالأصل مع المشاعر والمرويات المختزنة لنسج حالة شعورية معينة النفس على التعايش ومن ثم الاستعانة بها على خطوتها القادمة.
❝ أنا آسفة على هذا الجدل السخيف، فأنا أكره السرد الواعي في الكتابة، وأميل -بصورة قد تكون مفتعلة أحيانا- إلى التجريد، كنت فقط أريد القول أني سأحكي عن ذكرى طفت فجأة إلى رأسي من العدم، لكن هذه المرة بكل تفاصيلها كاملة، وكأنها تحدث الآن أمامي ماثلة. ❞
من قصة “بابا”
من هذا المبدأ، تمكنت الكاتبة من تشريح المعضلة وتصوير معايشة الذات لها عبر مراحلها المختلفة، معتمدة على أصل ثابت- سواء كان مباشرة كما نرى استخدام الآيات القرآنية كاستهلال للقصص، أو كانت عن طريق الرمز كوجود الأب بقصتي “بابا” و”ليال الشال الأسود” أو مخاطبة الرب بقصة “المقصود” -تتحرك فيه بشكل حر نازعة قيودها الخاصة-اي انطباعاتها والتزامها بما تغذت عليه من اعتقادات -وهو ما نراه جليا في نسيج سردية القيامة المختلط بقصة “النشور”- ، منجذبة إثر ذلك لحقيقة الأشياء في مسارات معقدة مستعيدة شعور الدهشة منه لتتعرف عليه- وصفته الكاتبة بقصة “النشور” بحلزونات ضوئية-صانعة بهذا صلات جديدة، تصلح نافذة تطل بها على حالتها القديمة-وهو ما بثته الكاتبة في التشوش بين شخصيات عدة بالقصص، كالأختين في قصة “فصام” أو التنقل بين الراوي العليم والراوي المتكلم بقصة “بابا”- وتتأملها
❝ يتجه نظري رغما عني إلى الحروف المكتوبة على اللوحات المرورية الخلفية للسيارات النفاثة، فيحل عليّ إدراك مفاجئ، لا أعلم مصدره، لكنه يقيني جدا، بدرجة لا تستلزم سوى الانصياع له. أنه اليوم الآخر بحق، والحروف على اللوحات الخلفية للسيارات هي صلوات علينا أن نتلوها، نسترئف الله بها! ❞
من قصة “النشور”
ولأجل ذلك، وضعت “إيمان عبدالرحيم” العقل بطلا موازيا في بعض القصص، فنلمتس بقصة “مملكة العقل” تمثيلا لسلسلة معقدة من استقبال الظواهر وترجمتها بما يناسب طبيعة المجتمع ومن ثم مقارنتها بما يعتبر ثابت في دخيلة النفس من معتقد -وهو ما رمزت به الكاتبة بالحقيبة السرية وجعلها شاهدة مشهد صارخ يُغتصب فيه البطل لتختفي عند احتقار العجوز لمظهره المتهدل كدلالة على التحول وعنفه من جهة، وسطوة هذا في محو الثوابت من جهة أخرى-
وبالتوازي في قصص “النشور” و “الموطن” و”ليال الشال الأسود” تلقي الكاتبة الضوء على ما بداخل السلسة المعقدة، والواصفة لمناورته المستمرة بين مقاربة وربط-مثلما نرى في قصة “النشور”، تصور البطلة عن مشهد القيامة واعتبار حروف اللوحات المعدنية صلاة قد تنجي من هولها- وبين نقد وتفنيد -كما نجد بالجدال المطول حول تعريف الوطن بقصة “الموطن” -، ومن ذلك نسترشد بوضوح إلى عناية الكاتبة بتطويع إطار الزمن-سواء بالاختصار في الشطر الأول أو بالتفصيل بالشطر الثاني- لتتكون بالمحصلة صورة يمكنها أن تلقي بظلالها على المعاني الكبرى، معطية تفسيرا لها.
❝ لن يكون الحال أفضل حتى مع اليقين، حين تعرف أخيرا أنك تواجه الجنون وجها لوجه، وحتى حين تستعين بالمختصين، ويتم احتجازها في مصحة عقلية لعمل اللازم، لن يختفي الخوف أو يقل الرعب أو تفيق من الصدمة، خاصة وأن عقلك بعد كل ما مر به لم يسلم أو يتعافى بعد من عضات ضلالات الارتياب الوحشية. ❞
- من قصة “فصام”
توسع الكاتبة إطار الحكي قليلا، بتركيزها على قاعدة تصل بين قدرات العقل وبين سعي الذات لإدراك معنى تجربتها الخاصة، قوامها أن منبع الحركة في وجود المشاعر الحسية، فضلا عن تأثيرها، مدعمة ذلك بمعيار السطوة-كما رمزت إليه باحتفاظ عين البطل لرؤية النظارة رغم خلعها بقصة “مملكة العقل”-. لنرى النفس في مسارها أسيرة قوتين: الحب المتمثل في قصتي “بابا” و”اضحك تضحك لي الدنيا، والخوف المستشري بقصص “النشور”، و”فصام” و”ليالي الشال الأسود”، يسريان على نسق واحد؛ يفتحان بابا للاحتمالات على وسعه وبالتبعية يلتهمان روابط الواقع، بصنعهما روابط زائدة تزيد من تعقيد المسار-وهو ما صورته “إيمان عبدالرحيم ” في لقطات تظهر حيلة المخ الدفاعية التي تراوغ الواقع بقصة “فصام”، وأيضا في تبرير البوح والاستطراد بقصة “بابا” بوضع الذات بين حواجز اعتراضية قوامها في التنقل بين الراوي العليم “إيمان ” إلى الراوي المتكلم- والنفس بينهما تترنح بينهما -إما باختيارها أو مجبورة وفق سير الأحداث- إلى أن تقف معلنة تساوي النقيضين-كما نرى في جملة تشعر وكأنها روح تغادر للتو هذا الجسد- نسيجا يعرض التجربة حين تحال للذكرى وقد حطت النفس على أعتاب قصة جديدة
#القراءة_أسلوب_حياة #الكتب_خان_للنشر #مكتبة_الكتب_خان#مجلة ايليت فوتو ارت.


