في الثامن عشر من أيار.. حين تتكلّم الحجارة وتنهض الذاكرة.. عندما همست لنا المكتشفات الأثرية بأسرار الحضارات..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في الثامن عشر من أيار من كلّ عام لا تحتفل البشرية بالمتحف بوصفه بناءً صامتاً تزدحم فيه القطع القديمة خلف الزجاج بل تحتفل بذاكرتها نفسها بالرحلة الطويلة التي عبرها الإنسان منذ نقش أول علامة على الطين.. وحتى تشييد المدن وابتكار الأبجدية وصناعة الحضارات.
إنّ يوم المتاحف العالمي ليس مناسبة عابرة في روزنامة الثقافة بل هو تذكير عميق بأنّ الأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح كإنسانٍ استيقظ ذات صباحٍ بلا اسم ولا ملامح ولا جذور.
المتاحف ليست مستودعاتٍ للغبار كما يتوهّم البعض بل هي خزائن الروح الإنسانية.
في كلّ قطعة أثرية حكايةُ أمٍّ انتظرت عودة ابنها بعد طول غياب.. ويدُ خزّافٍ عجنت الطين بمحبة ودمعةُ ملكٍ خائف على مدينته وصلواتُ بحّارةٍ حملوا قلوبهم إلى المرافئ البعيدة.
إنّ قطعة الفخار القديمة ليست حجراً أصمّ بل نبضُ إنسانٍ عاش قبل آلاف السنين وما زال يحاول أن يكلّمنا.
وحين ندخل متحفاً أثرياً حقيقياً فإننا لا نمشي بين معروضات جامدة بل نعبر دهاليز الزمن نفسه.
هناك تقف الحضارات جنباً إلى جنب:
أوغاريت التي أهدت العالم أول أبجدية
ومصر التي علّمت الحجر معنى الخلود
وبابل التي رفعت أحلامها نحو النجوم،
واليونان التي حوّلت الفكر إلى جمال
وحضاراتٌ كثيرة تركت على الأرض آثار أقدامها كي لا يضيع الإنسان في عتمة النسيان.
إنّ المتحف مدرسةٌ لا تشبه المدارس
فيه يتعلّم الطفل أنّ الوطن ليس حدوداً فحسب
بل تاريخٌ وذاكرة وهوية.
وفيه يدرك الشاب أنّ الحضارة لا تُبنى بالسلاح وحده بل بالفكر والفن واللغة والجمال.
وفيه يكتشف الإنسان أنّ الشعوب العظيمة لا تموت ما دامت آثارها قادرة على الكلام.
ولعلّ أعظم ما تفعله المتاحف أنّها تعلّمنا التواضع أمام الزمن.
فنحن مهما بالغنا في الشعور بالقوة لسنا سوى عابرين فوق هذه الأرض بينما تبقى الحجارة شاهدةً على تعاقب الملوك والإمبراطوريات والحروب والأحلام.
وفي عالمٍ تتسارع فيه الحياة حتى يكاد الإنسان ينسى نفسه تأتي المتاحف لتقول لنا:
تمهّلوا قليلاً
فخلف هذا الزجاج ترقد أعمارٌ كاملة وخلف هذه النقوش أنفاسُ بشرٍ أحبّوا وخافوا وغنّوا وبكوا مثلنا تماماً.
لهذا فإنّ حماية المتاحف والآثار ليست ترفاً ثقافياً بل واجبٌ أخلاقي وحضاري.
فالذي يسرق قطعةً أثرية لا يسرق حجراً بل يسرق صفحةً من ذاكرة الإنسانية كلّها.
في يوم المتاحف العالمي ننحني احتراماً لكلّ يدٍ حفظت حجراً من الضياع ولكلّ عالم آثارٍ أعاد للحضارات صوتها ولكلّ متحفٍ بقي واقفاً في وجه الحروب والنسيان.
فالمتاحف ليست بيوتاً للماضي فقط.
إنّها الجسور التي تعبر عليها أرواحنا نحو المستقبل.
د.غسان القيم


