كتب عاشق أوغاريت : د. غسان القيم..عن الحكمة القائلة: المرأة مالها غير صحتها “لا رجال بيشفع ولا أولاد بتنفع”.

.المرأة مالها غير صحتها “لا رجال بيشفع ولا أولاد بتنفع”
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
هذا المثل الشعبي الريفي يحمل حكمةً كثّفتها تجارب أجيال طويلة من النساء اللواتي عرفن أن الصحة هي رأس المال الحقيقي للإنسان، وأن كل ما حوله قد يعجز عن حمل أوجاعه إذا انكسر الجسد ووهنت الروح
في قرانا السورية الجميلة، حيث كانت النساء ينهضن قبل طلوع الشمس يوقدن التنور، ويحلبن المواشي ويحملن همّ البيت والحقل والأسرة وُلد هذا المثل من رحم التجربة لا من بطون الكتب.
كانت المرأة هناك تعرف أن صحتها ليست رفاهيةً ولا ترفاً عابراً بل هي العمود الذي تستند إليه الحياة كلها. فإذا اعتلّ الجسد تعثرت الخطوات التي كانت تملأ الدار دفئاً وحركةً وعطاءً.
ولذلك كان كبار السن يرددون بحكمة السنين: “المرأة مالها غير صحتها لا رجال بيشفع ولا أولاد بتنفع.”
ليس انتقاصاً من الزوج أو الأبناء بل اعترافاً بحقيقة الحياة فحين يشتد الوجع لا يستطيع أحد أن يحمل الألم عن صاحبه ولا أن يتقاسم معه نبض القلب أو أنفاس الصدر. يبقى الجسد أمانةً شخصية وتبقى الصحة تاجاً خفياً لا يرى بريقه إلا من فقده.
هذا المثل ليس مجرد عبارةٍ شعبية بل وصية ريفية قديمة تشبه رغيف التنور الساخن خرجت من أفواه الجدات اللواتي خبرن مواسم القحط والخصب وعرفن أن الذهب قد يُعوّض والمال قد يعود أما الصحة فإذا تراجعت أصبح كل شيء بعدها أقل قيمة.
وهكذا بقيت الحكمة تتناقلها الأمهات جيلاً بعد جيل كأنها سنبلة قمح تحفظ سر الأرض: احفظ صحتك فكل ما تملكه في هذه الدنيا قد يقف عاجزاً أمام وجعٍ يسكن الجسد أما العافية فهي النعمة التي إذا حضرت هان كل شيء، وإذا غابت ثقل كل شيء.
ما أجمل أمثال ريفنا السوري فهي ليست كلمات عابرة بل خلاصة عمرٍ كاملٍ نُقشت على ذاكرة الناس كما تُنقش السنابل على تراب الحقول بعد موسم حصاد وفير.
فالكلمات التي تحمل رائحة التراب والسنابل وأصوات الجدات حول مواقد الشتاء تملك سحراً خاصاً، لأنها لم تولد في القواميس بل في قلب الحياة نفسها.
“هناك حكمٌ لا تُكتب بالحبر بل تُزرع في الأرض وتكبر مع مواسم العمر. وحين يرحل أصحابها تبقى كلماتهم تمشي بين الناس كأشجار زيتونٍ عتيقة تمنح الظل لكل عابر. وما الأمثال الشعبية إلا ذاكرة القلوب حين تتكلم وصوت الأجداد حين يرفض الغياب.”

د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم