كتب: طارق العنقري..تأملات في أسباب النجاح وعاداته.

author

رئيس تنفيذي وعضو مجالس ادارة في قطاعات مختلفة

تأملات في أسباب النجاح وعاداته

طارق العنقري

أرسل إلي أحد الأصدقاء بحسن ظن منه، رفع الله قدره، يطلب مني أن أكتب له خلاصة منظوري حول أسباب النجاح وعاداته، لينشرها في كتاب يعمل عليه. وبعد أن أرسلتها إليه، استأذنته في نشرها، لعل القارئ يجد فيها ما ينفعه. وهي ليست وصفة مكتملة للنجاح، فلكل إنسان تجربته وظروفه وتحدياته، لكنها تأملات ودروس تعلمتها من الحياة، ومن العمل، ومن مجالسة رجال ونساء كان لهم أثر وإنجاز.


أخي العزيز الدكتور … وفقه الله ورعاه،


سألتني عن أسباب النجاح وعادات النجاح، وهو سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أعمق الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الإنسان على نفسه. وبعد سنوات من العمل التنفيذي، والمشاركة في مجالس إدارات شركات ومنظمات في مراحل مختلفة، والاحتكاك برجال أعمال وقادة ومسؤولين ومهنيين ناجحين في مجالات متعددة، وجدت أن النجاح ليس حدثاً مفاجئاً، ولا ضربة حظ عابرة، بل هو مجموعة من المبادئ والعادات التي تتراكم مع الزمن حتى تصنع نتائج استثنائية.
وأود أن أبدأ بأهم سبب على الإطلاق.


أولاً: أسباب النجاح


١- توفيق الله أولاً وآخراً


مهما بلغ الإنسان من علم أو ذكاء أو اجتهاد، يبقى توفيق الله هو العامل الأعظم في النجاح. هناك من يملك المؤهلات نفسها والفرص نفسها، لكن الله يفتح لهذا ما لا يفتح لذاك. لذلك كان التوكل على الله، والإخلاص له، واللجوء إليه بالدعاء، واستحضار أن الفضل كله منه سبحانه، من أهم أسباب النجاح والاستمرار فيه.


٢- النية الصادقة واحتساب الأجر


من أعظم ما تعلمته أن العمل لا يكون مجرد وظيفة أو تجارة أو منصب. عندما يحتسب الإنسان أجر عمله عند الله، ويتعامل مع عمله باعتباره باباً لخدمة الناس ونفعهم وإعمار الأرض، يصبح للعمل معنى مختلفاً تماماً.


النية الصادقة تمنح صاحبها قوة على الاستمرار عندما تغيب المكاسب السريعة، وتمنحه قدرة على الصبر عند التحديات.


٣- وضوح الهدف والرؤية


يصعب الوصول إلى مكان لا تعرف وجهتك إليه.


الناجحون غالباً يعرفون ماذا يريدون، ولماذا يريدونه، وما الأثر الذي يسعون إلى تحقيقه. قد تتغير الوسائل والخطط، لكن وجود رؤية واضحة يجعل القرارات اليومية أكثر سهولة، ويمنع التشتت بين الفرص الكثيرة.


٤- الشجاعة


وجود الهدف وحده لا يكفي، فالوصول إلى الأهداف الكبيرة يتطلب الشجاعة.


الشجاعة في اتخاذ القرارات، والشجاعة في خوض التجارب الجديدة، والشجاعة في تحمل المسؤولية، والشجاعة في الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.


وقد لاحظت أن كثيراً من الفرص الكبرى في الحياة لا تأتي وهي مضمونة النتائج، بل تحتاج إلى قدر من الجرأة المحسوبة. أما التردد المستمر والخوف من الفشل فغالباً ما يحرم الإنسان من فرص كان يمكن أن تغير مسار حياته.


ولذلك فإن النجاح لا يحتاج إلى تهور، ولكنه يحتاج إلى شجاعة تمكن الإنسان من التحرك عندما يحين وقت التحرك، ومن اتخاذ القرار عندما يحين وقت القرار.


٥- الرغبة في نفع البلاد والعباد


كلما كان الهدف أكبر من المصلحة الشخصية الضيقة، زادت فرص النجاح والاستمرار.


من يسعى لخدمة وطنه، أو تطوير قطاعه، أو خلق فرص عمل، أو المساهمة في حل مشكلات المجتمع، غالباً ما يجد دعماً وثقة وفرصاً أكبر ممن يحصر اهتمامه في المكاسب الشخصية فقط.


٦- السمعة الطيبة


السمعة ليست أمراً ثانوياً، بل هي أحد أهم الأصول التي يملكها الإنسان.


وتبنى السمعة على ثلاثة أمور رئيسية:
• الوضوح.
• الصدق.
• إعطاء الناس حقوقهم في وقتها.


قد تمر على الإنسان ظروف صعبة وضغوط مالية أو إدارية أو شخصية، لكن المحافظة على الحقوق والالتزامات والوعود هي ما يصنع الثقة طويلة المدى.


ورأس المال الحقيقي في كثير من الأحيان المال، بل الثقة.


٧- العلاقات وبناء شبكة الثقة

من الأسباب التي أصبحت أزداد اقتناعاً بأهميتها مع مرور السنوات أهمية العلاقات الإنسانية والمهنية المبنية على الثقة والاحترام والقيم المشتركة.

كثير من الناس يقيسون الثروة بما يملكه الإنسان من مال أو أصول، بينما تعلمت أن شبكة العلاقات التي يبنيها الإنسان عبر حياته تعد من أعظم أشكال الثروة.

المعرفة تفتح الأبواب، والخبرة تختصر الطريق، والعلاقات الصادقة تضاعف الفرص.

ولهذا أؤمن بأن شبكة علاقاتك جزء من ثروتك الحقيقية.

ولا أقصد بذلك العلاقات القائمة على المصالح المؤقتة، بل العلاقات التي تبنى على الصدق والاحترام المتبادل والوفاء وحسن التعامل. فهذه العلاقات تصبح مع الوقت رصيداً لا يقدر بثمن، وسبباً من أسباب التوفيق والنجاح.

٨- اختيار شريك الحياة

من أهم القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته اختيار شريك الحياة.

فهذا القرار لا يؤثر في الجانب الأسري فقط، بل يمتد أثره إلى الصحة النفسية والاستقرار العاطفي والطاقة الذهنية والقدرة على الإنجاز.

وقد رأيت أن وجود شريك حياة يؤمن بك، ويدعم طموحك، ويشاركك القيم ذاتها، ويقف إلى جانبك في الأوقات الصعبة، يعد من أعظم عوامل النجاح والاستمرار.

فالنجاح المهني نادراً ما يكون رحلة فردية بالكامل، وكثير من الإنجازات الكبيرة يقف خلفها شريك حياة كان سنداً وشريكاً حقيقياً في الرحلة.

٩- الأخذ بالأسباب والتعلم المستمر

الطموح وحده لا يكفي.

يجب أن يقترن بالرغبة الدائمة في التعلم والتطوير واكتساب المهارات الجديدة. العالم يتغير بسرعة، ومن يتوقف عن التعلم يبدأ بالتراجع حتى لو لم يشعر بذلك.

كل شهادة ماجستير إضافية، وكل كتاب، وكل دورة، وكل تجربة، وكل حوار مع شخص خبير قد يضيف فكرة تغير مساراً كاملاً في حياة الإنسان.

١٠- الفضول وعدم الخوف من السؤال

لاحظت أن كثيراً من الناجحين يمتلكون فضولاً كبيراً للتعلم.

لا يخجلون من طرح الأسئلة مهما بدت بسيطة أو بديهية. بل إن بعض أهم القرارات وأفضل الفرص جاءت نتيجة سؤال طرحه شخص لم يخش أن يبدو جاهلاً.

السؤال يختصر سنوات من التجربة أحياناً.

ومن يظن أنه يعرف كل شيء، يتوقف عن النمو.

١١- البحث عن البركة

النجاح ليس أرقاماً فقط.

هناك أناس يملكون الكثير من المال والإنجازات، لكنهم يفتقدون البركة والطمأنينة.

ومن أعظم أسباب البركة:

• الصدقة المستمرة.
• الإحسان للناس.
• صلة الرحم.
• تفريج الكرب عن الآخرين.
• شكر النعم.

وقد رأيت في الحياة أموراً لا تفسرها الحسابات المجردة، لكنها تفسر بالبركة التي يضعها الله في الوقت والجهد والرزق.

ثانياً: عادات النجاح

إذا كانت أسباب النجاح تمثل الأساس، فإن العادات هي البناء اليومي الذي يصنع النتائج.

١- ترتيب الأولويات باستمرار

الوقت محدود، والفرص لا تنتهي.

لذلك فإن الناجحين لا يحاولون فعل كل شيء، بل يركزون على أهم الأشياء أولاً.

السؤال اليومي المهم ليس:

ماذا سأفعل اليوم؟

بل:

ما أهم شيء يجب أن ينجز اليوم؟

٢- اتخاذ القرارات بسرعة وحزم

من العادات التي رأيتها لدى كثير من الناجحين القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

فليست كل القرارات تحتاج إلى أشهر من الدراسة والتحليل، بل إن بعض الفرص تضيع بسبب التردد أكثر مما تضيع بسبب الخطأ.

والحزم لا يعني التسرع، كما أن الدراسة لا تعني البطء. والمطلوب هو جمع المعلومات اللازمة، ثم اتخاذ القرار بثقة، وتحمل مسؤوليته، وتصحيح المسار عند الحاجة.

فالوقت جزء من القرار، وتأخير القرار نفسه قد يكون قراراً خاطئاً.

٣- تخصيص وقت ثابت للأمور الأساسية

رغم اختلاف ظروف العمل والسفر والإجازات، فإن هناك خمسة مجالات أرى ضرورة المحافظة عليها بشكل دائم:

• العمل.
• التعلم المستمر.
• الرياضة.
• العائلة.
• العلاقات الاجتماعية المفيدة.

قد تختلف النسب من مرحلة إلى أخرى، لكن يجب ألا يختفي أي منها لفترة طويلة.

وأرى أن الرياضة تحديداً تستحق ما لا يقل عن خمس ساعات أسبوعياً في الحد الأدنى، لأنها استثمار مباشر في الصحة والطاقة والقدرة على الإنجاز.


٤- القراءة والتعلم المستمر

الناجح يتعامل مع التعلم على أنه عادة دائمة لا تنتهي بالحصول على شهادة أو منصب.

فهو يقرأ، ويسأل، ويحضر اللقاءات، ويتعلم من الأخطاء، ويتابع التطورات في مجاله وفي المجالات الأخرى.

٥- التفويض وشراء الوقت

من أهم الدروس التي تعلمتها أن الوقت هو المورد الوحيد الذي لا يمكن تعويضه.

لذلك يجب على الإنسان أن يفوض أكبر عدد ممكن من المهام التي لا تتطلب تدخله المباشر.

وأحياناً يكون من أفضل الاستثمارات الاستعانة بمساعد شخصي، حتى لو كان ذلك على الحساب الشخصي، للقيام بالمهام الإدارية والتنظيمية البسيطة.

الهدف ليس الترف، بل توفير الوقت والطاقة الذهنية للقرارات والأعمال ذات القيمة الأعلى.

الناجحون لا يحاولون القيام بكل شيء بأنفسهم.

بل يركزون على ما لا يستطيع غيرهم القيام به.

٦- الانضباط أكثر من الحماس

الحماس مهم، لكنه مؤقت.

أما الانضباط فهو الذي يجعل الإنسان يعمل عندما يكون متحمساً، ويعمل أيضاً عندما لا يكون متحمساً.

والفرق بين النجاح المؤقت والنجاح المستدام غالباً هو الانضباط.

٧- المحافظة على الصحة والطاقة

النجاح يحتاج إلى طاقة.

ولهذا فإن النوم الجيد، والتغذية المناسبة، والرياضة المنتظمة ليست أموراً جانبية، بل جزء من منظومة النجاح نفسها.

كثير من الناس يدفعون صحتهم ثمناً للنجاح، ثم يقضون سنوات يحاولون استعادتها.

٨- بناء العلاقات والمحافظة عليها

العلاقات لا تبنى عند الحاجة إليها.

بل تبنى قبل ذلك بسنوات.

ومن العادات التي رأيتها لدى كثير من الناجحين حرصهم على المحافظة على علاقاتهم الإنسانية والمهنية، والتواصل مع الناس، وتقديم المساعدة قبل طلبها، والوفاء لمن وقف معهم في مراحل حياتهم المختلفة.

فالعلاقات التي تعد سبباً للنجاح تحتاج أيضاً إلى رعاية مستمرة حتى تبقى قوية ومثمرة.

خاتمة


بعد التأمل في تجارب كثير من الناجحين، أجد أن النجاح الحقيقي ليس الوصول إلى منصب، ولا تحقيق ثروة، ولا الحصول على شهرة.

النجاح الحقيقي هو أن يوفقك الله لتحقيق أثر نافع، وأن تحافظ على سمعتك وقيمك، وأن تعطي كل ذي حق حقه، وأن تنفع البلاد والعباد، وأن تجد البركة في وقتك وعملك وأهلك وصحتك.

ومن الأمور التي أرى أهميتها في إدارة الوقت وتطوير الذات تخصيص جزء من الوقت للعلاقات الاجتماعية الهادفة، والحرص على مصاحبة من هم أكثر نجاحاً وخبرة وتجربة. وقد وجدت شخصياً أن قضاء الوقت مع من سبقوك في العلم أو الخبرة أو الإنجاز يختصر كثيراً من الطريق، ويفتح آفاقاً جديدة للتفكير والنمو. وكثير من أصدقائي يكبرونني بعشرين أو ثلاثين عاماً، وتقريباً جميعهم أكثر نجاحاً مني وفق المعيار المادي، وقد تعلمت من مجالستهم ما لا يمكن أن أتعلمه من الكتب وحدها.

وفي المقابل، من المهم أن يخصص الإنسان جزءاً من وقته لخدمة من يحتاج إلى نصحه أو توجيهه أو دعمه، وأن يترك مساحة للترويح عن النفس وتجديد النشاط. فكما استفدت أنت من وقت من سبقك بالعلم والخبرة، فلا تبخل بوقتك على من يأتي بعدك، فالعطاء المعرفي والإنساني من أعظم صور الاستثمار في الناس، ومن أكثرها بركة وأثراً على المدى الطويل.

ومن المناسب هنا أن أضيف أن من أعظم أسباب التوفيق بعد فضل الله دعوات الوالدين الصادقة، فهي كنز لا يقدّر بثمن، وقد رأيت أثرها في حياة كثير من الناجحين. وكذلك تفريج الكرب عن الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والشفاعة الحسنة بينهم، فهذه الأعمال لا تزيد المجتمع تماسكاً فحسب، بل يبارك الله بها في العمر والرزق والعمل، ويجعل لصاحبها قبولاً وأثراً طيباً.

وقد أحسن الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:

الناسُ للناسِ ما دامَ الوفاءُ بهمُ
والعسرُ واليُسرُ أوقاتٌ وساعاتُ

وأكرمُ الناسِ ما بين الورى رجلٌ
تُقضى على يدهِ للناسِ حاجاتُ

فخدمة الناس، ونفعهم، والوقوف معهم في الشدائد، من أعظم أبواب البركة والتوفيق، وهي من الصفات المشتركة التي رأيتها في كثير من أصحاب الأثر والنجاح الحقيقي.

ومن الدروس التي تعلمتها أن النجاح لا يتحقق عادة بقفزات كبيرة بقدر ما يتحقق بتراكم خطوات صغيرة صحيحة تتكرر لسنوات طويلة. فالأعمال العظيمة غالباً لا تبنى في يوم واحد، وإنما تبنى بالاستمرار والصبر وطول النفس.

ومن الدروس التي أؤمن بها أن الإنسان لا ينبغي أن يقبل لنفسه ما يشعر أنه أقل من قدراته وإمكاناته التي وهبها الله له. وليس المقصود بذلك الكبر أو التعالي على الناس، بل الطموح المشروع والسعي الدائم إلى الأفضل، وعدم الرضا بالحلول السهلة أو الأهداف المحدودة عندما يكون الإنسان قادراً على تحقيق ما هو أعظم نفعاً وأثراً.

وقد لخّص المتنبي هذا المعنى بأبيات خالدة فقال:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

فطعمُ الموتِ في أمرٍ صغيرٍ
كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ

فالإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة، ومن الحكمة أن يجعل سعيه فيما يستحق، وأن يوجه طاقته إلى الأهداف التي تترك أثراً حقيقياً في حياته وفي حياة من حوله.

ومن جمع بين صدق النية، والأخذ بالأسباب، والتعلم المستمر، وحسن الخلق، والانضباط، والتوكل على الله، ودعوات الوالدين، والسعي في تفريج الكرب، والشفاعة الحسنة بين الناس، فقد أخذ بأعظم أسباب النجاح، وبإذن الله سيكون له من التوفيق والقبول والأثر ما يفوق ما كان يتخيله لنفسه.

أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يبارك في الأوقات والأعمار والأعمال، وأن يجعل نجاحنا نافعاً لنا ولوطننا ولمجتمعاتنا، وأن يرزقنا البركة قبل الكثرة، والقبول قبل الشهرة، والتوفيق في الدنيا والآخرة.

أخر المقالات

منكم وإليكم