“أعراس الحنطة: حين كان الفجر يصحو على أنفاس الأم والتنور”
سردية الذاكرة العتيقة:
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
نفتح صفحةً أخرى من سِجلّ ذاكرتنا التي ما زالت مضمّخة بعبقِ القمح لنستحضر مشهداً كان يعتبر عصبُ الحياة وروحُ البيت. عندما كانت تمتزجُ بين طقوس سلق القمح وقدسيّة رائحة الخبز
كان “يوم سلق القمح” في ديارنا يُشبه العيد بل هو العيدُ الحقيقي الذي تبتسم له الأرض. أتذكّر تلك القدور النحاسيّة الضخمة وهي تتربع فوق النيران التي أُوقدت بحطب الزيتون والبطم. كانت أمي رحمها الله وطيب ثراها هي “الكاهنة” في ذلك المحراب تقف وسط الدخان بوشاحها الأبيض تباركُ حبّات القمح الذهبية وهي ترقص في الماء المغلي.
كان للقمح المسلوق (السليقة) في ذلك اليوم طعمٌ يسبقُ الجوع.. كنا ننتظر نصيبنا في أطباقٍ صغيرة مرشوشةٍ بالقليل من السكر أو اليانسون وكأننا نتناولُ قطعةً من جسد الصيف.
ثم يأتي مشهدُ “البساط الأخضر” على الأسطح حيث يُفرش القمح تحت عين الشمس ليجفّ وتفوح منه رائحةٌ لا يشبهها شيء رائحةُ الأرض حين تبوح بأسرارها.
أما رائحة الخبز في الصباح الباكر فهي حكايةٌ أخرى من تراتيل الوفاء.
قبل أن يستيقظ العصفور كانت الأم قد عجنت أحلامنا بماء “الخمرة” العتيقة. مع أول خيطٍ للفجر يرتفع الدخان الأزرق من التنور أو الصاج ليعلن للعالم أن الحياة قد بدأت.
تلك الرائحة.. رائحة الخبز الساخن الذي نضج بنار الصبر كانت تخترق مسامات بيوتنا الطينية لتمنحنا الأمان. لم يكن مجرد رغيف بل كان “تميمةً” ضد الخوف و”بوصلةً” تدلنا دائماً إلى طريق الشبع والرضا.
كانت يداها اللتان تلفحان بلهب النار تنقلان الرغيف من الصاج إلى طبق القش بحنوٍّ فائق وكأنها تضعُ تاجاً فوق رأس الصباح. في ذلك الوقت كان الرغيف المغموس بزيت الزيتون والزعتر يغني عن كل موائد الدنيا لأن فيه بركة اليد وصدق النية.
رحم الله تلك الأيام.. حيث كان القمحُ ديناً والخبزُ عهداً وحيث ظلّ طيفُ الأم يخبزُ لنا في تنور الذاكرة أرغفةً من حنين لا تنتهي. تذكّرنا دائماً أننا أبناء تلك الأرض الطيبة وأوفياءُ لتلك “البساطة المقدسة”.
نعم ما أجمل أن نترك الباب “موارباً” فلا نغلقه تماماً بوجه الحنين ولا نفتحه على وسعه فتتبعثر التفاصيل في مهب النسيان.
إنَّ ترك الباب موارباً يعني أننا سنبقى نسمع “وشوشة” جدران البيوت العتيقة ونشمُّ رائحة المطر الأول حين يعانق التراب ونبصرُ طيف الأمهات وهنَّ ينسجنَ الدفء من خيوط الصبر.
الذكريات هي المؤونة الحقيقية للروح نعود إليها كلما أرهقنا صخب الحاضر لنستمد منها النقاء والبساطة.
هي تلك الأيقونة التي لا يبهت لونها والنشيد الذي يتردد صداه في أروقة القلب كلما هبّت نسمة عابرة من ذاك الزمن الجميل.
سيبقى هذا الباب مشرعاً للجمال وسأنتظر بشوقٍ اللحظة التي نقرر فيها أن نعبر معاً من جديد نحو تلك العوالم الدافئة.
دمتَم نبضاً يفيضُ رُقياً وجمالاً.


