كتب الناقد: د. عصام عسيري..عن الفنانة التشكيلية السعودي : غادة الربيع.. جماليات الذاكرة من فائض الاستهلاك.

غادة الربيع.. جماليات الذاكرة من فائض الاستهلاك

د. عصام عسيري

ليست الخامة في الفنون البصرية مادةً محايدة تنتظر يد الفنان كي تمنحها الشكل، وإنما قد تكون مفتاحًا لقراءة التجربة كلها؛ إذ تحمل في داخلها ذاكرةً اجتماعية وثقافية، وتستدعي علاقتنا بالأشياء وبالزمن وبأنفسنا. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة الفنانة السعودية غادة حمزة الربيع ، التي استطاعت أن تجعل من خامة يومية شديدة العادية أغلفة الحلوى والشوكولاتة مفردةً تشكيلية ذات حضور خاص تحاكي بها روائع الفن العالمي واللوحات الخالدة لرموز الفن في العصور المختلفة.

وُلدت الربيع في المدينة المنورة عام 1979، ودرست الاقتصاد المنزلي والتربية الفنية، وبدأ حضورها التشكيلي منذ عام 2004، قبل أن تتبلور تجربتها الخاصة في التعامل مع أغلفة الحلوى، التي أطلقت عليها لاحقًا كوغا – CWGA. وقد شكل هذا التحول محطة أساسية في مسيرتها، خصوصًا مع حضورها في المشهد التشكيلي السعودي المعاصر ومشاركتها في معارض مهمة.

غير أن اختزال تجربتها في عبارة الفن بأغلفة الشوكلاته والحلوى يبقى قراءة سطحية؛ لأن المسألة في جوهرها ليست البحث عن خامة غريبة، وإنما إعادة اكتشاف القيمة الجمالية الكامنة في الأشياء التي فقدت قيمتها الوظيفية.

الغلاف الذي صُمم ليكون جذابًا للحظة، ثم ينتهي مصيره إلى سلة المهملات، تستعيده الربيع من نهايته الاستهلاكية لتمنحه عمرًا بصريًا جديدًا. وهنا تبرز مفارقة جمالية لافتة: المادة التي صنعتها ثقافة الاستهلاك لتُستخدم ثم تُلقى، تتحول إلى أثر فني يطلب من المتلقي أن يتأمل ويحتفظ ويتذكر.

بهذا المعنى تقترب تجربتها من بعض تحولات الفن المعاصر التي أعادت النظر في مفهوم المادة الفنية، فلم تعد قيمة العمل مرتبطة بنبل الخامة التقليدية، كالزيت والرخام والبرونز، وإنما بقدرة الفنان على إعادة صياغة علاقتنا بالشيء. غير أن خصوصية الربيع تكمن في أن المادة المستعملة لا تأتي محملةً بوظيفة اجتماعية فحسب، بل بذاكرة شخصية وجماعية؛ فغلاف الشوكلاته والحلوى يستدعي الطفولة، والاحتفال، والأسرة، والمناسبات، وتفاصيل الحياة اليومية.

وهنا يتحول الكولّاج من تقنية تجميع وتوليف ووقص ولصق وتركيب إلى فعل استحضار للذاكرة. فالأغلفة المتجاورة لا تعمل بوصفها أجزاءً لونية وملمسية فقط، بل كأنها شظايا زمنية تتجمع فوق سطح واحد. كل قطعة تحمل لونًا أو شعارًا أو ملمسًا أو ذكرى، وحين تتجاور القطع تتشكل ذاكرة جديدة لا تخص الفنانة وحدها، وإنما تترك للمتلقي مساحة لاستدعاء ذاكرته الخاصة.

ومن أجمل ما في هذه التجربة أن الربيع لا تواجه الاستهلاك بخطاب مباشر، بل تستثمر مفرداته بصريًا. إنها تأخذ من عالم الإعلانات بريقه، ومن المنتجات ألوانها، ومن التغليف زخارفه، ثم تعيد ترتيبها داخل سياق فني مختلف. إنها لا تهدم لغة الاستهلاك، بل تعيد تركيبها لتصبح لغةً للذاكرة.

وتزداد التجربة أهمية حين نعرف أن الربيع مارست قبل ذلك تقنيات وخامات متعددة، من الزيت والأكريليك والمائي إلى الفسيفساء والرسم على الحرير والحرق على الخشب والتطريز؛ الأمر الذي يجعل انتقالها إلى أغلفة الحلوى بحثًا واعيًا في إمكانات السطح واللون والملمس، لا مجرد مصادفة تقنية.

وهنا يمكن طرح السؤال النقدي الأهم: هل غرابة الخامة هي التي تمنح العمل فرادته؟ بالتأكيد لا. فالخامة مهما كانت مبتكرة لا تستطيع وحدها صناعة قيمة فنية. القيمة تبدأ عندما تتحول المادة إلى لغة، وعندما يصبح التنظيم والتكوين والإيقاع واللون والموضوع قادرًا على تجاوز الدهشة الأولى إلى تجربة بصرية قابلة للتأمل.

ومن هذه الزاوية تبدو كوغا محاولةً لتأسيس مفردة شخصية في المشهد التشكيلي السعودي تجاري به الفن العالمي؛ مفردة تتقاطع فيها المادة والذاكرة والاستهلاك والطفولة واللون. وهي مفردة تمنح المتلقي مدخلًا حسيًا سريعًا، ثم تدعوه إلى اكتشاف ما وراء السطح.

إن غادة الربيع لا تنقذ أغلفة الحلوى من النسيان فحسب، وإنما تنقذ معها لحظات صغيرة من حياتنا اليومية. إنها تجمع ما يتناثر من الذاكرة، كما تجمع قطع الخامة على سطح اللوحة.

وهنا تكمن القيمة الشعرية لتجربتها: أن يتحول الشيء العابر إلى أثر، والمستهلك إلى باقٍ، والمهمل إلى جميل، والغلاف إلى ذاكرة.

وربما يكون هذا هو أحد وجوه الفن المعاصر الأكثر إنسانية؛ أن يجعلنا نتوقف أمام الأشياء التي اعتدنا المرور بجانبها دون أن نراها، ثم يقول لنا إن الجمال لم يكن غائبًا عنها، وإنما كانت أعيننا هي التي لم تكن قد اكتشفتها بعد.

أخر المقالات

منكم وإليكم