كتب الناقد العراقي: خليل الطيار..الصورة حين تخون واقعها لتُنقذه، قراءة نقدية في المعالجة بوصفها فعلًا مرئيًا واعيًا“

الصورة  حين تخون واقعها لتُنقذه، قراءة نقدية في المعالجة بوصفها فعلًا مرئيًا واعيًا
خليل الطيار*
 
استهلال:
ما التبرير الجمالي الذي يدفع المصوّر “المرئي” إلى إعادة ترتيب مادية الواقعة البصرية؟ ولماذا يضطر إلى هذا الفعل ابتداءً؟
سؤالٌ يتردّد على ألسنة المتلقّين، سواء المتخصص المبصر منهم أم المشاهد الرائي، كلما واجهوا صورةً تنطوي على مخالفةٍ صريحة لقواعد تشكّل شيئية الواقع، أو تتجاوز حدوده عبر مغالاةٍ فنية تهدف إلى إعادة نحت الواقعة وتأسيسها من جديد. ويتمثّل ذلك إمّا بتغيير مؤثرات مناخها البصري، أو بالتلاعب بزوايا الالتقاط ونِسَبها، توسيعًا أو تحجيمًا، أو عبر إقحام عناصر جديدة في فضائها العام من خلال المعالجة الرقمية.
وينصرف هذا التساؤل في علّته إلى جملة أسباب:
أهو عجز مادية الواقع عن منح نفسها مطاوعةً لرؤية الفعل المرئي المراد تحقيقه؟
أم أن المصوّر “المرئي” يتخذ من شيئية الواقع مجرّد ناصية تأسيس يبني فوقها مرئيته الحُلُمية؟
أم أن اللجوء إلى المعالجة بات ضرورةً فنية لتجاوز ضعف الصورة الفاقدة لمقوماتها الجمالية الأولى؟
يعتقد كثيرون أن تلاعب المصوّر “المرئي” – لا “اللقّاط” – بمناخ صورته يُعدّ تشويهًا وتجاوزًا على سحنتها الأصلية. وقد ظلّ هذا التصور، ولا يزال، رأيًا شائعًا لدى أغلب روّاد إنتاج الصورة بطرائقها الطبيعية. ولفترة طويلة، وقف المعيار النقدي في منتصف الطريق، يراقب إشكالية هذا السؤال الجمالي دون حسم، غير قادر على الإقرار به أو الاعتراض عليه، في زمنٍ لم تكن فيه تقنيات إنتاج الصورة قد بلغت ذروة تطورها، وبقيت أسيرة قواعدها الكلاسيكية.
غير أنّ تطور مديات إنتاج الصورة في عصر الرقمنة، واتساع الأثر البرمجي في تعضيد مقومات تشكّلها، منح المصوّر “المرئي” حقًّا مشروعًا في تطوير أدواته وتحديثها، بما يواكب التحولات التقنية، ويُحسن توظيف البرمجيات لإنتاج «مرئيات» حيّة، قادرة على تعزيز “سردياتها” شكلاً ومضمونًا، وتحريرها من جفاف الواقع وخموله وعجزه عن الإفصاح.
وهنا تبدأ مهمة المصور “المرئي” بوصفه فاعلًا خلاقًا، لا ناقلًا محايدًا، في ممارسة مسؤوليته الجمالية لإعادة الخلق والابتكار.
وقد بدأنا نلمس تحقق هذه الرؤية في كثير من أعمال مصوّرينا “المرئيين”، التي تميّزت بإعادة ترتيب مادية واقعيتها العفوية، وخلق واقع مرئي جديد أكثر تأثيرًا في إنجاز الأفعال البَصًرية المراد إيصال رسائلها، وأكثر قدرة على تنمية ذائقة المتلقي، ليقرأ دلالاتها ولا يكتفي بمشاهدتها.
ولتدليل هذا الأثر الجمالي البصري، سنقف عند ثلاثة أعمال انتصرت فيها معادلة المعالجة البَصًرية على مادية الواقعة، وغيّرت خطابها الخامل، وسيرتها البسيطة، باتجاه جمالي مؤثر.
التحليق عبر بوابة الماء
اشتغال للمصوّر طارق العساف
يقدّم لنا المصوّر “طارق العساف” مرئيةً مبهرة، تأسّس خطابها من واقعة بسيطة: صبيّ يمتطي دراجة هوائية، يقودها باتجاه نهاية مرفأ خشبي.
ولو بقيت هذه الواقعة ضمن حدود تشكّلها الطبيعي، لبدت مشهدًا تقليديًا لا يحمل أثرًا يُذكر، وهو ما لم يتوافق مع هدف “العساف”، الذي التقًط هذا الإنشاء ليُدخله مشغله البَصًري، ويعيد صياغته باشتغال محفّز، أنتج سردية قابلة للتأمل.
فبعض مساراتنا الخاطئة، غير المدروسة أو غير المنسجمة مع زمانها ومكانها، قد تنتهي بنا إلى نهايات مغلقة، تقودنا إلى التيه في لجج البحار بلا طوق نجاة لمستقبل معلوم. وقد نقف عند حوافّ المصائر الأخيرة، بانتظار مآلٍ مجهول.
ولكي يُجرّد “العساف” مشهده من واقعيته البسيطة، بالغ في صناعة مناخ غروبي لمشهده، مضفيًا عليه سمةً تأملية واضحة. ترك لمحمولات الغيوم أن تتكتل، إيذانًا بانهمار غيثٍ مرتقب، رافعًا بذلك منسوب التفاؤل، ثم عزّز هذا المناخ الافتراضي بإحضار جوق الحمام، ليُسهم في تعضيد دلالات الخير والسلام القادم.
وهكذا نجح في تحويل بساطة المشهد إلى “مرئية” حالمة، تأسّست سرديتها عبر التلاعب بمناخها وزيادة شحنتها الساحرة.
لطالما وجدنا في “غروبيات العساف” قدرًا من التداخل المقصود في إعادة صناعة مناخاتها، بحيث تبتعد عن واقعيتها الأولى، سعيًا لتأسيس فضاءات بَصًرية جديدة، تُنتج سرديات مفتوحة لا تنغلق على محتوى ضعيف، بل تستدرج المتلقي لإطالة أمد القراءة والمتعة معًا.
إدراك شفق الماء
اشتغال ثاني لحكمت العياشي
شكّلت أعمال “السلويت” لدى المصوّر “حكمت العياشي” مدخلًا مغريًا لإنتاج مرئيات مؤثرة، تترك أثرها الحسّي العميق في المتلقي. وفي مرئية جديدة له، يضعنا أمام معادلة إحياء واقع ميت، من خلال إعادة ترتيب مقادير تكوينه، ابتداءً من زاوية الالتقاط.
يبدو “العياشي” منذ الوهلة الأولى غير معني بتسجيل هذا الأثر “الغروبي” بواقعيته الطبيعية، بل وجدناه يتجه إلى إعادة تأسيسه بمعالجة بصرية مبهرة، ابتدأها بالوقوف عند زاوية التقًاط ْذكية، هيمنت على بطولتها، لتُنتج ثلاثة مستويات بنائية داخل المتن.
تسيّد المستوى الأعلى مساحة لونية “غروبية” كثيفة، ترك لسحرها أن يهيمن على الفراغ، مولّدًا ثِقَلًا جماليًا واضحًا. ومن خلال اختيار الوقوف بزاوية التقاط مدروسة بعناية، رسم خط أفق شطر المرئية إلى نصفين مؤثرين، أفضيا إلى خلق ثلاثة مستويات ممتدة بلا نهاية، ساهمت في تجريد الواقعة من فعلها الزماني والمكاني، لتستقر في “زمكانيتها” الساحرة.
وفي هذا الفضاء، ترك “العياشي” أثرًا إنسانيًا بالغ الرهافة، تمثّل في ظهور مراكب الصيادين، وهم ينشغلون بهدوء في اقتناص أرزاقهم، تحت سحر سماءٍ متحوّلة، تُنطق الصمت وتمنح الواقعة حياةً مرئية جديدة.
حوار الميت والحي
الاشتغال الثالث للمصور فاضل المياحي
يحاول المصور ” فاضل المياحي” في غروبياته المتعددة، والتي تحتاج حفرا نقديا خاصا بها: ان يدلل بَصًريا على الفرق الجمالي بين صمت “الواقع” وتكلم “المرئي” فعمله المبهر لا تبدأ قراءته من الشمس ولا من القارب ولا من الغروب، بل تبدأ من قرارٍ واعٍ بتعليق الواقعة خارج زمنها الطبيعي.
فنحن أمام واقع صامت لقارب شًدَ وثاقه ليستريح على جرف النهر. لكن “المياحي” لم تغنه هذه الواقعة الميتة وراح يعيد ترتيبه مرئيا ليبدوا متكلما، بحيث لم يعد معنيًا بتوثيق لحظة، بل بإنشاء موقف.
فهو لا يُقدَّم لنا القارب هنا كوسيلة نقل أو كعنصر سردي مباشر، بل كـ جسم مُعطَّل الوظيفة. هو حاضر بوصفه كتلة صامتة، متوقفة عند حافة الماء، كأنها وصلت متأخرة عن دورها، أو كأنها ترفض الإبحار أصلًا. بهذا التعطيل، يُنزَع عنه بعده النفعي، ليُعاد إدخاله في حقل التأمل. إنه قارب بلا حدث.
“المياحي” حتى يُنطق الصامت اختار زاوية التقًاطْ “سلويت” استثنائية، ليؤكد من خلالها على الثقل اللوني “المعتم” مانحا مركبه المعطل كثافته الدلالية.
القرار الابرز في الصورة لا يكمن في اختيار الغروب، بل في الهيمنة اللونية البنفسجية التي لا تنتمي للواقع بقدر ما تنتمي للذاكرة. هذا اللون لا يوثّق الضوء، بل يؤنسنه، ويحوّله من ظاهرة فيزيائية إلى مناخ نفسي. فبتنا لا نرى غروبًا، بل نرى فكرة الغروب: نهاية مؤجلة، هدوء يسبق سؤالًا، أو زمنًا يُغلق دون إعلان.
أما القصب في الطرف المقابل لم يشأ “المياحي” ابرازه كعنصر توازن بصري فحسب، بل كـ ضمير حيّ للصورة. هو الكائن الوحيد الذي ما زال يتحرك، يهتز، يقاوم السكون العام.
وبين قاربٍ متخشّب وقصبٍ نابض، تنشأ معادلة صامتة أراد “المياحي” ان يبلغنا عن قيمتها: ما الذي يبقى حيًا حين يتوقف الفعل؟ وان الخط الأفقي للماء ليس حدًّا بين السماء والنهر، بل خط تعليق زمني. كل ما تحته يبدو مثقلاً بالانتظار، وكل ما فوقه محمّل بالوعد، لكن دون حسم.
هذه “المرئية” لا تحاول إنقاذ الواقع، بل تكشف عجزه عن التعبير عن نفسه دون تدخل. والمعالجة هنا ليست ترفًا ولا تزويقًا، بل فعل إنقاذ جمالي: إنقاذها من بساطة تكرار واقع ميت، وإدخاله في حقل السؤال الحي. فنحن لا نقف أمام صورة “غروب جميلة”، بل أمام صورة تفكّر في جدوى الحركة، وفي معنى التوقف، وفي لحظة التعليق بين الذهاب والبقاء.

خلاصة نقدية:
هذه “المرئيات” وغيرها مما ما وجدناه في “غروبيات” المصورين “الثلاثة، هي أمثلة واضحة على أن المعالجة ليست خيانة للواقع، بل مساءلة له. وأن التدخل “المرئي”، حين يُفكَّر به المصور اثناء الالتقًاط سينتج للمتلقي اثرا بَصًريا يعيد فيه قراءة الحياة لواقع ميت.

*********
المصادر:
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع تقنية
– موقع صحيفة النهار
– اليوم السابع
– موقع العربية.نت
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– مواقع الجزيرة .نت
– موقع عكاظ
– موقع المصرى اليوم
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
***********

أخر المقالات

منكم وإليكم