كتب الناقد السعودي: د. عصام عسيري.عين بحدة الصقر و عقل يفكّر بالتيرابايت: أدوات الناقد

عين بحدة الصقر و عقل يفكّر بالتيرابايت: أدوات الناقد

د. عصام عسيري

لم يعد النقد الفني المعاصر في مجالات الفنون التشكيلية والبصرية عمومًا مجرد انطباعات ذاتية عابرة، أو عبارات إطراء أو استهجان تُلقى على عواهنها أمام اللوحات والمنحوتات والأفلام؛ بل تحول إلى عملية بحثية استقرائية منظمة تتطلب تسليحاً منهجياً دقيقاً؛ فالناقد البصري اليوم يقف على ثغر دقيق يربط بين شِفرات الفنان الإبداعية ووعي الجمهور المتلقي، وهو ما يحتم عليه امتلاك أدوات تتجاوز الرؤية البصرية البسيطة إلى الاستبصار العميق والتفكيك العلمي.

إذا أردنا تشبيه الناقد المعاصر مجازياً، فهو كائن مزود بقرون استشعار دقيقة، يجمع بين البصر والبصيرة والتعبير العلمي الإبداعي؛ يحتاج إلى عين ثاقبة مفتوحة كعين البومة وبحدة الصقر لالتقاط التفاصيل في عتمة الغموض الفني، وأذن بكبر أذن الفيل وبحدة سماع الذئب للإصغاء إلى ما وراء العمل، وقلب صادق النية ينبض بالإحساس الجمالي، وعقل موسوعي يحلل ويؤلف البيانات بالتيرابايت ومضاعفاته.

  1. أدوات التقصي والبحث الميداني (بناء القاعدة المعلوماتية)
    قبل أن يصدر الناقد حكمه الجمالي، يتحول إلى باحث استقصائي يوظف أدوات البحث العلمي الرصينة لجمع البيانات وتحليلها ومناقشتها جدلياً، وتتوزع هذه الأدوات على عدة مستويات:
    البحث المكتبي والوثائقي (الأرشيف المطبوع والرقمي): لا يبدأ النقد من فراغ، بل من تتبع تاريخ العمل والفنان. يتولى الناقد جمع البيانات والمعلومات المنشورة، وتقييمها، وتصنيفها، ومقارنتها.

مثال تطبيقي: عند نقد أعمال رائد السريالية سلفادور دالي أو أعمال فنان معاصر في الفن الرقمي، يعود الناقد إلى المخططات الأولية (Sketches)، والمراسلات الشخصية، والبيانات الفنية (Manifestos) لفهم الدوافع الفلسفية قبل مواجهة اللوحة النهائية.

المقابلة الشخصية والاستبيانات: تصميم استبيانات وإجراء مقابلات معدة مسبقاً بأسئلة دقيقة تشمل الفنانين والمصممين، المخرجين والممثلين، الصالات والمتاحف، وحتى متذوقي الفن من الجمهور العام، للوقوف على السياق الاجتماعي والنفسي لإنتاج العمل.

الملاحظة والاختبارات المقننة: يحتفظ الناقد المحترف بسجل ملاحظة دقيق يرصد فيه ثالوث العملية الإبداعية: (القطعة الفنية، أداء الفنان، وتفاعل الجمهور العام)، متسلحاً باختبارات قياس التذوق الجمالي والاستجابة البصرية وأصالة الأعمال.

  1. المنهجية النقدية التطبيقية (رباعية فيلدمان وتفكيك العلامات)
    تستند الممارسات النقدية الرصينة إلى أطر منهجية حديثة تنقل الحديث عن الفن من العشوائية إلى الموضوعية. ومن أبرز هذه المرجعيات المنهج الاستقرائي للفيلسوف والناقد الأمريكي إدموند بيرك فيلدمان (Edmund Burke Feldman)، الذي يرى أن النقد الفني المنظم يجب أن يمر بأربع محطات إلزامية وهي:
  2. الوصف (Art Description): إجراء جرد محايد ومباشر لكل ما تراه العين في اللوحة (الخطوط، الألوان، المساحات، والكتل) دون إصدار أي حكم مسبق.
  3. التحليل (Artistic Analysis): تفكيك وشرح العلاقات البصرية بين العناصر الموصوفة؛ كيف تتفاعل الخطوط، الألوان، الضوء مع الظل؟ وكيف يوجه الخط مسار العين داخل الفراغ لإنشاء الإيقاع والحركة؟
  4. التفسير (Interpretation): البحث عن المعنى الشامل والدلالات الرمزية الكامنة (الظاهرية والضمنية). وهنا تبرز براعة الناقد في استخدام المنهج السيميائي لقراءة اللوحة كنص بصري مشحون بالعلامات الثقافية والاجتماعية. 4.الحكم (Judgment): إصدار أو التقييم النهائي للعمل بناءً على معايير موضوعية (تعبيرية، بنائية، أو وظيفية)، وتحديد مكانته مقارنة بالأعمال المشابهة في نفس الطراز أو الاتجاه.

يقول فيلدمان في تنظيراته: إن أبسط مقومات الكلام عن الفن يمثل نقداً في حد ذاته، ولكن النقد المنهجي هو نشاط لا يكتمل إلا بوجود دليل بصري ملموس يُستخرج من جسد العمل الفني ذاته ليُعرض على وعي الجمهور.

  1. الذكاء البصري والخبرة الموسوعية
    لا تقتصر أدوات الناقد على الاستمارات والخطوات الإجرائية، بل تعتمد جوهرياً على العدة المعرفية والوجدانية التي يكتسبها عبر الممارسة الطويلة.

تفعيل الذكاءات المتعددة:
يتطلب النقد تنشيط مهارات التفكير العليا والذكاء النقدي بكافة أبعاده: (البصري، الإبداعي، التصميمي، الجمالي، الوجداني، اللفظي، والعلمي). الناقد الفذ هو من يستطيع ترجمة الإحساس البصري الصامت إلى لغة لفظية علمية ومقنعة.

الإلمام بفلسفة الفن وخاماته:
يستلزم أن يمتلك الناقد حساً ذوقياً عالياً، وممارسة تخصصية تمنحه المعرفة التامة بتاريخ الفن، ونظرياته، ورواد طرائقه، إلى جانب الفهم العميق لطبيعة الخامات والتقنيات؛ فالنقد القائم على الجهل بالتقنية يسقط في فخ السطحية.

علم الكلام وسيكولوجيا الإقناع:
بما أن النقد في جوهره هو حوار وجدال فكري، يحتاج الناقد إلى الإلمام بأساليب الحوار، وأصول الإقناع العلمية والنفسية، والعوامل المؤثرة على أداء الفنان، مما يمكنه من اكتشاف المواهب وتنميتها، وتقديم نقد بنّاء يقترح الحلول والبدائل ويصحح المسار ويزيد الوعي ويرفع القيمة ولا يكتفي بالهدم.

خلاصة القول، إن أدوات الناقد البحثية في الفنون البصرية هي منظومة متكاملة تتضافر فيها صرامة البحث العلمي (من اطلاع وقراءة، مقابلات واستبيانات، وملاحظة، وتحليل شكلي) مع رحابة التذوق الإبداعي (من حدة بصيرة، وذكاء وجداني، وتأويل فلسفي). وعندما يتقن الناقد استخدام هذه الأدوات مجتمعة، فإنه لا يمنح العمل الفني شهادة ميلاد حقيقية في وجدان المجتمع فحسب، بل يرتقي بالذائقة العامة، محولاً صالات العرض والمتاحف ودور السينما وشاشات الدراما من مساحات للصمت المبهم إلى ميادين للحوار البصري الخلاق.

جزئية من كتاب (العين الثاقبة في تذوق ونقد الفنون البصرية)

أخر المقالات

منكم وإليكم