كتب الفنان الاردني: يحيى مساد..أخلاقيات التصوير.. بوصلة للضمير البصري الواعي.عن فكر المؤسسات (المصور العربي الفرد ليس له صوت، وأن قضيته لا تستحق النقاش).

أخلاقيات التصوير
بوصلة للضمير البصري الواعي

(المصور العربي الفرد ليس له صوت، وأن قضيته لا تستحق النقاش) هذه فكر المؤسسات والعقلية التي تديرها ما لم تُغلف اية خطوة بأوراق رسمية ودعوات وأختام ولجان .. لقد طرحت بذرة هذه الفكرة قبل عشر سنوات للمطالبة بالتفكير لمثل هذه المبادرة ولم تتحرك اي جهة او مؤسسة مسؤولة لهذا الجانب .. فكان لا بد من الرد

فاليوم، نرد على ذلك التجاهل بهذه المسودة.
نرد بأن الكاميرا سلطة.
ونرد بأن الضمير سلطة أعظم.
ونرد بأن الفرد، عندما يفكر ويُبدع ويُريد الخير لزملائه، هو المؤسسة الأقوى.


إيضاح:
هذا الميثاق يعبر عن رؤيتي الشخصية كمصور، ولا يمثل أي جهة رسمية أو كيان أو مؤسسة.

وضعته لأن الواجب الأخلاقي لا يحتاج إلى تفويض، والضمير البصري لا ينتظر أختاماً.


في عالم التصوير الفوتوغرافي العربي، وعلى الرغم من اتساع الممارسة وتنوع المدارس وتزايد المنصات، لا تزال هناك فجوة واضحة:
غياب مرجعية أخلاقية عامة وشاملة للمصورين، تُخاطب المصور بوصفه إنسانًا قبل أن يكون محترفًا، وشاهدًا قبل أن يكون منتج محتوى.

ما هو متاح اليوم، في أحسن الأحوال، هو أدلة أخلاقية مجزأة، تصدر عن مؤسسات أو جهات مختلفة، كلٌ منها يصوغ معاييره بما يخدم اختصاصه أو مصالحه أو زاوية نظره.. دليل للتصوير الصحفي، وآخر للإعلام، وثالث للتسويق أو الإعلان… :وربما ان وجد مثل هذا الميثاق فسنجد انه تم مع التأسيس كاجراء روتيني لا يحقق اي هدف حقيقي ولم يتم عليه اي ترقية او تطوير.

لكن المصور، في واقعه الحقيقي، لا يعيش داخل خانة واحدة، ولا يمارس رؤيته مجزأة ولا يعيش في الماضي داخل اغلفة الدوسيهات.


هذا الميثاق ليس قانونًا، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يزعم أنه بديل عن أطر مؤسسية واجبة الوجود.
لكنه محاولة واعية لسد فراغ طال أمده، وفتح نقاش كان ينبغي أن يكون حاضرًا منذ زمن ضمن أولويات الجهات الرسمية والمهنية ذات العلاقة.

فأخلاقيات المهنة ليست ترفًا تنظيريًا، ولا ملحقًا يُضاف بعد إتقان التقنية،
بل هي الأساس الذي يُبنى عليه أي وعي بصري سليم، وأي ممارسة فوتوغرافية ناضجة.

هذا الدليل هو مسودة شاملة، مفتوحة للتطوير، وضعت لتكون:

  • بوصلة وجدانية للمصور الفرد،
  • وأرضية حوار للمجتمع الفوتوغرافي،
  • وطوبة أولى في تهيئة جيل فوتوغرافي واعٍ،
    يُدرك أن الصورة موقف، وأن الضغط على زر الغالق فعل أخلاقي قبل أن يكون فعلاً تقنيًا.
    نضع هذه المسودة اليوم بين ايديكم لا بوصفها نهاية الطريق، بل باعتبارها بداية ضرورية تأخرت كثيرًا.

ميثاق أخلاقيات التصوير
الإصدار الأول – مسودة حية للمناقشة والتطوير
التمهيد (المقدمة):
هذا الدليل وثيقة أخلاقية طوعية، وُضعت لتكون بوصلة توجه ممارسة المصور نحو الصدق والكرامة والمسؤولية. إنه عهد بين المصور وذاته، وبين الصورة والمجتمع. لا يهدف إلى أن يكون قانوناً صارماً، بل مرجعاً يُلهم الضمير ويُعين على اتخاذ القرار الواعي في زمنٍ تطغى فيه الكثافة البصرية على العمق الإنساني.


الفصل الأول: أخلاقيات الرؤية والنية

  1. الصورة مسؤولية قبل أن تكون إنجازاً
    الصورة شهادة بصرية تحمل أثراً نفسياً واجتماعياً وثقافياً. لا يجوز اختزالها في مجرد لقطة تُلتقط لأنها ممكنة تقنياً، بل يجب أن يكون لالتقاطها مبررٌ قيمي أو معنى مضافة.
  2. الصدق البصري والنزاهة
    يجب الحفاظ على حقيقة المشهد المصوَّر.. لا يجوز التلاعب بالصورة بشكل يغير وقائع الحدث أو يُضلل المُشاهد (كحذف عناصر جوهرية، أو إضافة عناصر لم تكن موجودة). المعالجة الرقمية مقبولة كأداة تعبير فني، شريطة الإفصاح إن كانت تغير المعنى الأصلي.
  3. الوعي قبل الضغط على الزر
    على المصور أن يسأل نفسه قبل التقاط الصورة:
  • لماذا ألتقطها؟
  • لمن ستُعرض؟
  • ما الأثر المحتمل لها على الأشخاص المصوَّرين والمجتمع؟
  1. الشفافية والسياق
    الصورة خارج سياقها كذبة. يجب الحفاظ على السياق الحقيقي للصورة عند العرض أو النشر، وعدم استخدام العناوين أو التفسيرات التي تحرف معناها.

الفصل الثاني: أخلاقيات التعامل مع الإنسان

  1. كرامة الإنسان خط أحمر لا يُمس
    الإنسان ليس مادة استهلاكية أو عنصراً جمالياً مجرداً. يحظر استخدام الصور التي تُهين الكرامة الإنسانية أو تستغل المعاناة لأغراض إثارة رخيصة.
  2. الموافقة المستنيرة والخصوصية
    يجب السعي للحصول على موافقة صريحة (شفوية أو كتابية) من الأشخاص قيد التصوير قدر الإمكان، خاصة في الأماكن الخاصة أو المواقف الحساسة مثل الأماكن العسكرية والأمنية وغير المصرح بها، ويُضاعف الحذر عند تصوير الأطفال، المرضى، كبار السن، وضحايا الأزمات، وحتى الاموات.
  3. المرأة أمام العدسة: الرفض الواعي للتشييء
    يُرفض اختزال المرأة إلى مجرد جسد أو عنصر إغراء. يجب تقديم الإنسان (رجلاً كان أو امرأة ) ككيان كامل: له قصة، حضور، وإنسانية.
  4. المسؤولية الاجتماعية والثقافية
    الجهل بالسياق الثقافي أو الاجتماعي للموضوع يُعد إخلالاً أخلاقياً. على المصور أن يتحرى الحساسيات الدينية والاجتماعية للمجتمعات التي يصور فيها.

الفصل الثالث: أخلاقيات الذات والبيئة

  1. الذات المهنية: التواضع والحرية الواعية
    التواضع المعرفي واجب. التعلم رحلة مستمرة، ولا يمتلك أحد الحقيقة البصرية المطلقة. الحرية الإبداعية مسؤولية.
  2. التعليم مسؤولية لا تجارة
    يجب الفصل بين الترويج الشخصي وبين نقل المعرفة الصادقة. لا يجوز بيع الوهم تحت شعار التعليم أو استغلال طلاب التصوير.
  3. العلاقة مع الطبيعة والبيئة: لا صورة على حساب الدمار
    يُحظر الإضرار بالطبيعة أو التراث أو الممتلكات العامة من أجل الحصول على لقطة. يجب تقليل البصمة البيئية خلال الرحلات التصويرية.
  4. الصحة النفسية للمصور: التوازن بين الشغف والاستنزاف
    المصور إنسان قبل أن يكون فناناً. العناية بالصحة النفسية للمصور والتوازن بين العمل والحياة جزء من أخلاقيات المهنة.

الفصل الرابع: أخلاقيات الممارسة المهنية

  1. النزاهة المهنية والمساءلة
    الشهرة لا تُبرر الانتهاك، والمصور ليس فوق المساءلة. يجب رفض أي ضغط أو إغراء للتأثير على المحتوى (خاصة في المجال الصحفي).
  2. احترام حقوق الملكية الفكرية
    يجب احترام حقوق المصورين الآخرين والإشارة إليهم عند الاقتباس (انتحال الصور او يلحق بها من مواضيع) جريمة أخلاقية ومهنية.
  3. العلاقة مع الزملاء: منافسة شريفة وتعاون نزيه.

المبدأ الأساسي

  1. المنافسة في عالم التصوير ليست محرّمة، بل هي محرّك للإبداع والتطوير، شريطة أن تظل في إطار الاحترام والتعاون الذي يخدم المهنة ككل، لا مصلحة الفرد على حساب القيم.
  2. يجب احترام تجارب زملاء المهنة وتجنب الانتقاص العلني من أعمالهم أو أساليبهم.
  3. قدّم النقد البنّاء بلغة موضوعية وبطريقة خاصة. ادعم الأعمال الجيدة وساهم في رفع مستوى الوعي المهني الجماعي.
  4. تذكّر أن نجاح منظومة التصوير ككل يُعزّز مكانة كل فرد فيها، وأن المنافسة الشريفة تُبنى على التميّز الشخصي لا على تقليل شأن الآخرين.. المصور الحقيقي يُثري الساحة، لا يسيطر عليها.

مظاهر المنافسة غير الشريفة (الانتقاص المقنّع)
الانتقاص الفني المقنّع:

  1. توجيه “نقد” علني على منشور زميل ليس بهدف النصح، بل للإظهار كم أنت “أكثر خبرة” او للاقلال من مكانة العمل او صاحبه.
  2. من غير اللآئق استخدام مصطلحات معقدة أو لغة تقنية لإحراج مصور آخر في نقاش عام.
  3. الإدعاء بالقدرة على ادارة ورشات ودورات بالرغم من افتقارك للعلم والمعرفة والخبرة الكافية.

التقليل من قيمة التجربة:

  1. السخرية والطعن في مشروع فوتوغرافي جديد تحت ذريعة (هذا ليس جديداً أو هذا مبتذل أو غير مفيد)، دون تقديم بديل بناء.
  2. تجاهل إنجازات زملاء آخرين أو عدم مشاركتها في دائرة المعارف.
    احتكار المعرفة والموارد:
  3. رفض مشاركة معلومات عن أماكن تصوير مميزة مع زملاء جدد بدعوى “حق الاكتشاف”.
  4. التكتل في مجموعات مهنية مغلقة تستبعد آخرين دون مبرر موضوعي.
  5. تقديم المعرفة مقابل مادي (حصرا).
    التعلم حق للجميع وتذكر بداياتك وكيف تعلمت .. بالتاكيد الغير لم يبخلوا عليك فلا تبخل على غيرك بما تعلمته.

استغلال المنصات والنفوذ:

  1. استخدام شهرة أو متابعين أكثر للتأثير على رأي عام ضد زميل او مجموعة او مبادرة أقل شهرة.
  2. دعم أعمال معينة لأن أصحابها أصدقاء أو معارف، وتجاهل أعمال أفضل لآخرين.
    النقد الشخصي وليس العمل الفني:
  3. عدم تحويل النقاش من الصورة إلى شخص المصور.
  4. التخفي خلف حسابات وهمية متعددة لأجل النيل لاسقاط اعمال واشخاص وافكار الغير.

مبادئ المنافسة الشريفة
النقد البنّاء سراً، والدعم علناً:

  1. إذا كان لديك ملاحظة او انتقادات حقيقية على عمل زميل، قدّمها له بخصوصية، بلغة مهنية محايدة (ما لم يكن العمل مطروحا في مجموعات بهدف التقييم العام).
  2. ادعم زملاءك علناً عندما ترى عملاً جيداً يستحق الدعم.
    الاعتراف بالفضل والمصادر:
  3. إذا استفدت من فكرة أو تقنية تعلمتها من زميل أو مجموعة، اذكر ذلك.
  4. شارك مصادر تعلمك ونجاحاتك مع الآخرين، خاصة المبتدئين.

التعاون في مواجهة التحديات المشتركة:

  1. بدلاً من التنافس على الفرص المحدودة، تعاون مع زملائك لخلق فرص جديدة (معارض جماعية، مشاريع توثيقية مشتركة، حملات توعوية).
    حماية سمعة المهنة ككل:
  2. لا تتردد في الدفاع عن زميل يتعرض لهجوم غير عادل من خارج الوسط المهني.
  3. تذكر أن السمعة السيئة لأي مصور تنعكس على المنظومة بأكملها في نظر المجتمع.
  4. تذكر أن الكاميرا أداة قوة، والقوة تحمل مسؤولية.

الفصل الخامس: أخلاقيات المجالات التخصصية

  1. التصوير الصحفي والوثائقي: الحقيقة أولاً
    الأولوية المطلقة للحقيقة والموضوعية. يجب حماية خصوصية وسلامة الأشخاص المصوَّرين، والتوازن بين واجب الإعلام واحترام الكرامة.
  2. التصوير الفني والإبداعي: الحرية المسؤولة
    الحرية الإبداعية مقيدة باحترام حقوق وكرامة الأشخاص الذين يُصورون. يجب التوضيح للنماذج حول الغرض الفني وطريقة النشر.
  3. التصوير التجاري والإعلاني: الصدق فوق الإقناع
    يجب تحري الصدق في الإعلان وعدم استخدام صور مضللة للترويج. الالتزام الكامل بالعقود مع العملاء والنماذج. التصوير في العصر الرقمي: التحقق والمسؤولية
  4. يجب التحقق من صحة الصور قبل نشرها في السياقات الإخبارية.
  5. رفض المشاركة في نشر صور انتهاك الخصوصية (تسريبات، هاك).
  6. الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي أو التعديلات الجذرية .. يوجد فرق بين الحقيقة والرؤية الفنية.

الخاتمة
التصوير فعل إنساني قبل أن يكون ممارسة تقنية. وأخلاقيات المهنة ليست قيوداً على الإبداع، بل شروطاً لحمايته من السقوط في الاستغلال والابتذال. هذا الدليل مسودة حية، قابلة للتطوير والنقاش، وهدفه الأسمى أن يبقى المصور شاهدًا نزيهًا، وفنانًا واعيًا، وإنسانًا قبل كل شيء.


ملحق: دليل الاستخدام العملي
كيف تطبق هذا الدليل؟

  1. اقرأه كاملاً مرة كل ستة أشهر كتذكير ذاتي.
  2. ضع علامة على البنود التي تشكل تحدياً لك.
  3. اسأل قبل النشر: هل أحترم الإنسان؟ هل أنا صادق؟ هل أنا مسؤول؟
  4. استشر زملاء لك تثق بأخلاقياتهم عند الشك في موقف ما.

هذا الدليل ليس موجهاً للمؤسسات التي ترى المصور مجرد رقما ورسوم عضوية فقط دون احترام حقوقه والدفاع عن اخلاقيات مجاله ومهنته.

هذا الدليل موجه لك أنت عزيزي المصور، الذي يعرف أن العدسة أمانة، وأن الصورة مسؤولية.

  • فلا تنتظر من يفتح لك باب النقاش.
  • ولا تستأذن لتُمنح حقوقك الأخلاقية.
  • لا تخضع لمن يريدك ان تكون عبداً بصرياً لرؤيته الضيقة.
  • هذا الدليل بداية طريق مستقبل للمصور العربي لانه يمثل كيانه المستقل وفكره الحر.
  • أخلاقيات التصوير ليست بنداً في نظام.
  • هي نظام حياة.
  • ولأنها نظام حياة، فهي تبدأ منك .. ومن عندك يأتي التغيير.

هذا الميثاق يمثلني أنا فقط.
ليس وراءه مؤسسة او كيان تحت اي مسمى ولا يرفع شعار جهة ما.
هو صوتي الشخصي، واجتهادي المتواضع، وأملي أن يكون بذرة لنقاش أكبر.
فإن أصبت فمن الله وفضل التجربة، وإن أخطأت فمن قصور الجهد البشري.
والأهم: أن تبدأ أنت حيث انتهيت.


يهمني رأيكم، لا بوصفه اتفاقًا… بل حوارًا… وان اعجبك المحتوى وتراه يمثلك فشاركه.

المصورالعربي #المصورين العرب #الوعي البصري #أخلاقيات التصوير

يحيى مساد
@followers

أخر المقالات

منكم وإليكم