* الشاعر: رسول عدنان
جرت بلورةُ أوزانٍ خاصة بالشعر المنثور وتطبيقُها على نماذج من أشعار كل من الشاعر اللبناني أمين الريحاني والشاعر العراقي روفائيل بطي، وقد ضُمِّنت نتائج ذلك في كتابي «جماعة كركوك: الحداثة الشعرية الثانية» الصادر بطبعته الأولى في مصر والثانية في العراق.
وقد كان الشعر المنثور الذي جاء به أمين الريحاني يُعَدُّ، ولفترةٍ طويلة، خالياً من الوزن، وهو اعتقاد خاطئ تماماً كما يتضح في النماذج التي جرى تقطيعها لكلٍّ من أمين الريحاني وروفائيل بطي، حيث تبيَّن أن لهذا اللون من الشعر وزناً خاصّاً يقوم على التوازن والتوازي والتقابل والتناسب.
تأثر الشاعر اللبناني أمين الريحاني بالشعر المنثور، فكتب قصائده المعروفة بالريحانيات في الأدب العربي، على غرار قصائد ويتمان، ونشر أسلوبَه الجديد في الشعر منذ عام 1905، حيث تتضمن الريحانيات الخصائص الفنية ذاتها التي صاغ بها ويتمان شعره. إذ أن زيارة أمين الريحاني إلى بغداد ولقاءه بشعرائها وأدبائها لعرض مفهومه الجديد للشعر، قادت إلى تأثّر الشعر العراقي به، وكذلك مجموعة كبيرة من شعراء العراق آنذاك منهم، معروف الرصافي ومراد ميخائيل، (أطلق الرصافي تسمية الشعر المنثور على هذا النوع من الكتابة الأدبية منذ عام 1922).
وممن تأثر به أيضا في هذه الفترة الشاعران العراقيان مراد ميخائيل وروفائيل بطي، وكان الشاعر والناقد العراقي روفائيل بطي، رائدَ الشعر المنثور في العراق، قد كتب مجموعته الشعرية المسماة «الربيعيات» من عام 1920 الى عام 1925 نشرتها متتابعة مجلة «الحرية» التي كان يرأس تحريرها، ثم في ما بعد طبعت ككتاب عن منشورات دار الحرية ذاتها، وهي أربع عشرة قصيدة من الشعر المنثور صاغها على منوال الريحانيات لأمين الريحاني.
قادته هذه المجموعة من القصائد إلى تأليف كتابه التنظيري حول الشعر المسمى سحر الشعر، وله كتاب منفرد عن زيارة الريحاني للعراق سمّاه، «أمين الريحاني في العراق». هذان الحدثان المهمان اللذان قفزا الى الساحة الشعرية العراقية، وهما زيارة أمين الريحاني وتعريفه لمفهوم الشعر المنثور في بغداد، وصدور مجموعة الربيعيات لروفائيل بطي، أدّيا الى نهضة شعريّة حقيقية في العراق، في منتصف الأربعينيات على يد رواد الحداثة الشعرية الأولى، فقد ذكر فائق بطي في كتابه الموسوم «ذاكرة عراقية» نقلا عن عمّه روفائيل بطي، حادثة تعتبر نبوءة حقيقية لمستقبل الشعر العراقي والعربي، وقد تحققت تماما، وهي قوله في هذا الكتاب (سألني حليم دمّوس الشاعر الناثر في بيروت، أنْ أكتب رأيي في الشعر المنثور العصري في ستة أسطر لينشرها بخطي مع رسمي في مجموعته الشعرية المثالث والمثاني، فأجبته بما يأتي، أما ومدى العاطفة والحس والخيال لا يقف عند حد، فالعجب كل العجب من اصرار ناظمين على التمسك بالوزن والقافية، واعتقادي أن المستقبل للشعر المنثور)، ينظر كتاب روفائيل بطي «ذاكرة عراقي».
تطبيقات على الوزن والقافية في الشعر المنثور
كان أمين الريحاني أول من فتح هذا الباب في عام 1905 في مجموعتته «هتاف الأودية»، التي استهدى فيها بخطى وايتمان، حيث تمتعت قصائده بوزن خاصة وهو التوازن والتناسب، بينما استخدم القافية التقليديّة لكن كانت متنوعة، ثم شاهدنا كيف يكون قفلة كل المقاطع بمقطع يحتوي على عدد أكثر من ألفاظ المقاطع، ومن صفات الشعر المنثور، الخيال، والمعجم الرومانسي، والاحتفاء بالطبيعة، والتنغيم والجمل القصيرة،، متساوية الطول، والإيحاء والتكرار والتقسيم، ومنها قوله في مرثاة الملك فيصل حلّق النّسْرُ في الفضاء بعيدا رجع النّسْرُ في الفضاء شهيدا نسرُ العروبة مدرجهُ السهول ومشحذ جناحه جبال الرسول نسرُ العروبة حبيب الحرم، وربيب البوادي البادية مرضعته، والخيام مأواهُ الرمال فراشه وملعب صباهُ نسر العروبة في حمى الحرية طليقٌ جريءٌ، وديعٌ أبيٌّ أنيسٌ وفيّ
****
ولو قمنا بتقطيع هذه المقاطع لوقفنا على الوزن الخاص، الذي يتمتع به الشعر المنثور، وهو التوازن والتوازي والتقابل والتناسب حيث يكون كما يأتي:
حلّق / النّسْرُ / في الفضاء / بعيدا
رجع / النّسْرُ / في الفضاء / شهيدا
نسرُ / العروبة / مدرجهُ / السهول
ومشحذ / جناحه / جبال / الرسول
نسرُ / العروبة / حبيب / الحرم / وربيب / البوادي
*****
البادية / مرضعته / والخيام / مأواهُ
الرمال / فراشه / وملعب / صباهُ
نسر / العروبة / في حمى/ الحرية
طليقٌ / جريءٌ / وديعٌ / أبيٌّ / أنيسٌ / وفيّ
*****
يلاحظ في هذا التقطيع أنّ الشاعر استخدم أربعة ألفاط في الشطرين الأوليّن الأولى بقافية دالية مع ألف الإطلاق، بينما يتم احتساب الحرف سواء الجر أو العطف ضمن المفردة التي تليه، وبهذا يحسب الحرف والمفردة كمفردة واحدة، لكن نهاية المقطع الأوّل كانت ستة ألفاظ، كذلك نلاحظ الترتيب ذاته والأعداد ذاتها، في المقطع الثاني من القصيدة، لكن بقافية مختلفة، وهي الهاء، وأيضا نلاحظ أنّ نهاية المقطع الثاني احتوى على العدد نفسه من الألفاظ التي احتواها الأول، وهي ستة ألفاظ، إذن فالوزن كان وزنا خاصا في الشعر المنثور، والقافية هي قافية تقليدية بكل قوانينها التقليدية لكن متنوعة، حيث احتفظت القافية في الشعر المنثور بكل قوانين القافية الخليلية، من دون أيّ تغيير. وعلى هذا المنوال كتب روفائيل بطي قصائده المسماة الربيعيات، التي صاغها على منوال الريحانيات لأمين الريحاني، وكما أسلفنا هي أربع عشرة قصيدة ومنها قوله: في حفلة تكريم أمين الريحاني،
1
أنا رفيق الطبيعة
أنا طريد الزمان
أنا حبيب الإنسانية
أنا عدوُّها اللدود
مكاني معروف وإن عشتُ بغير مكان
وذكراي لا تبرح الأذهان
****
تقطيع هذه القصيدة إلى:
أنا / رفيق / الطبيعة
أنا / طريد / الزمان
أنا / حبيب / الإنسانية
أنا / عدوها / اللدود
مكاني / معروف / وإن / عشت / بغير/ مكان
وذكراي / لا تبرح / الأذهان
****
هو الوزن ذاته في التقابل والتوازي والتوازن والتناسب، الذي استخدمه أمين الريحاني في قصيدته، استخدمه أيضا روفائيل بطي في قصيدته، حيث نلاحظ خمسة أشطر تحتوي على ثلاثة ألفاظ، بينما شطر واحد فقط يحتوي على ستة ألفاظ، بينما نرى القافية النونية مع ألف التأسيس وقد تكررت ثلاث مرات، وهنا لا بد من الإشارة، إلى أنّ الشعر المنثور ليس قصيدة نثر، لأنّه تمتع بالوزن والقافية، كما أثبتنا في تحليلنا للنماذج التي قمنا بتقطيعها، أما قصيدة النثر، سواء التي كتبها برتران اوبودلير أو رامبو أو مالارميه، أو نسختها العربية الأولى عند حسين مردان، أو جماعة كركوك لا تستخدم لا الوزن ولا القافية وليس فيها غير الإيقاع،
شاعر وناقد عراقي
*****
المصادر:
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مواقع إلكترونية: المجلة- القدس العبي
الجزيرة+ العربية نيوز – فرانس24/ أ ف ب
– اخبار فن التصوير- rafik kehali
– الوسط – الألمانية -اليوم السابع
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– جائزة هيبا – الإمارات اليوم – القدس العربي
– موقع المستقبل – موقع سينماتوغراف – البيان
– كتاب الرسم المصرى المعاصر – د. رضا عبد السلام
– إيليت فوتو آرت


