شرق أوسط مزدهر فنيًا
د. عصام عسيري
تطلّ بداية عام 2026 بإشاراتٍ واعدة على مشهد الفنون البصرية في منطقة الشرق الأوسط، في لحظةٍ تعكس حراكًا ثقافيًا متسارعًا، وتحوّلًا نوعيًا في موقع الفن ضمن منظومات التنمية الثقافية والسياحية والترفيهية. إذ تتوالى الفعاليات الكبرى، معلنةً موسمًا فنيًا ثريًا يجمع بين المعارض، والمزادات، والبيناليات الدولية، ويؤكد حضور المنطقة كلاعب مؤثر في الخريطة الفنية العالمية.
تنطلق هذه الديناميكية من القاهرة، حيث يحتضن المتحف المصري الكبير معرض «آرت كايرو» خلال الفترة من 23 إلى 26 يناير، جامعًا نخبة من الصالات والفنانين، في تظاهرة تعكس حيوية المشهد التشكيلي المصري وتواصله مع التيارات المعاصرة. وفي الدرعية، تتجه الأنظار إلى مزاد سوثبيز (أصول) خلال الفترة من 24 إلى 31 يناير، في حدث يعزز مكانة المملكة العربية السعودية كمركز إقليمي لسوق الفن، ويبرز ثقة المؤسسات العالمية في البنية الثقافية المحلية.
ويستمر الزخم مع افتتاح معرض «بدايات» في 27 يناير بالمتحف الوطني بالرياض، مسلطًا الضوء على رواد الحركة التشكيلية السعودية، في قراءة توثيقية وتاريخية تتيح للأجيال الجديدة إعادة اكتشاف الجذور الأولى للتجربة الفنية المحلية. ويعقب ذلك انطلاق بينالي الدرعية تحت عنوان «الحِل والترحال» مطلع فبراير، بوصفه منصة فكرية وبصرية تستكشف مفاهيم العبور، والانتماء، والتحولات الإنسانية، عبر مشاركات دولية متعددة الرؤى والخلفيات.
وعلى الضفة الأخرى من الخليج، تستضيف الدوحة معرض «آرت بازل» خلال الفترة من 5 إلى 7 فبراير، مؤكدة حضورها كوجهة ثقافية عالمية، ومكمّلةً لمشهد إقليمي يتكامل فيه العرض الفني مع الحوار الثقافي والتبادل المعرفي.
هذه الفعاليات لا تقتصر على تقديم عروض بصرية مبهرة فحسب، بل تمثل منظومة متكاملة من البرامج المصاحبة، تشمل ندوات فكرية، وورش عمل، وجلسات حوارية، تسهم في إثراء الخبرات المهنية للفنانين، وتفتح آفاق التعلم أمام الطلبة والهواة، وتمنح الجمهور العام فرصة أعمق لفهم الفن بوصفه ممارسة معرفية وجمالية في آنٍ واحد.
إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من ازدهار فني ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على وعي ثقافي متنامٍ، واستثمار جاد في الفنون بوصفها رافدًا أساسيًا للهوية، والتنمية، والحضور العالمي. موسم فني يبشّر بالمزيد، ويؤكد أن المنطقة باتت فضاءً مفتوحًا للإبداع، والحوار، وصناعة المستقبل الثقافي.


