كتب الدكتور : عصام عبد الله عسيري..عن بدايات الحركة التشكيلية السعودية،لأن الفن لا يولد فجأة، بل يتشكل ببطء


بدايات الحركة التشكيلية السعودية

د. عصام عبدالله عسيري
ليس من السهل كتابة تاريخ الفن، لأن الفن لا يولد فجأة، بل يتشكل ببطء داخل طبقات من التجربة الإنسانية والثقافية. وحين يقف الزائر أمام معرض بقراءة نقدية واعية يحاول يؤرّخ لولادة الحداثة البصرية، معرض بدايات الحركة الفنية السعودية الذي تنظمه هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة السعودية في المتحف الوطني السعودي بالرياض، فإنه لا يشاهد معرضًا فنيًا تقليديًا بقدر ما يشهد محاولة واعية لاستعادة اللحظة الأولى التي بدأ فيها الفن التشكيلي السعودي يتلمّس طريقه نحو الحداثة.
في هذا المعرض، بما يتضمنه من أعمال فنية ووثائق وصور أرشيفية، يمثل مشروعًا ثقافيًا يتجاوز العرض البصري ليصبح قراءة تاريخية لمسار تشكّل الوعي الفني في المملكة منذإرهاصاته الأولى ومن ستينيات القرن العشرين وحتى نهاية الثمانينيات؛ وهي المرحلة التي يمكن وصفها بمرحلة التأسيس البصري للحداثة السعودية.

الفن قبل أن يصبح مؤسسة:
تكشف الأعمال المعروضة أن الفن التشكيلي في السعودية لم ينشأ داخل مؤسسات فنية مكتملة كما حدث في كثير من البلدان التي سبقتنا في هذا المجال، بل نشأ في الثلاثينات في بيئة اجتماعية كانت لا تزال في طور التحول الثقافي.
فالفنانون الرواد كمحمد راسم وعبدالحليم رضوي وصفية بن زقر لم يتخرّجوا من أكاديميات محلية متخصصة، بل تشكّلت خبراتهم عبر مسارات متباينة: التعليم العام، التجربة الذاتية، الابتعاث الخارجي، أو التأثر بمعلمين وفنانين قدموا من مدارس فنية مختلفة.

ولهذا تبدو بعض الأعمال الأولى أقرب إلى الواقعية التسجيلية التي تسعى إلى توثيق البيئة المحلية:
البيوت الطينية، الأسواق الشعبية، المهن التقليدية، الأزياء والمظاهر الاجتماعية للحياة اليومية.
لم يكن الهدف هنا مجرد الجماليات التشكيلية، بل كان الهدف الأعمق هو إثبات وجود الفن نفسه في مجتمع لم يكن الفن التشكيلي جزءًا من بنيته الثقافية الحديثة بعد.
لقد كان الفنان في تلك المرحلة يعمل في منطقة بين الهواية والرسالة الثقافية.
التراث بوصفه نقطة الانطلاق:
من خلال قراءة الأعمال المعروضة، يتضح أن التراث المحلي كان المصدر الأول للإلهام.
فالعمارة التقليدية، والزخارف الإسلامية، والحياة والأزياء والمهن الشعبية، كلها عناصر شكلت الذاكرة البصرية الأولى للفنانين السعوديين.
لكن هذا التراث لم يُستحضر بوصفه مادة فلكلورية جامدة، بل بوصفه منبعًا لتشكيل هوية بصرية في مواجهة التأثيرات الفنية العالمية.
وهنا تظهر تجربة عدد من الفنانين الرواد الذين حاولوا بناء لغة فنية حديثة دون الانفصال عن الجذور الثقافية، ومن أبرزهم عبدالحليم رضوي الذي قدّم واحدة من أوائل التجارب التجريدية في الفن السعودي، مستلهمًا روح البيئة الحجازية في بناءاته اللونية الحرة، وكذلك تجربة صفية بن زقر التي اتخذت من الحياة الشعبية والتراث الاجتماعي بجدة مادة بصرية لتوثيق الذاكرة الثقافية للمجتمع.
في هاتين التجربتين في الستينات تحديدًا يمكن ملاحظة مسارين مختلفين للفن السعودي المبكر:
الأول يتجه نحو التجريد الحداثي، والثاني نحو الواقعية، وكلاهما يسعى إلى صياغة سؤال الهوية.
التجريب وبدايات الحداثة:
مع اتساع التجربة الفنية بهد افتتاح معهد التربية الفنية منتصف الستينات ثم في السبعينيات والثمانينيات، بدأت اللغة البصرية للفنانين السعوديين تتطور تدريجيًا.
فقد انفتح الفنانون على التيارات الفنية العالمية مثل التعبيرية والتجريد والرمزية، وبدأت تظهر محاولات لتفكيك الشكل الواقعي والانتقال إلى بناءات لونية أكثر حرية.

هذا التحول لم يكن مجرد تقليد للحداثة الغربية، بل كان محاولة لدمج الحداثة مع عناصر الثقافة المحلية، مثل: الزخرفة الشعبية، الحروفية العربية، الإيقاعات البصرية المستمدة من العمارة التقليدية.

وهكذا تشكّلت لغة بصرية تجمع بين التجريد المعاصر والمرجعية التراثية، وهي اللغة التي أصبحت لاحقًا أحد الملامح الأساسية للفن التشكيلي السعودي.

الأرشيف كجزء من السردية الفنية:

من العناصر المهمة في المعرض حضور الوثائق التاريخية إلى جانب الأعمال الفنية. فالصور القديمة للمعارض، والكتالوجات، والملصقات، والمراسلات، كلها تتحول إلى مادة بصرية موازية للأعمال نفسها.

هذه الوثائق تكشف أن الحركة التشكيلية السعودية لم تكن مجرد إنتاج فردي للفنانين، بل كانت نتاج شبكة من المبادرات الثقافية والتعليمية، مثل المعارض المدرسية الأولى، والمشاركات الخارجية، والأنشطة التي أسهمت في نشر ثقافة الفن داخل المجتمع.
وبذلك يتحول المعرض من مجرد عرض للأعمال إلى أرشيف حي لذاكرة الفن السعودي.
بين التوثيق والقراءة النقدية:
رغم القيمة الكبيرة لهذا المشروع، فإن أي محاولة لعرض بدايات حركة فنية تظل خاضعة لإشكالية الاختيار.
فالمشهد الفني في تلك المرحلة كان متنوعًا ومتشعبًا بين مناطق ومدارس فنية متعددة وضعف التوثيق، وهو ما يجعل من الصعب تمثيله بالكامل داخل معرض واحد.

كما أن التوثيق التاريخي، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم القيمة الجمالية للأعمال؛ فالفن لا يُقرأ بوصفه وثيقة زمنية فقط، بل بوصفه خطابًا بصريًا يعكس رؤى الفنانين للعالم والسياق السوسيوثقافي.
ولهذا تبقى الحاجة قائمة إلى دراسات نقدية أعمق تعيد قراءة هذه الأعمال ضمن سياق تاريخ الفن العربي والعالمي.

الذاكرة الفنية في زمن التحولات:

في سياق التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم، يأتي هذا المعرض ليؤكد أن الفن التشكيلي ليس مجرد نشاط جمالي، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع. فالحركات الفنية لا تُبنى فقط بالأعمال، بل بالسرديات التي تُكتب عنها، وبالذاكرة التي تحفظها.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لمعرض بدايات لا تكمن في الأعمال المعروضة وحدها، بل في أنه يفتح الباب أمام مشروع أكبر يتمثل في كتابة تاريخ الفن التشكيلي السعودي بكل تياراته وأجياله كتابة علمية ومنهجية.

ختاماً، ما يقدّمه هذا المعرض في النهاية ليس مجرد عرض لتجارب فنية مبكرة، بل هو استعادة للحظة ثقافية كان فيها الفنانون الأوائل يكتشفون لغة جديدة للتعبير عن وجدانهم وخيالهم ومجتمعهم.
لقد كانت تلك البدايات متواضعة في أدواتها، لكنها كانت عظيمة في أثرها.
ومن تلك البذور الأولى التي زرعها الرواد، تشكّل المشهد التشكيلي السعودي الذي نراه اليوم في حضوره المحلي والعالمي.

فالتاريخ الفني لأي أمة لا يبدأ بالإنجازات الكبرى، بل يبدأ دائمًا بأول لوحة تُرسم بشغفٍ وإيمان.

يستمر المعرض ل ١١ إبريل 🌹
======***********======
– المصادر:
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم