كتب الدكتور: شريف شاهين..ذلك اليوم ، متوجا بهمومه السنية..ويحدث أن يواجهك يوم لا يطالعك فيه ، إلا كل بغاث وقد استنسر عليك ايما استنسار.

ذلك اليوم ، متوجا بهمومه السنية

ويحدث أن يواجهك يوم لا يطالعك فيه ، إلا كل بغاث وقد استنسر عليك ايما استنسار :
1
نحلة شبقة للأذى ، تترك خلق الله جميعاً ، لتغرز ابرتها المسمومة كاملة في جفنك العلوي ، في صباح كنت تعول أن يكون جميلا .
ترضى بحظك العاثر وتراقب جفنك ينسدل ستارة ورمية على عينك اليسرى ليطبق تماماً على نورها وما ترى ..
2
عامل تنظيفات مرتبك وشارد الذهن ،يجر عربة تفيض بما حوت ، فيتعثران معا قربك ليبقع بدلتك بزيت قاذوراتها ومخلفات طماطمها الحامضة ، وألوانها النتنة الأخرى. ويتخم أنفك ومسامات جسدك برائحة تخال أنها لن تزول عنك لدهور.
ترثي لحاله وحالك وانت تتابع طريقك معولا على لحظة قادمة في نهارك تعدل مزاجك المتعكر.
3
تصعد واسطة النقل التي ستقلك إلى عملك ، متصنعا مرحا ساخرا ومنتظرا وصولا آمنا .و فجأة ، وفي منتصف الطريق تماماً ، تنفجر احدى عجلات الحافلة ، فتنحرف يسارا لتضعك ومن معك على حافة جرف صخري عميق القرار.
تبتسم قائلا : ” حسنا ، الله سلم ” . لكنك لا تنجو من غضب السائق وقد بدأ يكيل الاتهامات لك ولمن حولك على انكم نذر شؤم . وتستمع بصبر وانت تهون عليه .
4
وتصل بعد لأي إلى عملك وتنخرط فيه بحماس شديد متناسيا ما حدث لك . فيفاجؤك رب العمل ، ب ” بهدلة من كعب الدست ” . ويهددك : ” لن يكون بوسعي الاحتفاظ بكسول متقاعس مثلك ، فاقصد وجه ربك الكريم ” .
وتصبر وتحتسب : ما أوسع دنيا الله ! لكنك ترتبك وأنت ترى إلى وجوه أصدقائك وهم يتهامسون ويؤولون وتعلو وجوههم امارات لاتفسير لها .
5
تعود إلى البيت ” بيتك ” ، فيفاجؤك دفء أيقظ جمهرة غفيرة من نمل مجنح شرس الطباع قوي الشكيمة ، كلما سددت أمامه ثقب من ثقوب بيتك خرج عليك من آخر .
تستسلم لهزيمتك بانتظار أهل الرأي والمشورة ليساعدوك في تحرير بيتك من ضيفه الثقيل .
6
تقصد حمامك لتغتسل . ينعشك الماء الدافئ ، لكن نشوتك تتراجع وانت ترى ثلاثة صراصير ، أو ثلاث صرصورات لا أدري ، وقد توجهت بقرون استشعارها نحوك وهي تعدك : ” إنا قادمون وعائلتنا جد كثيرة العدد . ” . ومع أنك ضد القتل وازهاق الأرواح ، تتناول ” شحاطتك ” وتقتل بها أحدهم فيفر الباقيان إلى بالوعتكما ( أنت والصراصير ) .
7
ويلذ لك ان تدلل نفسك بفنجان قهوة يعدل مزاجك. تضع ركوتك على عين فرنك ، وتوقد تحتها ، وتلقمها بالبن ، وقبل أن تغلي يخذلك موقد الغاز فتموت ناره . نفد الغاز من جرتك . ويحين في هذا الحين من تاريخ يومك ” المشرق ” موعد انقطاع الكهرباء …
تبتسم مرة أخرى . تشرب سائلك البني الفاتر . تنظر إلى تلك السماء المجافية لك . ثم تتذكر فجأة أن موعدك مع طبيب أسنانك قد أزف .
8
وتجلس على كرسيه ، وكأنك تجلس في ” قوقعة ” للتعذيب في ” شرق المتوسط ” . وبتهذيب شديد يقول لك: ” افتحه ” ، فتفتحه صاغرا .
عميقا يدخل ابرة التخدير في أعصابك فتشعر كما لو أنها وصلت إلى قشرتك المخية. وقبل أن يصل الخدر إلى أنسجتك المستثارة ، يمعن في أسنانك وربما في ما حولها حفرا وتشذيبا ونحتا واستئصالا وأشياء أخرى هو العالم الوحيد بها . ويئز أزيز حفاراته في أذنيك بينما يمتلئ جوفك الفموي بسوائل مدمات أوشكت على خنقك . وتحار ماذا تفعل بها ، فليس بوسعك بلعها لأن فمك مفتوح وشفتك السفلية مخدرة متدلية كشفة الجمل ، وليس بوسعك الصراخ أو الهرب . وترتجف حنجرتك خشية أن يغرقها بعض هذه السوائل فتسربها إلى رئتيك مودية بحياتك . ترفع يدك مستغيثا وقد بلغ الانهاك فيك مبلغه الأقصى ، فيسمح لك مشكورا ان تبصقها في جرنه البورسلاني الأبيض . تتنفس الصعداء ، ثم تستسلم له مرة أخرى ليتابع ما نوى عليه .
وبعد أن تشعر بأن روحك قد اقتربت من التلف يريك بمرآته ما صنع .
ويصعقك أن أسنانك أصبحت أصغر وأحد من أسنان الفأر لكثرة ما بالغ في تشذيبها والنحت فيها .
وأخيراً ، يفرج عنك ، بعد أن توج ما تبقى من أسنانك بتيجان مؤقتة بانتظار يوم حشر آخر .
تنقده ما بجيبك من نقود كدفعة أولية على حساب طويل وتقفل عائدا إلى البيت .
مهدودا ، محبطا ، ومنتهكا تترنح كاالسكران في شارع تحلم ان يأخذك باتجاه البيت . شفتك السفلى مرتخية عنك وعن فمك المدمى ، ومعنوياتك وصلت بسلام إلى حضيضها .
9
خذ منوما ثقيلا واحلم بغد أقل ايلاما .
ودمت ” بخير ” .

أخر المقالات

منكم وإليكم