مدينة أوغاريت؟..
لغز حضارة احترقت.. ولم تختفِ..
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
لم تكن ليلة سقوط مدينة أوغاريت عادية.
الريح التي هبّت من البحر لم تكن باردة كما اعتادت
والأمواج التي لامست المرفأ كانت مضطربة.
كأن البحر نفسه شعر بأن شيئًا ما ينكسر في قلب الساحل.
في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
كانت أوغاريت تعيش أيامها الأخيرة.
لا كمدينةٍ منهكة.
بل كحضارةٍ واعية بأن العالم من حولها يتغيّر بسرعة مخيفة.
الرسائل الأخيرة التي أرسلها ملوكها
كانت تنبض بالخوف.
وتحمل نداءات استغاثة
لم تجد من يجيبها.
ثم..
جاءت النار.
أوغاريت قبل الاحتراق: مدينة حيّة لا أطلال
قبل أن تصبح اسمًا في كتب الآثار.
كانت أوغاريت مدينة تُعاش.
في شوارعها
كان الكتبة يعلّمون الصغار الحرف
وفي معابدها كانت التراتيل تُرفع للإله بعل
طلبًا للمطر والحياة.
في قصورها،
تُدار السياسة بحنكة
وفي مرافئها
ترسو سفن تحمل النحاس والخشب والنبيذ..وزيت الزيتون
وتغادر محمّلةً بالكلمة.
وبالثقافة.
كانت مدينة تعرف البحر جيداً
وتفهم الريح
وتدرك أن البقاء ليس بالقوة
بل بالمعرفة والقدرة على التكيّف.
لحظة السقوط:
احتراق الجسد لا الروح
حين احترقت أوغاريت
لم تُمحَ من الوجود فجأة
بل انهار جسدها الحجري
بينما ظلّ عقلها حيًّا.
لم تُعثر البعثة الأثرية العاملة في تلها الأثري على مقابر جماعية لسكانها
ولا على دليلٍ قاطع يُشير إلى فناء أهلها.
وهنا يبدأ اللغز.
أين ذهب سكان مدينة كاملة؟
أين ذهب الكتبة؟
وأين ذهب البحّارة؟
وأين ذهب أولئك الذين عرفوا الحرف.
وعرفوا البحر؟
من أوغاريت إلى الساحل الفينيقي: الطريق الخفي
بعد سقوط أوغاريت
لم يخْلُ الساحل.
بل بدأت مدن أخرى في الصعود:
جبيل.. صور.. صيدا.. أرواد.
مدن تشترك مع أوغاريت في:
اللغة السامية نفسها
الآلهة ذاتها (بعل. عشتار. إيل)
الطقوس الدينية
الأساطير
والأهم.. الفكرة الأبجدية
لم يكن هذا تشابهًا عابرًا
بل استمرارًا ثقافيًا واضح المعالم.
كأن أوغاريت،ط
وقد أدركت أن جدرانها ستسقط
أودعت روحها في البحر
وأرسلت أبناءها مع السفن.
الفينيقيون: ورثة لا غزاة
الفينيقيون لم يظهروا فجأة من فراغ
ولم يكونوا قادمين من خارج التاريخ.
كانوا:
بحّارة يعرفون الرياح
تجّارًا يفهمون اللغات
كتبةً اختصروا الحرف
ومجتمعات تؤمن بالمدينة لا بالإمبراطورية
وكل هذه الصفات
كانت أوغاريتية بامتياز.
الفرق الوحيد؟
أن الفينيقيين تعلّموا درس الاحتراق.
لم يبنوا مدنهم في الداخل
بل على الساحل
قريبة من البحر…
جاهزة للرحيل إن لزم الأمر.
الأبجدية: الدليل الذي لا يحترق
قد تحترق المدن
وقد تُهدم المعابد
لكن الحرف لا يموت.
الأبجدية الفينيقية
لم تكن اختراعًا منفصلًا
بل تطويرًا عمليًا
للفكرة الأوغاريتية.
حرف أقل
شكل أبسط
وسرعة في الانتشار.
وكأن أبناء أوغاريت
قالوا لأنفسهم:
“إن لم نستطع حماية المدينة
فلنحفظ الفكرة.”
أوغاريت لم تمت.. بل تغيّرت
أوغاريت لم تختفِ
بل تحوّلت.
تحوّلت من مدينةٍ ثابتة
إلى حضارةٍ متنقلة
من جدران
إلى سفن
من أرشيف طيني
إلى ذاكرة بحرية.
ولهذا
حين نقرأ عن الفينيقيين
نسمع في الخلفية
صدى أوغاريت.
رمادٌ يُنبت حضارة
نقول هل وُلد الفينيقيون من رماد أوغاريت؟
التاريخ لا يجيب بجملةٍ قاطعة
لكنه يترك لنا إشاراتٍ واضحة.
تشابه لا يُنكر
واستمرار لا يمكن تجاهله.
أوغاريت احترقت.
لكنها لم تمت.
بل علّمت أبناءها
أن الحضارة الحقيقية
هي تلك التي تعرف
متى تبقى…
ومتى تبحر.
وهكذا،
من الرماد
وُلد بحر
ومن البحر
وُلدت حضارة
حملت الحرف إلى العالم.
وأنا عندما أكتب عن هذه المدينة العظيمة
لا اكتب عن أوغاريت فقط
احاول ان أعيدها بكلماتي إلى مدينة تعج بالحياة..
سرد تاريخي
“”””””””””””””””
عاشق اوغاريت.. غسان القيم..
𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الأثرية.


