نصير شورى..
من الواقعية إلى اختزالات الانطباعية
مقالتي لهذا اليوم
……………………..
نصير شورى..
من الواقعية إلى اختزالات الانطباعية
علي الراعي
بين سنة 1920 و1992، كانت تلك الفسحة من الحياة كافية لظهور تجربة جمالية سورية، ولأن يكون لها الحيز اللوني لتمتد وتنتشر بكل انعطافاتها، ولتجعل من صاحبها أحد أهم الأسماء في الحياة التشكيلية السورية، والذي ارتبط باسمه مصطلح الواقعية الاختزالية .
في الكتاب الذي أعدّه الناقد سعد القاسم بعنوان «مئوية شورى»، الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، كانت ثمة فرصة للناقد القاسم لأن يجمع مقالات ودراسات كُتبت في تجربة الراحل شورى، وهي في ذروة حراكها، وهي طازجة، وذلك بأقلام كتّاب ونقاد عاصروا التجربة وخبروها حتى آخر لون خطّه بريشته على الخامة البيضاء .
جيل الرواد الثاني
وفي التقديم لهذه المقالات، يعتبر القاسم الفنان شورى من جيل الرواد الثاني في الحركة التشكيلية السورية، هذا الجيل الذي ينتمي إليه كل من: محمود حمّاد، فاتح المدرّس، والأخوين أدهم ونعيم إسماعيل، إلياس زيّات، برهان كركوتلي، لؤي كيّالي، وسواهم. وهو الجيل الذي صنع هوية الفن التشكيلي السوري الحديث باستلهامه ثراء التراث الإبداعي السوري، مع انفتاحه على مفاهيم الفن في عصره، فاستطاع أن يُبدع فناً أصيلاً، من دون أن يتقوقع على ذاته، كما لا يذوب في غيره .
فقد كان نصير شورى متفرداً في أسلوبه – كما يصفه القاسم – ومرهف الإحساس باللون، وعلى الرغم من تفوقه في تصوير الأشخاص، كما تدل على ذلك لوحته أثناء الدراسة، وخاصة لوحة «الفتى البائس»، فقد كان شغوفاً بتصوير مشاهد الطبيعة بأسلوبه الخاص، وبفضله استمر الاتجاه الانطباعي في الحضور بمرحلة الخمسينات وما تلاها .
على أطراف الشام
هذه الانطباعية التي اكتسبها شورى إضافة إلى دراسته، كانت مخزنة في ذاكرته منذ تفتحت عيناه على البساتين وحواكير الصبارة التي كان يطلّ عليها منزل أبيه على أطراف الشام، وربما ساهمت الصور الأولى هذه في تكوين ذائقته الفنية واهتمامه بجمال الطبيعة، فقد كان والده من أوائل صيادلة دمشق، وقد افتتح صيدلية باسمه في مطلع حي المهاجرين بدمشق ما زالت قائمة في المنطقة التي تحمل اليوم اسم «شورى» .
وفي المدرسة الابتدائية كان نصير الطفل يرسم صور أساتذته وزملائه على اللوح وجدران المدرسة، وهو الأمر الذي لفت انتباه أستاذه عبد الحميد عبد ربه الذي شجعه على مزاولة الفن، وتعلم على يديه وسط ممانعة شديدة من عائلته، إلا أن دعم خاله العلامة محمد كرد علي، مؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق (مجمع اللغة العربية اليوم)، والذي كان على معرفة بفناني تلك المرحلة أمثال: بشارة السمرة، توفيق طارق، وغيرهما، هو ما ساعده كثيراً .
وبعد إنجاز دراسته الابتدائية أكمل دراسته في مكتب عنبر، ونمت مواهبه في الرسم على يد جورج بولص خوري خريج المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس، ومن ثمّ جرّب الألوان المائية والزيتية إضافةً إلى الفحم والباستيل .
وفي سنة 1938، أقام أوّل معرض للوحاته الزيتية في نادي الضباط بدمشق، وكانت تُصوّر مشاهد دمشقية وطبيعية، وطبيعة صامتة، ووجوهاً أليفة .
وفي تلك الفترة شارك في معظم النوادي والتجمعات التي كان من غاياتها تقديم الفن التشكيلي، غير أن أول تجمع للفنانين التشكيليين خُصص فقط للرسم، كان في غرفة صغيرة في دار الموسيقا الوطنية (1936 – 1940)، والتي كان أسسها الموسيقي مصطفى الصواف، سرعان ما انسحب منها الفنانون التشكيليون، وأسسوا دارهم المستقلة التي اسموها «ندوة الأندلس» (1940 – 1941) .
التجمع التشكيلي الأول
غير أن أول تجمع متكامل أسس في سورية للفنانين التشكيليين، جاء بعد صداقة طويلة بين شورى والفنان محمود حمّاد اللذان شاركا سنة 1941 بتأسيس مرسم «فيرونيز» مع عدد من الفنانين بينهم: محمود جلال، ميشيل كرشة، رشاد قصيباتي، وعبد الوهاب أبو السعود. وربما كان هذا التجمع هو الأول في تاريخ الحركة التشكيلية السورية .
وبعد تخرجه سنة 1947 من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، عمل مدرساً في ثانويات دمشق، وخلالها افتتح مرسمه الخاص سنة 1948 مستقبلاً فيه المواهب الفنية. ويُعد هذا المرسم الذي كان قائماً في منطقة أبو رمانة – قريباً من ساحة النجمة – من أقدم المراسم الخاصة في دمشق، وكان أشبه ما يكون بالمركز الثقافي يلتقي فيه الفنانون والأدباء والموسيقيون والشعراء. وبعد رحيله حوّلت زوجته الفنانة بهية نوري المرسم إلى صالة تحمل اسمه، وكان لها حضورها المهم في الحياة التشكيلية لمدينة دمشق خلال تسعينات القرن الماضي .
القراءات الأولى
وأما أقدم القراءات النقدية لتجربة الفنان شورى، فيجدها القاسم بما كتبه عنه الفنان صدقي إسماعيل سنة 1950، حيث يستعرض إسماعيل تجربة شورى بمقارنتها بتجارب عالمية.
ومن الكتابات الأولى في قراءة هذه التجربة الريادية، ما وجده القاسم في مقالة للشاعر أدونيس سنة 1953 بعنوان «مع الفنان نصير شورى»، حيث رأى أدونيس في أسلوبه أنه ينظر إلى الموضوع كوحدة منسجمة من الألوان والخطوط والحجوم، وأن الألوان التي تسيطر على إنتاجه الفني هي ألوان هادئة، لا يميل فيها إلى الألوان الصارخة المتضاربة .
ولعل من أجمل مقالات الكتاب ما دونه عنه الفنان نذير نبعة، وإلياس الزيات في دراسة الانعطافات الفنية على هذه التجربة الريادية. فيذكر الزيات: كان نصير شورى متفرداً في أسلوبه، ورهيف الحس اللوني حتى لقبوه بشاعر اللون، وجاء حبه للمنظر الطبيعي من رصده تقلبات هذا المشهد فتبنى الأسلوب الانطباعي الواقعي، وعبّر عن المنظر السوري واللبناني بحقيقة مكانية وبراعة في اللمسة .
وفي سنة 1965 شكّل مع محمود حمّاد وفاتح المدرس وإلياس زيات جماعة تجريدية أسموها جماعة «د» أو دمشق، وأقاموا معرضاً مشتركاً في صالة الصيوان بدمشق، كان له صدى في الأوساط الفنية في ذلك الحين بين مؤيد وناقد . وفي سبعينات القرن العشرين، بدأ نصير شورى تجارب أوصلته إلى أسلوب جمع بين الانطباعية والتجريد، فأخذ الشكل المرئي من الأولى، والابتكار في التأليف من الثانية، مشكلاً أسلوباً خاصاً به، عُرف في محافل المعارض الفنية واستمر في ذلك حتى وفاته .


