ما الصورةُ في أصلِ جوهرها إلا سِرُّ روحٍ التقت بلحظة!
رأيتُ الناسَ قد أسرَتْهم الآلةُ حتى ظنّوا أن الحُسنَ فِعلُ الزرّ لا فكرةُ العقل، وأنه صنعة العدسةِ لا مَحبةُ العين! فعجِبتُ كيف نَسوا أن وراءَ كل لقطةٍ حكايةً أطولَ من عُمر الضوء، وفي كل إطارٍ مساحةً من النفسِ لا تتسعُ لها شاشاتُ الأرقام!
من أجلِ هذا، يطيبُ لي أن أزفَّ إليكم خبرَ نشرِ مقالتي الجديدة: «مقامة الصورة» عبر منصة (فوتومينا – Photomena)، لِنستفتحَ بها بابًا ندّعي فيه الريادةَ ونسألُ له الخلود: «أدب الصورة».
إنها دعوةٌ لِنردَّ على الضوءِ بالكلمة، ونستخرجَ من حواشي المَشاهدِ حِكمةَ الإنسان، فلستُ أكتبُ عن الكاميرا وكيف صُنعت، بل عن العينِ كيف شَهدت، وعن القلبِ كيف رَقَّ أو جَمَد!
مقامة الصورة – في افتتاح باب «أدب الصورة» في فوتومينا
في افتتاح باب «أدب الصورة»، تدعو فوتومينا المصورين والكتاب والمؤرخين والنقاد إلى اكتشاف ما وراء الإطار، وكتابة حكايات الصورة وذاكرتها وأسئلتها الإنسانية، في زمن نلتقط فيه أكثر مما نتأمل.
By PhotoMENA
مقامة الصورة
في افتتاح باب «أدب الصورة» في فوتومينا
بقلم محمد مصطفى الضو
كاتب، وقيّم فني ومحكم دولي وخبير تقنية معلومات
حدثنا صاحبُ عدسةٍ، كثيرُ الترحال في الصور، قليلُ الاكتراث بأخبار الكاميرات، قال:
طوّفتُ في بلاد الصورة ما طوّفت، وقرأتُ من أخبارها ما قرأت، فرأيتُ قومًا يسألون المصوّر عن عدسته، ولا يسألونه عن عينه، ويحصون عليه فتحة الضوء وسرعة الغالق، ولا يحصون ما فتحته الصورة في نفسه، ولا ما أغلقته من أبواب النسيان.
ورأيتُهم إذا أعجبتهم صورة قالوا: بأي آلة التقطت؟
وإذا أدهشتهم لقطة سألوا: بأي إعداد صُنعت؟
فقلت في نفسي: عجبًا! كأنّ الصورة ابنةُ آلةٍ لا ابنةُ عين، وصنيعةُ زرٍّ لا ثمرةُ عمر، وكأنّ المصوّر لم يرَ قبل أن يصوّر، ولم يشعر قبل أن ينقر، ولم ينتظر، ولم يخف، ولم يفرح، ولم يخسر شيئًا حين ربح الصورة.
ثم قلت: أما للصورة أدب؟
أما لها من الكلام نصيب، كما للرحلة أدب، وللمكان أدب، وللبحر والصحراء والمدينة والذاكرة أدب؟
أما وراء هذا المستطيل الصغير حكايةٌ أكبر منه، وخارجه عالمٌ لم يدخل الإطار، وقبله لحظةٌ مهدت له، وبعده أثرٌ ربما بقي عمرًا كاملًا؟
فإن كانت الرحلة قد أنجبت أدب الرحلات، لأن المسافر لم يكتفِ بأن يقول: ذهبتُ ورأيت، بل حدّثنا عمّا صنع به الذهاب وما فعلت به الرؤية؛ فلِمَ لا يكون للصورة أدبها، وللنظر رحلته، وللمشهد سيرته؟
من هنا نفتح في فوتومينا هذا الباب، ونسميه: أدب الصورة.
لا نريده درسًا في التصوير، ولا دفترًا لمواصفات العدسات، ولا مجلسًا للمفاضلة بين آلة وآلة؛ فللتقنية أهلها، ولها أبوابها ومجالسها.
أما مجلسنا هذا، فللصورة حين تتجاوز آلتها.
للصورة حين تصبح ذاكرة.
وحين تكون شهادة.
وحين تكذب، وإن لم تتغير فيها نقطة.
وحين تقول الحقيقة، وإن غاب عنها نصف المشهد.
وللصورة التي صنعت تاريخًا، وتلك التي أخفت تاريخًا، والتي أنقذت وجهًا من النسيان، أو سلّمت وجهًا إلى الخلود.
نكتب هنا عن المصوّر قبل الكاميرا، وعن العين قبل العدسة، وعن الإنسان قبل المصوّر.
نكتب عن الصورة في الصحافة والفن والحرب والسلام، في البيت والشارع، في ألبوم العائلة وعلى جدار المتحف، في هاتف طفل وفي أرشيف أمة.
نسأل لماذا بقيت صورةٌ في وجدان البشر، بينما ماتت ملايين الصور في اليوم الذي وُلدت فيه.
ونسأل عن الصورة التي لم تُلتقط: أتكون أحيانًا أعظم شأنًا من تلك التي التُقطت؟
وعن المصوّر الذي خفّض كاميرته احترامًا للحظة: أضاع صورة، أم صنع موقفًا؟
وعن وجهٍ نعرفه من صورة لم نعرف صاحبها، وعن مكانٍ أحببناه قبل أن نزوره لأن مصوّرًا أحسن النظر إليه.
فالصورة، يا صاحبي، ليست ما وقع داخل الإطار وحده.
إنها ما كان قبله، وما بقي بعده.
هي اختيارٌ وحذف، حضورٌ وغياب، ذاكرةٌ ونسيان. وربما كان ما تركه المصوّر خارج الصورة أفصحَ مما أدخله فيها.
قال صاحب العدسة:
فلما انتهيت إلى هذا الرأي، حملت سؤالي وطفت به على أهل الصورة.
قلت للمصور: هاتِ ما وراء صورتك، لا كيف صنعتها.
وقلت للكاتب: لا تقف بعيدًا عن الصورة؛ ففيها من الحكايات ما يملأ دفاترك.
وقلت للمؤرخ: فتّش في الهوامش؛ فربّ صورة صغيرة شرحت عصرًا عجزت عنه المجلدات.
وقلت للفيلسوف: اقترب، فإن العين تسأل أسئلة العقل بطريقتها.
وقلت للناقد: لا تحاكم الجمال وحده؛ فربّ صورة قبيحة المبنى عظيمة المعنى.
وقلت لكل من جمع بين فكرٍ وقلم، واطلاعٍ ومعرفة بميدان الصورة:
هذا بابكم.
فادخلوه بما شئتم من سيرة وتأمل، وحكاية ونقد، وذكرى وسؤال. اكتبوا عن صورة غيّرتكم، أو مصوّر حيّركم، أو مشهدٍ طاردكم، أو ألبومٍ أعاد إليكم زمنًا حسبتموه مضى.
اكتبوا عن أخلاق الصورة، وفلسفتها، وذاكرتها، وسلطتها، وجمالها، وخداعها، وصدقها، وعن علاقتها بنا حين نصنعها، وعلاقتنا بها حين تصنعنا.
ولا تسألوا أول الأمر: أهذا نقدٌ أم تاريخ؟ أهو سيرة أم مقالة؟ أهو تأمل أم حكاية؟
فالأجناس الجديدة لا تولد وفي يدها بطاقةُ تعريف.
ولا تسألوا أول الأمر: أهذا نقدٌ أم تاريخ؟ أهو سيرة أم مقالة؟ أهو تأمل أم حكاية؟
فالأجناس الجديدة لا تولد وفي يدها بطاقةُ تعريف.
تولد نصوصًا تبحث عن أسمائها.
ولعل أدب الصورة واحدٌ منها.
ثم قال صاحب العدسة، وقد وضع الكاميرا إلى جانبه وأمسك بالقلم:
إن عصرنا لم يعرف زمنًا أكثر امتلاءً بالصور من هذا الزمن، ولا أظنه عرف زمنًا أقلَّ توقفًا عندها.
نلتقط أكثر، وننظر أقل.
نخزّن أكثر، ونتذكر أقل.
تمرّ أمام أعيننا في يوم واحد صورٌ أكثر مما كان أسلافنا يرون في أعوام، حتى غدت الصورة، من فرط حضورها، مهددةً بالغياب.
ولهذا ربما احتجنا إلى الكتابة عنها.
لا لتزيد الصور صورة، بل لتعيد إلى الصورة زمن النظر.
أن نقف عندها بعدما اعتدنا المرور بها.
أن نسألها بعدما اعتدنا استهلاكها.
أن نصغي إليها، فربما كان للصورة صوتٌ لا يسمعه إلا من أطال النظر.
هذه، إذن، ليست دعوةً إلى الكتابة عن التصوير فحسب.
إنها دعوة إلى الكتابة من الصورة وإليها وبها.
إلى أن نجعل منها نافذةً نطلّ عبرها على الإنسان، والزمان، والمكان، والذاكرة، والجمال، والموت، والحب، والخوف، والتاريخ.
فإذا كان الرحّالة قد سار في الأرض ثم عاد إلينا بأدب الرحلة، فإن المصوّر يسير في الضوء منذ قرنين؛ وقد آن لنا أن نسأل:
أين أدب رحلته؟
هنا، في «فوتومينا»، نريد أن نبدأ البحث عنه.
ولسنا نزعم أننا وجدنا حدوده، ولا أننا وضعنا قوانينه؛ بل لعل أجمل ما في الأمر أنه أرضٌ لم تُرسم خرائطها بعد.
فيا أهل الصورة والقلم:
هذه أول الطريق، وهذه أول الغيث.
فمن كان في جعبته حكاية صورة، أو سؤال عين، أو سيرة ضوء، أو فكرة تستحق أن تُرى بالكلمات، فليصحبنا.
فلعلنا إذا طال بنا السفر، صار للصورة أدبٌ كما صار للرحلة أدب.
ولعل قارئًا يأتي بعد حين، فيقول:
من هنا بدأ الطريق.