أستاذنا القدير: سمير إسماعيل ..
أتقدم إليك ببالغ الامتنان والتقدير على هذه اللفتة الكريمة والإهداء الأثير . لقد أخذتني كلماتها وسردها الساحر في رحلة عميقة بين أزقة موصلنا الحبيبة ودروبها القديمة ، وجسدت روح الوفاء للذاكرة والمكان بأسلوب أدبي رائع يلامس الروح . تشرفت كثيرا بأن أكون بطلا لهذه القصة الجميلة التي تخاطب الأصالة وتخلد عراقة مدينتنا، فكل الشكر والاعتزاز ب قلمك المبدع وفكرك النبيل
***&*** نص المقالة ***&***

قصة قصيرة
بصيص ضوء
مهداة للفوتوغرافي ا انور الدرويش
لم يكن ( انور ) يبحث عن الشهرة بقدر ما كان يبحث رؤيته في اثبات أن المدن تعيش في ذاكرة اهلها . كان مصوراً قديرا يتابع نشر صوره في المعارض المحلية والمعارض الشخصية التي يقيمها في قاعات المدينة وعلى صفحته على الفيس , يدور في الازقة القديمة باحثا عن لقطة تؤرخها , لحظة فنية تعيش في رأسه يخلد بها تلك البيوت والنوافذ القديمة والأزقة المنسية في الموصل ,كان يحدث الجدران بعدسة كامرته وكأنها تقتل الصمت الذي فيها , يبحث في شقوقها عن بقايا الحكايات والاوراق المخبئة للحبيبات ويصور تلك الكتابة على الجدران منتظرا ان ينصت الى كلماتها . كانت المدن القديمة تفعل ذلك أحياناً, تفتح في الإنسان ممراً لا يقود إلى المكان, بل إلى طبقات خفية من الزمن, الموصل في الساحل الايمن في ذلك الصباح الشتوي, لم تكن مدينة من حجارة, بل جسداً هائلاً يتنفس ببطء, فيما كان النهر الذي يحتضنها يرسل رائحته عبر النوافذ المكسورة كأنه يتأكد أن الذاكرة ما تزال تؤدي عملها , كان يحمل كاميرته ,لم يكن يصور البيوت المهدمة المهجورة لأنها جميلة, بل لأنها بدت له أكثر صدقاً عن مخلفات الحرب , وصل إلى حي الميدان القديم في الساحل الايمن بعد أن تحررت المدينة من الظلاميين , اقترب من منزل قد قصفه صاروخ ارسلته طائرة وهو الان مهجور, حمل كاميرته وصور كل الخراب الذي اصابه ومن عدة زوايا , وعندما اقترب من مدخل السرداب الذي كان الظلام كثيفا داخله احتاج الى مصباح الكاميرا كي يرى طريقه لنزول الدرج , وبدأ بتصور الدرج المتآكل والنوافذ المطلة على الحوش وحديدها المصبوغ بلون اخضر والزجاج الذي تكسر وترك بقايا معلقة في اماكنها اثر الانفجار , كان يتوقع ان يجد شيئا غريبا , حزمة ضوء , عتمة , درج , فانوس معلق مطفأ , صندلية قديمة لعجوز البيت , تخت خشبي للجد ساكنا على ارضية السرداب , لكن كل الذي رآه لم يضف اليه شيئا جديدا مميزا عن عالم الصور الذي لديه .. ورغم ان اكتشافه لن يرضيه الا انه عبر الى الجزء الخلفي من السرداب بعد ان فتح له طريقا في اكوام الحجارة والاخشاب ليكتشف بابا اخر في الجزء الخلفي وكانه مخفي عن العيون والتراب يعلو الى منتصف الباب الخشبي العتيق جدا , ازاح التراب قليلا وحاول فتح الباب الذي اندفع الى الخلف بصعوبة كبيرة , كان ذلك هو القبو الذي توضع فيه مؤنة البيت لبرودته في الصيف ودفئه في الشتاء , رائحة القبو دخلت انفه وكانه يشتم رائحة عفونه او رائحة الارض الترابية بعد المطر , انير القبو بالضوء الذي سقط مباشرة على صندوق مطعم بالمسامير مركون في زاوية القبو , اقترب منه محاولا فتحه , كان الصندوق ثقيلا وما ان تحرك الغطاء حتى فاحت رائحة ورق مضى عليه سنوات لم يلامسه الهواء , كأن الذي اخفاه يعرف قيمته الحقيقية وقيمة ما خزنه فيه ثم تركه ولم يعود اليه وربما رحل مع الراحلين الى العالم الاخر , وربما سافر الى خارج البلاد ,الصندوق عليه علامة الصليب , وهذا يعني ان اهلة من النصارى الذين رحلوا, فتح الصندوق بحذر, كان بداخله البوم صور جلده ممزق, وبجانبه كاميرا ( زينيث) روسية قديمة، وبعض الصور بالأبيض والأسود، ورسائل مبعثرة في زاوية الصندوق وتحت الالبوم , جلس على الأرض وأخذ يقلب صفحات الالبوم الذي امتلأ بالصور الاسود والابيض والملونة بالوان باهته , تميل الى اللون الاحمر, وهناك دفتر اخر صغير يحتوي على كتابات , مذكرات , قصائد , خواطر , قلب صفحاته فحسب ثم توقف عند صفحة شعر من خلالها انه كان يكتب بطريقة يتسرب بها الزمن من بين الأصابع. كانت الجمل قصيرة, لكنها تترك حولها دوائر واسعة من الصمت. لم يكن يتحدث عن ساندرا بوصفها امرأة، بل بوصفها المكان الذي تتوقف فيه ضوضاء الحروب كلها, تركه في حقيبته الصغيرة المعلقة وسطه , اما الالبوم فكانت الصور ملصوقة على صفحاته تحت نايلون شفاف وبجانبها بعض السطور ,او كلمات لا تتجاوز العشرة تدل على وقت تصويرها واسم الشخص او الفتاة , . كان مصورها واسمه (يوحنا ) كما مدون على غلاف الدفتر الضخم ، جنديا في الجبهة خلال حرب الثماني سنوات , يظهر من الصور انها هوايته , بل كل الذي كتبه يعانق القلب اما بالحب او الحزن , او الموت , وكذلك هناك صور لرجل يصطاد في النهر , واخر يحمل عكازة وظهره منحني يسير قرب الجسر العتيق وبيده السمك الصغير الذي اصطاده ويعرضه للمارين بعد ان نظفه ووضعه داخل خيط مصفوفا بانتظام , ثمة امرأة تدفع طفلة صغيرة وتشد عباءتها السوداء على رأسها وصورة اخرى لشابة في غاية الجمال تدعى (ساندرا )كما مدون على صورتها المتكررة في عدد كبير من الصفحات , وبأوضاع مختلفة وثياب منوعة ما بين الفستان والبنطلون , الصياد العائد قبل الفجر على زورقه الخشبي , والفتاة التي كانت تقرأ جالسة على مقعد يطل على نهر دجلة , قرأ انور على صفحة فيها صورة للمدينة القديمة المطلة على النهر :ـــ كل صورة ألتقطها للموصل تنتهي إليها, كأنها تختصر نفسها في اشراقة فجرها . توقف انور يحدق في صورة الشابة تقف أمام محل مجوهرات في سوق الصياغ , تشير بيدها الى خاتم وتضحك وعيناها ترى صورة يوحنا على زجاج المحل والكاميرا بيده , وكأنها تقول له .. التقط الصورة فهي ذكرى جميلة بيننا . وقرأ انور في نهاية الصفحة كلمات ربما هي من كتبها له : ـــ اذا اختفت صورنا يوما من هذا الالبوم فأرجو ان يظل حبي يعيش في قلبك الى الابد ولا يختفي مثلها . ظل يقرأ ها لمرات عديدة حتى ادرك ان العتمة بدأ توغل في جسد السرداب, وشعر ان الوقت يمضي نحو المساء , احتضن الالبوم وخرج من السرداب نحو البيت , عندما عاد إلى منزله، نشر بعض الصور التي التقطها للسرداب والقبو ، لكنه أخفى الدفتر والالبوم , شعر أن الصور لا تخصه بل تخص تلك العائلة المختفية اسماؤها بين شقوق جدران ذلك البيت . في الصباح فتح الدفتر وقلب الاوراق والصور حتى الصفحة الاخيرة حيث وجد كتابة بخط يوحنا : ـــ من يجد هذا الدفتر , فلا يبحث عنا نحن الذين غادرنا البلاد , بل ابحث عن ابنة(ساندرا) لأنها تشبهها كثيرا جدا , تابع الصور في الدفتر وستجدها . في اليوم التالي بدأ المصور انور مشواره بالبحث وقادته الصور نحو الاماكن المصورة وبعض الاشخاص في شارع المكتبات ( شارع النجفي ) ، وهناك أخبره صاحب مكتبة الاهالي عن عائلة ( ال شماس ) ان بعض افرادها قد عادوا وهم يعيشون في المدينة , وليس لديه علم بأن حفيدتها قد عادت ام بقيت في الغربة , لكن اعرف ان احداهما تعمل في مكتبة الجامعة .:ـــ ما أسمها .؟ : ـــ اعتقد ان اسمها ميرا ال شماس .. ذهب الى مكتبة الجامعة وسأل عنها , اشار له احد الموظفين اليها , كانت تجلس خلف مجموعة من الكتب مكدسة على مكبها , وعندما اقترب منها لمحت ظله يسقط على وجهها , رفعت رأسها وقالت : ـــ تفضل , عن أي كتاب تبحث . قال : ـــ اعتذر , لم اجئ من اجل كتاب بل جئت من اجلك , هل اسمك ميرا .؟ اصابها الذعر وشعرت بالأحراج من كلماته , لكنه وضع الصورة قدامها , تغيرت ملامحها ورفعت الصورة بيد مرتجفة وبهمسة خرجت من اعماق قلبها :ـــ هذه أمي . ساد الصمت للحظات وكأنه استمر لساعات بينهما ثم سمعت صوته يقص عليها حكاية السرداب والصندوق والالبوم والرسائل المكتوبة ودفتر المذكرات , اغرورقت عيناها بالدموع وكأنها ترى وجه امها يبتسم لها ثم قالت بصوت مهزوز خائف : ـــ كانت جدتي تقول إن ابي أحب امرأة اسمها ( ساندرا) كان يصورها بكامرته كثيرا , لكن صورها اختفت بعد رحيله , وهاجرنا بعد نهاية حرب الثماني سنوات الى بلاد الغربة وعندما توفيت رجعت الى بيت جدي ولكنه كان قد تهدم وهجروه اخوتي وانا الان ساكنة مع اخي الكبير في الساعة , لم اصدق ما ارى من الصور , لم اصدق في يوم ما ساجدها وانها مازالت موجودة في البيت القديم الذي تركناه . اقترح على( ميرا) ان يذهبا معا الى البيت القديم فربما تجد اشياء اخرى لم يعثر عليها هو واتفقا على ذلك بعد يومين . توقفا امام باب الدار الخشبي , كانت عيناها تتكحلان بالجدران والباب القديم وكأنها تناجي حبيبا تركته منذ زمن , حبيبا غاب عن نظرها , دخلا الى السرداب واقتربا من الصندوق وحاولا ان يخرجاه نحو الحوش الكبير الذي امتلأ بالحجارة والغبار وبقايا الحيوانات , فتحت الصندوق بأصابعها المرتجفة , وجدت بعض الاوراق وثمة رسالة مطوية بعناية تحتها لم يكن انور قد راها من قبل , كانت الرسالة مكتوب على غلافها , الى أي من اولادي ان وجد هذه الرسالة بعد سنوات .. فتحتها وقرأت .. ـــ من ابيكم يوحنا من يقرأ هذه الكلمات , فليعلم ان الحب الصادق سيظل ينير قلوب الابناء كما انار قلبينا وإذا وصلت هذه الكلمات الى أي منكم ، فهذا يعني أن الزمن سيخلد ذكرانا معا في قلوبكم . لا أريد منكم سوى ان تعرفوا ان الحب زمنا اطول من اعمارنا . وضعت ميرا الرسالة في جيبها وهي تمسح دموعها واستدارت خارجة من البيت بعد ان جمعت كل ما في الصندوق من صور ورسائل وقالت : ـــ سأبقي الصندوق هنا كي اعود اليه في كل مرة اشتاق الى الماضي . ومنذ ذلك اليوم اتفقا ان يلتقيا كل اسبوع كي يحلا لغز الرسائل والصور معا . كانا يقرآن الرسائل معاً, ويبحثان عن الأماكن التي ظهرت في الصور القديمة الموجودة في الالبوم ويذهبان الى نفس المناطق ويصورها انور من زوايا مختلفة , قالت ميرا له في احدى جلساتهم , وهذه الجلسات منحتهم الفرصة للمقارنة بين زمنيين , زمن عاشوا فيه في ذلك البيت المهدوم والذي اختفت فيه الحياة وزمن تغلب فيه العمران على المدينة وكبرت فيها البيوت واختلفت فيه العادات والملابس وتوسعت الشوارع , وفي احدى جولات التصوير .. ـــ لم يكن أبي يصور أمي من زوايا مختلفة فقط , كان ايضا يصور روحه من خلالها . حاول ان يفسر كلماتها , لكنها اضافت بسرعة قبل ان يتكلم .. ـــ كل الصور كان وجهه محشور فيها ومليئة بنظراته الساحرة بوجهها , ظل انور يتأمل كلماتها مكتشفا انه كان يصور ميرا اكثر مما يصور المناطق في المدينة المشابهة في صور أمها , كان ميرا تحدق بوجهه عندما يصورها وتضحك حينما تجد ان العدسة مازالت مغطاة وينسى ان يرفعها لا عجابه بها و بقدرتها على التركيز , وبعد فترة تجاوزت الاشهر اصبحت رحلة البحث في ماضي الصور تولد لهم افكار جديده في انشاء معرضا لها عبر صفحات الانترنيت بعنوان شبه غريب اطلقوه ( بصيص ضوء ) يجمع بين قديم المدينة وحديثها , بين ميرا , وامها وابيها , وبجانب كل صورة مقتبسات من الرسائل تحكي قصتها , لقد حققت الصفحة نجاحا كبيرا وكان الكثير من الناس يتابعون ما ينشر في الموقع يوميا بل بدأت تصل اليهم صورا ومذكرات من الاخرين طالبين ان تحفظ او ان تنشر عن الاباء والاجداد في صفحتهم مع تعليقات عنها وتاريخها الموغل في القدم ,من اجل ان لا يبتلعها النسيان في الادراج الميته داخل البيوت . بعد أشهر، افتتحا معرضاً فوتوغرافياً حمل اسم “بصيص ضوء”. في اكبر قاعات المدينة عُلقت صور يوحنا وساندرا القاعة الامامية ، وفي القاعة الأخيرة عُلقت صور انور وميرا ولم يشعر أي منهما أنه يغلق باباً على الماضي ,بل أنه يترك نافذة مفتوحة لمن سيأتي بعدهما .. لم يكن الزوار يعرفون أين ينتهي الماضي وأين يبدأ الحاضر.. عندما غادرا المعرض, لم يلتفتا إلى الخلف .. همس انور لنفسه ـــ المدينة تتغير, المقاهي تغلق , الأصدقاء يرحلون.. والوجوه تذوب في عمق المدينة .
سمير اسماعيل / الموصل / 2026
الصورة للفنان انور الدرويش


