💥 تمويل محدود وأسئلة بلا إجابات ..«المهرجانات السينمائية المصرية» بين الدعم والازدواجية«سينماتوغراف»
ـ أسامة عسل
لم يعد الحديث عن أزمة تمويل المهرجانات السينمائية فى مصر مجرد نقاش مالى يتعلق بزيادة بند فى الميزانية أو خفض آخر، بل أصبح سؤالًا أعمق يتعلق بفلسفة إدارة المهرجانات نفسها، ومعايير الدعم، وحدود تدخل الدولة، والأهم لماذا تنجح بعض المهرجانات فى الحصول على تعاطف واسع كلما اشتكت من ضيق الموارد، بينما تبقى مهرجانات أخرى خارج هذا النقاش رغم معاناتها الممتدة؟.ويُحسب للزميلة إيناس عبدالله فى جريدة «الشروق» المصرية، أنها أعادت طرح سؤال التمويل إلى واجهة المشهد السينمائى، ونجحت فى فتح نقاش ضرورى حول مستقبل عدد من المهرجانات المصرية. لكن الأزمة التى كشفها هذا الملف تتجاوز حدود المهرجانات التى تناولها، إذ إن معضلة التمويل تمس المنظومة بأكملها، بما فيها مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط، الذى ظل لعقود أحد أهم الواجهات السينمائية المصرية والعربية، ويعانى بدوره من التحديات نفسها، رغم مكانته التاريخية ودوره فى تمثيل السينما المصرية على المستوى الدولى.لا أحد ينكر النجاح الذى حققه مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير خلال سنوات قليلة، ولا الحضور الجماهيرى الذى صنعه مهرجان القاهرة للفيلم القصير، ولا القيمة الثقافية التى يمثلها مهرجان أسوان لأفلام المرأة، لكن تحويل هذه النجاحات إلى مبرر منفرد للمطالبة بزيادة الدعم يفتح بابًا لإشكالية أكبر، وهى هل معيار الدعم هو النجاح الجماهيرى فقط، أم التاريخ، أم التأثير الدولى، أم الدور الثقافى؟. حين يطالب مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير برفع دعمه من نصف مليون جنيه إلى ميزانية تقارب أحد عشر مليونًا للوصول إلى مستوى «كليرمون فيران»، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم المبلغ، بل بطبيعة المقارنة ذاتها. فالمهرجان الفرنسى الذى يُضرب به المثل يمتلك بنية اقتصادية وثقافية وسوقًا سينمائية وشبكة رعاة ومؤسسات أوروبية تراكمت عبر عقود طويلة، بينما لا تزال أغلب المهرجانات المصرية تعتمد أساسًا على الدولة فى تغطية النفقات الأساسية.وفى المقابل، تبدو تصريحات اللجنة العليا للمهرجانات وكأنها تتعامل مع الأزمة من خارجها؛ فالتأكيد المستمر على أن اللجنة «ليست جهة تمويل» صحيح إداريًا، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهرى، من يملك إذن حق مراجعة سياسات الدعم التى لم تتغير منذ سنوات رغم تضاعف تكاليف التشغيل وانهيار القيمة الشرائية للجنيه؟.الأكثر لفتًا للانتباه أن الحديث عن ضرورة الاعتماد على الرعاة والموارد الذاتية يتجاهل واقعًا واضحًا، وهو أن سوق الرعاية الثقافية فى مصر محدود للغاية، وأن الشركات الكبرى تتجه غالبًا إلى الأحداث الرياضية أو الترفيهية ذات العائد الإعلانى المباشر، بينما تظل المهرجانات السينمائية فى ذيل أولويات الاستثمار الثقافى.لكن المفارقة الأبرز تظهر عند التوقف أمام مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط، ثانى أقدم مهرجان سينمائى فى مصر بعد مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، وأقدم مهرجانات المجتمع المدنى المصرية، والذى يمتلك تاريخًا من الحضور العربى والمتوسطى والعلاقات الدولية المتراكمة، ورغم هذه المكانة، لم يتحول هذا الإرث الثقافى إلى استقرار مالى أو دعم يتناسب مع قيمته التاريخية ودوره فى تمثيل السينما المصرية.ومع الحديث عن تأجيل الدورة الثانية والأربعين إلى عام 2027، وما يصاحب ذلك من توجهات لإجراء مراجعات وتعديلات جوهرية لتلافى أخطاء السنوات الأخيرة وإعادة بناء المهرجان على أسس أكثر فاعلية، يصبح من الضرورى إعادة النظر فى آليات دعمه، ليس باعتباره مهرجانًا يواجه أزمة عابرة، بل بوصفه أحد الأعمدة التاريخية للحركة السينمائية المصرية.فإذا كان مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يستند إلى نجاحه الجماهيرى، ومهرجان أسوان إلى خصوصيته الجغرافية، ومهرجان القاهرة للفيلم القصير إلى حضوره الشبابى، فإن مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط يمتلك رصيدًا ثقافيًا ومؤسسيًا يجعل دعمه استثمارًا فى الذاكرة السينمائية المصرية، وليس مجرد إنفاق على دورة جديدة أو حدث سنوى عابر.ومع ذلك، ظل طوال سنوات يواجه الأزمات ذاتها المتعلقة بالتمويل والاعتماد على الجهود الفردية والدعم المحدود.وهنا تظهر ازدواجية واضحة فى الخطاب الثقافى؛ إذ يتم الاحتفاء بالمهرجانات الجديدة باعتبارها نماذج نجاح تستحق دعما أكبر، بينما يُنظر إلى المهرجانات الأقدم باعتبار بقائها أمرًا مفروغًا منه، رغم أنها تحمل العبء الأكبر فى الحفاظ على العلاقات السينمائية الدولية وتمثيل مصر خارجيًا.كما أن الحديث عن «استقلالية المجتمع المدنى» يحتاج إلى مراجعة. فالاستقلالية لا تعنى ترك المهرجانات تواجه التضخم وارتفاع تكاليف السفر والإقامة ورسوم عرض الأفلام بمفردها، ولا تعنى أيضًا أن يصبح نجاح أى مهرجان مرهونًا بقدرته على جذب رعاة فى سوق ثقافية ضعيفة.المشكلة الحقيقية ليست فى مهرجان يحصل على دعم أكبر من آخر، وإنما فى غياب رؤية واضحة لتصنيف المهرجانات المصرية وفق معايير معلنة تشمل التاريخ، والاستمرارية، والحضور الدولى، والتأثير الجماهيرى، والدور الثقافى، والقدرة على تطوير الصناعة.وحتى يتحقق ذلك، سيظل الجدل يتكرر كل عام بين مهرجانات تطالب بزيادة الدعم، ولجنة تؤكد أنها لا تملك القرار، بينما تبقى الحقيقة الأهم أن الأزمة لم تعد أزمة أموال فقط، بل أزمة سياسة ثقافية كاملة، تحتاج إلى إعادة تعريف دور الدولة، ودور المجتمع المدنى، ومكانة المهرجانات السينمائية داخل المشروع الثقافى المصرى.فالمهرجانات ليست مجرد سجادة حمراء أو حفلات افتتاح وختام، بل مؤسسات ثقافية تمثل صورة مصر السينمائية أمام العالم، وأى سياسة دعم لا تنظر إلى المشهد بأكمله، من الإسكندرية المتوسطى إلى أسوان، ومن الفيلم القصير إلى المهرجانات المتخصصة، ستبقى عاجزة عن إنتاج منظومة عادلة ومستدامة. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت..


