بعد أن تعرفنا على كاميرات الصحافة، تلك الأداة القوية التي تتحمل قسوة الميدان، ننتقل الآن إلى نوع آخر مختلف تماماً، نوع لا يهمه السرعة ولا الحمل الخفيف، بل يهمه شيء واحد فقط: التحكم المطلق في كل تفصيل. إنها كاميرا الرؤية (View Camera).
هذه الكاميرا، بمنفاخها الطويل وقاعدتها الثقيلة، ليست موجهة للمصور الذي يريد التقاط صورة سريعة. إنها أداة المصور الذي يريد أن يبني صورته ببطء ودقة، كأنه نحات ينحت الصورة من الصخر. إنها الأداة المفضلة للمصورين المعماريين، ومصوري المنتجات، وكل من يريد تحكماً كاملاً في المنظور والتركيز.
في هذا الجزء، سنكتشف كيف تختلف كاميرا الرؤية عن كل ما سبقها. سنتعرف على حركاتها الفريدة (الرفع، الخفض، الدوران)، وكيف يمكنها تصحيح التشوهات المعمارية، وكيف تسمح بتركيز لا مثيل له. كما سنتعرف على أنواع الأفلام التي تستخدمها وأحجامها المختلفة.
كاميرا الرؤية (The View Camera)
كاميرا الرؤية هي الأداة التجارية القياسية. اشتُق اسمها من حقيقة أنها كانت تُستخدم على نطاق واسع، عند تقديمها لأول مرة، لتصوير المناظر أو landscapes. ومع ذلك، فقد حلّت محلها الآن إلى حد كبير الكاميرا المحمولة باليد لهذا الغرض. تظهر كاميرات الرؤية الحديثة في الشكلين 24 و 25.
كاميرا الرؤية كبيرة وضخمة مقارنة بالأنواع الأخرى، لكنها متفوقة في مجالها الخاص. لديها مجموعة أوسع من التعديلات والحركات من أي كاميرا أخرى، وحيثما يمكن استخدام كاميرا من نوع حامل ثلاثي القوائم، فهي الأكثر مرونة بين جميع الكاميرات.
تحتوي كاميرا الرؤية على امتداد منفاخ (Bellows extension) طويل بشكل غير عادي، بحيث يمكن استخدامها مع عدسات ذات أطوال بؤرية طويلة جداً، أو للعمل القريب مثل النسخ. يتحرك كل من مقدمة ومؤخرة الكاميرا على قضبان أو مسارات مسننة، بحيث يمكن تركيزها إما من الأمام أو من الخلف. بالنسبة للعمل واسع الزاوية، على سبيل المثال، يمكن سحب العدسة إلى الأمام بالكامل بحيث لا يكون سرير الكاميرا (Camera bed) في مجال الرؤية، ويتم التركيز عن طريق تحريك الكاميرا للخلف وللأمام.
كاميرا الرؤية مربعة الشكل مع ظهر قابل للعكس، بحيث يمكنها التقاط صور رأسية أو أفقية. كما تحتوي على مقدمة قابلة للارتفاع والانخفاض، والتي يمكن من خلالها رفع العدسة أو خفضها حسب الحاجة لالتقاط المزيد من الهدف في الأعلى أو الأسفل دون إمالة الكاميرا وإدخال تشوه في المنظور. كما يتأرجح الظهر إما رأسياً أو أفقياً. هذه الميزة مهمة في تصوير البورتريه وأساسية في التصوير المعماري، وسيتم مناقشتها بالتفصيل في الواجبات اللاحقة.تحتوي بعض كاميرات الرؤية أيضاً على مقدمة قابلة للتأرجح (Swing front)، بحيث يمكن تأرجح العدسة وكذلك الظهر في أي اتجاه. هذا يُعد وسيلة مريحة، لكنه ليس ضرورياً بشكل مطلق.
يتم التركيز دائماً على شاشة الزجاج المصنفر (Groundglass screen). وبما أن كاميرا الرؤية تُستخدم تجارياً بشكل عام، فإن الأحجام القياسية هي 4 × 5، و 5 × 7، و 8 × 10 بوصات.المادة الحساسة المستخدمة مع كاميرا الرؤية هي فيلم الصفائح (Sheet film)، على الرغم من أنه يمكن استخدام ألواح زجاجية لأنواع خاصة من العمل. يتم حمل فيلم الصفائح في حاملات أفلام (Film holders)، تحتوي كل منها على فيلمين منفصلين، واحد على كل جانب. يتم إدخال حامل الفيلم في مكانه أمام الزجاج المصنفر مباشرة قبل التعريض، ويتم سحب لوح واقٍ من الحامل لكشف الفيلم.كاميرا الرؤية هي بالتأكيد أداة حامل ثلاثي القوائم. إنها ثقيلة جداً وبطيئة جداً في الإعداد بالنسبة للتصوير السريع (Snapshot work)، ولذلك تُستخدم عموماً إما للتعريض الزمني أو للتعريضات اللحظية البطيئة نسبياً. كما أنها تستوعب مجموعة متنوعة من العدسات من واسعة الزاوية للغاية إلى العدسات المقربة الطويلة.
ختاماً
وهكذا نكون قد تعرفنا على كاميرا الرؤية (View Camera)، هذه الأداة الفريدة التي تمثل ذروة التحكم اليدوي في التصوير. تعلمنا أنها، على الرغم من حجمها وثقلها، تتفوق على جميع الكاميرات الأخرى في مجالها الخاص بفضل مرونتها المطلقة.
اكتشفنا كيف يمنحنا المنفاخ الطويل إمكانية استخدام عدسات مختلفة، وكيف تسمح لنا الحركات الأمامية والخلفية (الرفع، الخفض، التأرجح) بالتحكم الكامل في المنظور وتصحيح التشوهات، وهي ميزات لا غنى عنها في التصوير المعماري. كما تعرفنا على نظام فيلم الصفائح وحاملات الأفلام المزدوجة.
في المقال القادم، سننتقل إلى نوع آخر من الكاميرات، وهو النوع الذي يشبه كاميرا الرؤية لكنه مصمم خصيصاً للعمل داخل الاستوديو: كاميرا الاستوديو (Studio Camera). ثم سنقوم بإجراء مقارنة شاملة بين جميع أنواع الكاميرات التي تعرفنا عليها. فترقبوا الجزء القادم


