فدك تاريخيا وجغرافيا
فدك قرية تاريخية تقع شمال شرق المدينة المنورة، وتبعد عنها حوالي (215كم)، وشرق خيبر وتبعد عنها حوالي (160كم)، وهي تشكل حاليا الجزء الجنوبي الشرقي من محافظة الحائط في السعودية.
وفدك في اللغة النفش، تقول: فدكت القطن إذا نفشته.
وكانت فدك أرضا زراعية خصبة وذات مياه وفيرة، وكان سكانها من اليهود وبعض العرب في القرى المجاورة، وكانت بعض القرى كالشق والمجصة تحسب منها رغم بعدها عنها.
وأول تعرض إسلامي لها جرى في شعبان من السنة السادسة للهجرة، حيث أرسل النبي (ص) سرية بقيادة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وكان قد بلغ النبي (ص) أن بني سعد يتجمعون ليمدوا يهود خيبر، فسار الإمام علي (ع) في مائة رجل يسير الليل ويكمن في النهار حتى وصل الى المهج، فوجد جاسوسا للقوم يترقب الطريق بين خيبر وفدك، فألقى القبض عليه واستجوبه، فأخبره أن القوم في مئتي رجل عليهم وبر بن عليم، فعرض عليه أن يدلهم على معسكر القوم مقابل إطلاق سراحه، فمشى بهم في طريق في صحراء ثم جبال حتى وصلوا الى معسكر القوم، وكان القوم من بني سعد قد علموا من الرعاة بأمر السرية، ففروا، ووجد الإمام (ع) المعسكر خاليا فاستاق إبلهم ومواشيهم ووفى بها النبي (ص) (1).
وبعد خسارة اليهود لمواقعهم في المدينة وكذلك في خيبر تجمعوا في فدك، فأرسل لهم النبي (ص) محيصة بن مسعود يدعوهم إلى الإسلام ويخوفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر، فماطلوا في أول الأمر ظنا منهم بانتصار يهود خيبر، فلما انكشف الحال بمقتل مرحب وفتح خيبر، جاء وفد منهم مع محيصة يرأسه نون بن يوشع، وصالحوا النبي (ص) على أن تكون نصف أرض فدك لهم، ونصفه الآخر بتربتها لرسول الله (ص)، أي الأرض والشجر (2).
فأرض فدك مما لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، فهي ملك خاص لرسول الله (ص)، يقول تعالى: ((وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء)) (3)
وقد وهبها (ص) لابنته الزهراء (ع) لئلا تحتاج ماديا هي وأسرتها لأحد، لكن الخليفة الأول صادر تلك الأرض بحجة أن فاطمة ليس لديها شهود، وأن الأرض إنما هي لأبناء السبيل وسائر فقراء المسلمين وليست ملكا خاصا.
ولو لم تكن ملكا خاصا لما أعادها عمر على أسرة الرسول (ص) وأقاربه، قال ياقوت: ((أن النبي (ص) لما نزل خيبر وفتح حصونها … وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله (ص) أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك ، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله (ص) وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة، وهي التي قالت فاطمة (ع): إن رسول الله (ص) نحلنيها، فقال أبو بكر: أريد لذلك شهودا..
ثم أدى اجتهاد عمر ابن الخطاب بعده لما ولي الخلافة وفتحت الفتوح واتسعت على المسلمين أن يردها إلى ورثة رسول الله (ص) فكانت لعلي بن أبي طالب (ع) والعباس بن عبد المطلب (4).
وأخفى ياقوت أن عثمان، وقيل: معاوية أخذها من ورثة الرسول بعد ذلك وأعطاها نحلة لمروان بن الحكم، فكانت بأيدي أبناء مروان، حتى جاء عمر بن العزيز فكتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة (ع)، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها فلم تزل في أيدي بني أمية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. فكان هو القيم عليها يفرقها في بني علي بن أبي طالب. (5)، وهذا دليل آخر يدل على أنها كانت ملكا للزهراء (ع)، ولو لم تكن كذلك لما حق لعمر بن عبد العزيز أن يهب أموال المسلمين لأحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغازي للواقدي، ج1، ص562.
(2) المصدر السابق، ج2، ص707.
(3) الحشر، الآية/6.
(4) معجم البلدان، ج4، ص239.
(5) ينظر: المختصر في أخبار البشر، ج1، 169، والطبقات، ج5، ص388.
(6) معجم البلدان نفس الجزء والصفحة
#د. عبد الهادي الطهمازي#مجلة ايليت فوتو ارت. لف


