أنطولوجيا الصورة التوليدية: من الأصل والأثر إلى الخوارزمية والمحاكاة..موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة- ج7 – إعداد: فريد ظفور.

متابعة الجزء السابع بوصفه انتقالًا من تاريخ الصورة إلى سؤال وجودها نفسه، مع الحفاظ على الخط الفلسفي المتدرج الذي بنيت عليه الأجزاء السابقة.

موسوعة كرونولوجيا الصورة والفن والذاكرة
الجزء السابع
أنطولوجيا الصورة التوليدية: من الأصل والأثر إلى الخوارزمية والمحاكاة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
تمهيد: عندما لم يعد للصورة أصلٌ واحد
في تاريخ الصورة الطويل، ظل هناك سؤال يبدو بديهيًا: من أين جاءت الصورة؟
كانت اللوحة تأتي من يد الفنان، والصورة الفوتوغرافية تأتي من الضوء المنعكس عن العالم، والفيلم الكيميائي يحتفظ بأثر فيزيائي لما مر أمام العدسة، ثم جاءت الصورة الرقمية لتتحول إلى بيانات، وأصبحت الصورة الحاسوبية نتيجة عمليات حسابية.
أما اليوم، ومع ظهور الصورة التوليدية بالذكاء الاصطناعي، فإن السؤال يتغير جذريًا:
هل ما زالت للصورة نقطة أصل واحدة؟
الصورة التي ينتجها نموذج توليدي قد لا تكون قد التقطت من أمام كاميرا، ولا رسمها إنسان بيده، ولا نشأت من مشهد موجود أصلًا. إنها قد تكون نتيجة تفاعل بين نص، وبيانات تدريب، ونموذج رياضي، واحتمالات إحصائية، وخوارزميات، وقدرة حاسوبية، وقرار بشري.
وهنا لا تعود الصورة مجرد أثر لشيء كان موجودًا، بل يمكن أن تصبح احتمالًا لشيء لم يوجد أصلًا.
وهذه هي اللحظة التي تدخل فيها الصورة إلى مرحلة أنطولوجية جديدة.
أولًا: من الصورة بوصفها أثرًا إلى الصورة بوصفها احتمالًا
يمكن اختزال المسار التاريخي للصورة في سلسلة معرفية وفلسفية شديدة الدلالة:
الصورة الفوتوغرافية → أثر
الصورة الرقمية → بيانات
الصورة الحاسوبية → حساب
الصورة التوليدية → احتمال
في التصوير الفوتوغرافي التقليدي، كان هناك اتصال مادي بين الضوء والموضوع والحسّاس أو الفيلم.
فالضوء القادم من العالم يعبر العدسة، ثم يترك أثرًا على مادة حساسة.
كانت الصورة تقول، بدرجات متفاوتة:
هذا الضوء مرّ من هنا.
أما الصورة الرقمية فقد أزاحت المادة الكيميائية لتحل محلها بنية رقمية: أرقام، عينات، قنوات لونية، بكسلات، وبيانات.
ثم جاءت الصورة الحاسوبية، فأصبحت الصورة قابلة لأن تُبنى من خلال عمليات حسابية لا تقتصر على تسجيل الواقع، بل تستطيع إعادة تشكيله.
وفي الصورة التوليدية تحدث القفزة الأكبر:
لم تعد الآلة بحاجة إلى أن ترى العالم كي تنتج صورة عنه.
يمكنها أن تنتج صورة لمدينة لم تُبنَ، وشخص لم يولد، وحدث لم يقع، ومشهد لم تقم له واقعة مادية.
وهنا تنتقل الصورة من منطق الأثر إلى منطق الاحتمال.
ثانيًا: أزمة الأصل
كان مفهوم الأصل من أكثر المفاهيم استقرارًا في تاريخ الصورة.
للصورة الفوتوغرافية أصلٌ مادي: موضوع أمام العدسة.
وللصورة السينمائية أصلٌ تصويري: مشهد جرى تسجيله.
وللوثيقة البصرية أصلٌ تاريخي: واقعة أو شخص أو مكان.
لكن الصورة التوليدية تفتح احتمالًا مختلفًا:
ماذا لو لم يكن هناك أصل مرئي للصورة؟
إذا طلب المستخدم من النظام توليد:
“رجل مسن يقف أمام محطة قطار في مدينة عربية عام 1930”
فالصورة الناتجة قد تبدو وكأنها وثيقة تاريخية، لكنها ليست تسجيلًا لرجل كان هناك، ولا لمحطة جرى تصويرها في ذلك التاريخ.
إنها بناء احتمالي يستند إلى أنماط تعلمتها الخوارزمية من كم هائل من الصور والبيانات.
وهنا يصبح علينا أن نفرق بين:
أصل الصورة
و
أصل المعلومات التي ساهمت في توليدها.
الصورة ليس لها بالضرورة أصل واحد، وإنما شبكة من الأصول غير المرئية:
البيانات، الصور السابقة، النص، النموذج، الخوارزمية، الحوسبة، والمستخدم.
ومن هنا تبدأ فكرة جديدة:
الصورة التوليدية ليست بلا أصل، وإنما ذات أصول متعددة وغير مباشرة.
ثالثًا: الأثر الفوتوغرافي أمام الأثر الخوارزمي
الصورة الفوتوغرافية التقليدية تقوم على علاقة أثرية بين العالم والصورة.
هناك شيء في العالم يؤثر في وسيط التسجيل.
أما الصورة التوليدية فتنتج أثرًا من نوع مختلف:
أثر الخوارزمية.
ليس أثرًا مباشرًا لحدث، بل أثرًا لعمليات حسابية واحتمالية.
وهنا تظهر ثنائية فلسفية جديدة:
الأثر الفيزيائي
ضوء → مادة حساسة → صورة.
الأثر الرقمي
ضوء → مستشعر → بيانات → صورة.
الأثر التوليدي
بيانات → نموذج → احتمال → حساب → صورة.
وهذا التحول ليس تقنيًا فقط.
إنه تحول في أنطولوجيا الصورة نفسها.
فالصورة الفوتوغرافية كانت مرتبطة بسؤال:
ماذا كان أمام الكاميرا؟
بينما الصورة التوليدية تدفعنا إلى سؤال:
ما الذي جعل الخوارزمية قادرة على اقتراح هذه الصورة؟
رابعًا: الصورة الرقمية — عندما أصبحت الصورة بيانات
لم تعد الصورة الرقمية شيئًا ماديًا بالمعنى التقليدي.
إنها في جوهرها مجموعة من القيم الرقمية التي يمكن تخزينها، نسخها، نقلها، تعديلها، ضغطها وإعادة تركيبها.
البكسل ليس مجرد نقطة مرئية.
إنه قيمة رقمية قابلة للمعالجة.
ومن هنا أصبحت الصورة:
قابلة للقراءة بواسطة الآلة.
لم تعد العين وحدها قارئ الصورة.
دخل الحاسوب إلى عملية القراءة، ثم إلى عملية المعالجة، ثم إلى عملية الإنشاء.
وهكذا انتقلنا من:
صورة يراها الإنسان
إلى:
بيانات تستطيع الآلة أن تقرأها.
وهذا التحول مهّد بصورة مباشرة تقريبًا للمرحلة التوليدية.
خامسًا: الصورة الحاسوبية — عندما أصبحت الصورة عملية حسابية
مع التصوير الحاسوبي لم تعد الكاميرا مجرد جهاز تسجيل.
أصبحت جهازًا يحسب.
HDR، دمج التعريضات، التصوير الليلي، إزالة الضوضاء، التوضيح، التركيب متعدد الإطارات، الحسابات اللونية، استعادة التفاصيل، العزل البرمجي، وغيرها، كلها أمثلة على انتقال الصورة من التسجيل المباشر إلى المعالجة الحسابية.
وهنا بدأت الحدود بين:
ما التقطته الكاميرا
و
ما حسبه الحاسوب
تصبح أكثر تعقيدًا.
الصورة لم تعد نتيجة لحظة واحدة فقط.
قد تصبح نتيجة عشرات أو مئات العمليات الحسابية.
وبذلك أصبحت الكاميرا الحديثة أقرب إلى:
مختبر حسابي صغير لإنتاج الصورة.
سادسًا: الصورة التوليدية — عندما أصبحت الصورة احتمالًا
هنا تقع القفزة الأنطولوجية الكبرى.
في التصوير التقليدي:
الواقع → الضوء → الكاميرا → الصورة
أما في الصورة التوليدية:
النص/الفكرة → النموذج → الاحتمالات → الحساب → الصورة
أي أن الواقع الخارجي لم يعد شرطًا لازمًا لوجود الصورة.
وهذا يخلق نوعًا جديدًا من الصور:
صورة لا تشير بالضرورة إلى شيء حدث.
بل قد تشير إلى:
شيء يمكن أن يحدث، أو يمكن تخيله، أو يمكن احتماله.
ومن هنا يمكن القول إن الصورة التوليدية تنقل الصورة من تمثيل الموجود إلى توليد الممكن.
سابعًا: من الفهرسة إلى التنبؤ
كانت الصورة الفوتوغرافية تقول:
هذا كان هنا.
والصورة الرقمية تقول:
هذا محفوظ في شكل بيانات.
أما الصورة التوليدية فتقول، ضمنيًا:
هذا شكل محتمل لما يمكن أن يكون.
وهنا تتغير العلاقة بين الصورة والزمن.
الصورة الفوتوغرافية التقليدية تتجه غالبًا إلى الماضي.
الصورة التوليدية يمكن أن تتجه إلى:
الماضي المتخيل، والحاضر المعاد بناؤه، والمستقبل المحتمل.
إنها تستطيع إنتاج صور لأحداث تاريخية لم تُصوّر، أو تخيلات مستقبلية، أو عوالم غير موجودة.
وهكذا تصبح الصورة أداة ليست لتسجيل الذاكرة فقط، بل لصناعة ذاكرة محتملة.
ثامنًا: الحقيقة — من «هل حدث؟» إلى «كيف أُنتج؟»
هنا تصل أنطولوجيا الصورة إلى أحد أخطر أسئلتها.
عندما نرى صورة فوتوغرافية، كان السؤال التقليدي:
هل ما نراه حدث فعلًا؟
أما في عصر الصورة التوليدية فيصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
كيف أُنتجت هذه الصورة؟
ثم:
بأي بيانات؟
بأي نموذج؟
بأي تدخل بشري؟
وبأي عمليات حسابية؟
وبالتالي تنتقل الحقيقة من كونها خاصية مرئية في الصورة إلى كونها سلسلة منشأ وإنتاج وتحقق.
لم تعد العين وحدها كافية.
نحتاج إلى:
السياق، والبيانات الوصفية، ومصدر الصورة، وسجل التعديل، وسلسلة المنشأ الرقمي، وأدوات التحقق.
وهكذا يصبح مستقبل الصورة مرتبطًا بمستقبل أخلاقيات المصدر.
تاسعًا: الوثيقة في عصر الصورة التوليدية
كانت الوثيقة البصرية تقوم على علاقة قوية بين الصورة والواقعة.
لكن عندما يستطيع النظام توليد صورة مقنعة لواقعة لم تحدث، يصبح السؤال:
هل يمكن للصورة وحدها أن تبقى وثيقة؟
الجواب المنهجي يقتضي التمييز بين:
الصورة بوصفها وثيقة لحدث
و
الصورة بوصفها وثيقة على إنتاج رقمي.
الصورة التوليدية قد لا تكون وثيقة للحدث الذي تمثله، لكنها قد تكون وثيقة على:
تصور صاحبها.
العملية الإبداعية.
النموذج المستخدم.
البيانات التي استند إليها الإنتاج.
اللحظة التاريخية التي أنتجت فيها.
علاقة الإنسان بالآلة.
وهنا تظهر صيغة جديدة:
الصورة قد تفقد صفتها كوثيقة للواقع، لكنها تكتسب صفة الوثيقة على عصرها.
عاشرًا: أزمة المؤلف
من هو مؤلف الصورة التوليدية؟
هل هو الشخص الذي كتب النص؟
أم مصمم النموذج؟
أم مطورو الخوارزمية؟
أم المؤسسات التي أنتجت النظام؟
أم أصحاب البيانات التي تعلم منها؟
أم الآلة نفسها؟
المشكلة أن مفهوم المؤلف في الفن التقليدي كان مرتبطًا بدرجة كبيرة باليد والاختيار والقرار.
لكن الصورة التوليدية توزع عملية الإنتاج بين أطراف متعددة.
ولهذا يمكن تصور المؤلف التوليدي بوصفه شبكة:
الإنسان + النموذج + البيانات + الخوارزمية + الحوسبة + الاختيار.
وهذا لا يعني اختفاء الإنسان من العملية.
بل يعني أن مفهوم التأليف نفسه أصبح أكثر تركيبًا.
الحادي عشر: هل الآلة مؤلف؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يخفي سؤالًا فلسفيًا أعمق:
ما الذي نعنيه أصلًا بالتأليف؟
إذا كان التأليف يعني إنتاج أثر جديد من خلال قرار وقصد، فإن الأنظمة التوليدية تفرض علينا إعادة التفكير في الحدود بين:
القصد، والاقتراح، والتنفيذ، والاختيار.
فالآلة لا تعمل بمعزل عن منظومة صممها البشر، لكنها أيضًا لا تنفذ كل صورة بطريقة محددة مسبقًا كآلة ميكانيكية بسيطة.
إنها تنتج احتمالات وتختار أو تحسب مسارات وفق نموذج رياضي.
لذلك قد يكون السؤال الأكثر دقة ليس:
هل الذكاء الاصطناعي مؤلف؟
بل:
كيف يتوزع التأليف بين الإنسان والنظام؟
الثاني عشر: الذاكرة الاصطناعية
إذا كانت الذاكرة الإنسانية تحفظ الخبرات، فإن النماذج التوليدية تتعلم من كميات ضخمة من البيانات.
لكن ينبغي الحذر من مساواة الأمرين.
النموذج لا يمتلك ذاكرة بشرية بالمعنى النفسي.
إنه يعمل من خلال تمثيلات وأنماط وعلاقات رياضية تعلمها أثناء التدريب.
ومع ذلك، فإن هذه البنية تطرح سؤالًا ثقافيًا بالغ الأهمية:
ماذا يحدث عندما تصبح الآلة قادرة على إعادة تركيب آثار الثقافة البشرية؟
يمكنها إعادة إنتاج أنماط فنية، ومفردات بصرية، وتكوينات، وأشكالًا جمالية، ومظاهر تاريخية.
وهكذا تدخل الثقافة البشرية في مرحلة جديدة:
الذاكرة لم تعد محفوظة في الأرشيف وحده، بل أصبحت قابلة لإعادة التوليد حسابيًا.
الثالث عشر: الهوية — عندما يمكن توليد شخص لم يوجد
الصورة كانت تاريخيًا وسيلة قوية لتثبيت الهوية.
صورة الهوية الشخصية، الصورة العائلية، الصورة الصحفية، الصورة التاريخية، كلها تربط شخصًا أو جماعة بوجود مرئي.
لكن الصورة التوليدية تستطيع إنتاج وجه بشري لا يعود إلى شخص حقيقي بعينه.
وهنا يظهر مفهوم:
الهوية الاصطناعية.
يمكن أن يكون الوجه واقعيًا للغاية، لكنه لا يشير إلى إنسان محدد.
وهذا يفرض الفصل بين:
الوجه
و
الشخص.
فليس كل وجه في صورة هويةً، وليس كل صورة لشخص دليلًا على وجود ذلك الشخص في المكان أو الزمان الذي توحي به الصورة.
الرابع عشر: المحاكاة — من تمثيل العالم إلى بناء عالم بديل
هنا نستعيد سؤال المحاكاة الذي شغل الفلسفة والفكر البصري طويلًا.
كانت الصورة تحاكي العالم.
ثم أصبحت الصورة تعيد تفسيره.
أما اليوم فقد تستطيع الصورة بناء عالم لا يحتاج إلى وجود سابق خارجها.
وهنا تظهر مستويات مختلفة:
تمثيل الواقع
ثم
محاكاة الواقع
ثم
إعادة تركيب الواقع
ثم
توليد واقع بصري محتمل.
وهذه المرحلة الأخيرة هي التي تجعل الصورة التوليدية نقطة التقاء بين:
الفن، والفلسفة، والسينما، والتصوير، والبرمجة، والبيانات، والذكاء الاصطناعي.
الخامس عشر: من «الصورة عن الواقع» إلى «واقع الصورة»
ربما يكون هذا أحد أهم التحولات في تاريخ الصورة.
في البداية كانت الصورة تسأل:
كيف أمثل الواقع؟
ثم:
كيف أسجل الواقع؟
ثم:
كيف أعالج الواقع؟
ثم:
كيف أحاكي الواقع؟
أما الآن فيمكن أن يصبح السؤال:
كيف أبني واقعًا بصريًا مستقلًا؟
وهنا تنتقل الصورة من كونها مرآة للعالم إلى كونها عنصرًا مشاركًا في تشكيل العالم الذي نتخيله ونصدقه ونتداوله.
السادس عشر: الصورة بوصفها كائنًا خوارزميًا
الصورة التوليدية ليست ملفًا فقط.
وراء الملف منظومة من:
البيانات، والنموذج، والأوزان، والخوارزميات، والتعليمات، والحسابات، والمعالجة، والواجهة، والاختيارات البشرية.
ولهذا يمكن النظر إليها بوصفها:
كائنًا خوارزميًا.
أي أن وجودها النهائي لا ينفصل تمامًا عن الطريقة التي أُنتجت بها.
ومن هنا يظهر مفهوم مهم:
أنطولوجيا العملية.
فوجود الصورة لا يقتصر على الناتج المرئي، بل يشمل مسار إنتاجها.
السابع عشر: الصورة لم تعد نهائية
في التصوير الكيميائي كان الفيلم هو وسيط التسجيل، ثم أصبحت الصورة المطبوعة أثرًا ثابتًا نسبيًا.
أما الصورة الرقمية فأصبحت قابلة للتعديل بلا نهاية تقريبًا.
وفي البيئة التوليدية يصبح الأمر أكثر جذرية:
الصورة يمكن أن يعاد توليدها مرات عديدة.
يمكن تغيير:
الوجه،
الضوء،
الملابس،
الخلفية،
العمر،
الزمن،
المكان،
الأسلوب،
التكوين.
وبذلك تصبح الصورة:
عملية مستمرة بدل أن تكون نتيجة نهائية.
الثامن عشر: من «اللحظة الحاسمة» إلى «الاحتمال الحاسم»
في التصوير الفوتوغرافي ارتبطت الصورة بلحظة الالتقاط.
لحظة يختار فيها المصور:
المكان،
الزاوية،
الضوء،
التوقيت،
والإطار.
أما في الصورة التوليدية، فقد تصبح اللحظة الحاسمة هي:
لحظة اختيار الاحتمال.
أي أن الفنان أو المستخدم لا يلتقط بالضرورة شيئًا موجودًا، وإنما يختار من فضاء واسع من الإمكانات البصرية.
ومن هنا يظهر مفهوم جديد:
المصور ـ المولِّد.
ليس بالضرورة من يصنع كل بكسل، وإنما من يصوغ الفكرة، ويحدد القصد، ويختار الناتج، ويحرره، ويمنحه سياقه ومعناه.
التاسع عشر: هل الصورة التوليدية فن؟
هذا السؤال لا يمكن اختزاله في إجابة نعم أو لا.
فالفن ليس مجرد أداة إنتاج.
هناك:
الفكرة، والقصد، والاختيار، والسياق، والتكوين، والدلالة، والتجربة الجمالية.
والذكاء الاصطناعي يضيف إلى هذه العناصر طبقة جديدة:
النظام التوليدي.
لذلك فإن السؤال الأعمق ليس:
هل تستطيع الآلة أن تصنع فنًا؟
بل:
كيف يعاد تعريف الممارسة الفنية عندما تدخل الآلة التوليدية في عملية الإبداع؟
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الفن، لا لأن الإنسان اختفى، بل لأن العلاقة بين الإنسان والأداة تغيّرت مرة أخرى.
العشرون: الحقيقة في عصر الصورة التي لم تحدث
أخطر ما في الصورة التوليدية ليس قدرتها على إنتاج صور جميلة.
بل قدرتها على إنتاج صور مقنعة.
وهنا تكمن المسألة الأخلاقية والمعرفية.
فالصورة المقنعة ليست بالضرورة صورة صحيحة.
والواقعية البصرية ليست دليلًا على الواقعة.
ومن هنا ينبغي أن نميز بين:
الواقعية البصرية
و
الحقيقة المرجعية.
قد تبدو الصورة حقيقية من حيث الشكل، لكنها غير حقيقية من حيث المرجع.
وهذه واحدة من أهم القواعد التي يجب أن يتعلمها الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي:
التشابه مع الواقع لا يساوي وقوع الواقع.
الحادي والعشرون: من الصورة إلى «سلسلة الثقة»
في عصر الصورة التوليدية، لن يكون السؤال:
هل الصورة جميلة؟
فقط.
ولا:
هل تبدو حقيقية؟
بل:
ما مصدرها؟
كيف أُنتجت؟
هل عُدّلت؟
هل هناك أصل فوتوغرافي؟
هل يمكن التحقق من تاريخها؟
ما مقدار تدخل الذكاء الاصطناعي فيها؟
وهكذا تصبح للصورة المستقبلية طبقة جديدة يمكن تسميتها:
سلسلة الثقة البصرية.
أي سلسلة الأدلة التي تسمح لنا بفهم منشأ الصورة وتحولاتها.
الثاني والعشرون: نحو أنطولوجيا جديدة للصورة
إذا جمعنا التحولات السابقة، فإننا نصل إلى سلسلة فلسفية يمكن أن تختصر جزءًا كبيرًا من تاريخ الصورة:
الصورة المرسومة = أثر اليد
الصورة الفوتوغرافية = أثر الضوء
الصورة السينمائية = أثر الزمن
الصورة الرقمية = أثر البيانات
الصورة الحاسوبية = أثر الحساب
الصورة التوليدية = أثر الاحتمال
وهنا تصبح المسألة أكثر عمقًا:
إذا كان التصوير الفوتوغرافي قد جعل الضوء قادرًا على تسجيل العالم، فإن الذكاء الاصطناعي يجعل الاحتمال قادرًا على إنتاج عالم بصري.
وهذه ليست مجرد قفزة تقنية.
إنها قفزة في مفهوم الوجود البصري ذاته.
الثالث والعشرون: المعادلة الجديدة للصورة
يمكن صياغة المسار الأنطولوجي للصورة في صورة معادلة مفاهيمية:
الواقع → الضوء → الأثر → البيانات → الحساب → الاحتمال → المحاكاة → الصورة
وفي مرحلة أقدم كان الاتجاه:
العالم ينتج الصورة.
أما اليوم فقد أصبح الاتجاه ممكنًا بالعكس:
الصورة تستطيع أن تنتج تصورًا للعالم.
وهذا هو أحد أكبر التحولات في تاريخ الثقافة البصرية.
الرابع والعشرون: من «من التقط الصورة؟» إلى «من بنى إمكانها؟»
كان السؤال الصحفي التقليدي:
من التقط الصورة؟
ثم أصبح:
من صورها؟
وفي المستقبل قد يصبح السؤال:
من صاغ إمكان وجودها؟
لأن الصورة التوليدية نتيجة شبكة من الفاعلين:
الإنسان،
المبرمج،
النموذج،
البيانات،
الخوارزمية،
الحاسوب،
والسياق الثقافي.
وبذلك ينتقل مفهوم المؤلف من شخص واحد إلى شبكة إنتاج.
الخامس والعشرون: الصورة بين الإنسان والآلة
لكن مهما تطورت الخوارزمية، يبقى سؤال المعنى مفتوحًا.
فالآلة تستطيع توليد الصورة، لكنها لا تلغي حاجة الإنسان إلى:
التفسير،
والاختيار،
والسياق،
والقيمة،
والذاكرة،
والمسؤولية.
ومن هنا يمكن تصور العلاقة الجديدة لا بوصفها:
إنسان ضد آلة
ولا:
آلة بدل الإنسان
بل:
إنسان + آلة = نظام جديد لإنتاج الصورة.
وهذا النظام نفسه يحتاج إلى نقد فلسفي وأخلاقي وجمالي.
السادس والعشرون: الصورة التوليدية وولادة «الواقع الجديد»
نحن لا نعيش فقط في عالم تنتشر فيه الصور.
بل نعيش في عالم أصبحت فيه الصور قادرة على المشاركة في صناعة ما نعتقد أنه واقع.
الإعلان، السينما، الصحافة، التعليم، التاريخ البصري، المتاحف، وسائل التواصل، الهوية الرقمية، والاتصال الجماهيري، كلها تتأثر بهذا التحول.
ولهذا فإن الصورة التوليدية ليست مجرد تقنية جديدة لصناعة الصور.
إنها:
تقنية جديدة لصناعة الاحتمالات البصرية.
ومن يملك القدرة على صناعة الاحتمالات البصرية يمتلك جزءًا من القدرة على التأثير في الذاكرة والتخيل والتصور الجمعي.
السابع والعشرون: سؤال ما بعد الصورة
ربما نكون قد وصلنا إلى لحظة يصبح فيها مصطلح الصورة نفسه بحاجة إلى إعادة تعريف.
فما الصورة؟
هل هي أثر؟
أم ملف؟
أم بيانات؟
أم تمثيل؟
أم حساب؟
أم احتمال؟
أم محاكاة؟
أم ذاكرة؟
أم خطاب؟
أم عالم بصري مستقل؟
ربما لا يوجد جواب واحد.
وربما تكون الصورة الحديثة كل هذه الأشياء في الوقت نفسه، بحسب السياق الذي توجد فيه.
الثامن والعشرون: نحو «أنطولوجيا الصورة التوليدية»
يمكن تأسيس هذه الأنطولوجيا على مجموعة من المفاهيم المركزية:
الأصل — ما الذي تبدأ منه الصورة؟
الأثر — ما الذي تتركه الواقعة أو الآلة في الصورة؟
البيانات — ما المادة الجديدة للصورة الرقمية؟
الخوارزمية — ما النظام الذي ينظم عملية إنتاجها؟
الاحتمال — كيف تظهر الصورة من فضاء الإمكانات؟
المحاكاة — ماذا يعني أن تكون الصورة شبيهة بالواقع؟
الحقيقة — ما العلاقة بين الصورة والواقعة؟
الوثيقة — متى تكون الصورة دليلًا؟
المؤلف — من يملك القرار الإبداعي؟
الآلة — أين ينتهي دور الأداة ويبدأ النظام التوليدي؟
الذاكرة — ماذا يحدث عندما تصبح الصور قابلة لإعادة التوليد؟
الهوية — كيف نميز الإنسان الحقيقي من الشخصية المصطنعة؟
الواقع الجديد — كيف تشارك الصورة في بناء تصورنا للعالم؟
خاتمة: عندما أصبحت الصورة سؤالًا عن الوجود
بدأت رحلة الصورة من أثر اليد على جدار الكهف.
ثم أصبحت أثرًا للضوء على الفيلم.
ثم تحولت إلى بيانات رقمية.
ثم أصبحت عملية حسابية.
واليوم أصبحت قادرة على أن تكون احتمالًا بصريًا لشيء لم يكن موجودًا.
وهنا تصل كرونولوجيا الصورة إلى نقطة تتحول فيها من التاريخ إلى الفلسفة.
لم يعد السؤال:
كيف نصنع الصورة؟
بل:
ما الذي يعنيه أن توجد صورة؟
ولم يعد السؤال:
ماذا صورت الكاميرا؟
بل:
هل كانت هناك واقعة أصلًا؟
ولم يعد السؤال:
من هو المصور؟
بل:
من هو المؤلف عندما تتشارك في إنتاج الصورة إرادة الإنسان وبيانات الماضي وخوارزمية الحاضر وقدرة الآلة؟
ولم يعد السؤال:
هل الصورة حقيقة؟
بل:
ما نوع الحقيقة التي تستطيع الصورة أن تنتجها؟
هنا تحديدًا تبدأ أنطولوجيا الصورة التوليدية.
إنها اللحظة التي تنتقل فيها الصورة من كونها أثرًا للعالم إلى كونها شريكًا في تخيل العالم وصياغة احتمالاته.
ومن ثم فإن تاريخ الصورة لم يعد تاريخًا للأجهزة والمواد والتقنيات فقط، بل أصبح تاريخًا لتحول مفهوم الوجود البصري نفسه:
من الأصل إلى الأثر،
ومن الأثر إلى البيانات،
ومن البيانات إلى الحساب،
ومن الحساب إلى الاحتمال،
ومن الاحتمال إلى المحاكاة،
ومن المحاكاة إلى واقع بصري جديد.
وهنا تقف الصورة أمام الإنسان للمرة الأولى تقريبًا لا باعتبارها مرآة لما حدث، بل باعتبارها قدرة على اقتراح ما كان يمكن أن يحدث، وما يمكن أن يحدث، وما قد لا يحدث أبدًا لكنه يستطيع أن يبدو وكأنه حدث.
وهذه هي المفارقة الكبرى في عصر الصورة التوليدية:
كلما ازدادت الصورة قدرةً على محاكاة الحقيقة، ازدادت حاجتنا إلى السؤال عن الحقيقة التي تقف وراءها.
ومن هنا يفتح الجزء السابع الطريق إلى سؤال الجزء التالي:
إذا كانت الصورة تستطيع الآن أن تُولِّد واقعًا بصريًا لم يوجد، فماذا يحدث للإنسان عندما تصبح الصورة قادرة على إعادة بناء ذاكرته، وهويته، وتاريخه، ووجهه، وربما تصوره عن العالم؟
هناك تبدأ مرحلة جديدة:
الإنسان بعد الصورة: الذاكرة، الهوية، الواقع الاصطناعي، والوعي البصري في عصر الذكاء الاصطناعي.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
بهذا يصبح الجزء السابع حلقة فلسفية متماسكة مع الأجزاء السابقة، ويؤسس مباشرة للانتقال من أنطولوجيا الصورة إلى سؤال الإنسان الذي يعيش داخل عالم من الصور القابلة للتوليد والمحاكاة.

أخر المقالات

منكم وإليكم