قراءة في لوحة «عندما تمطر الحرية»،للدكتور الفنان سلام جبار.

بين الاحتماء والانكشاف

في لوحة «عندما تمطر الحرية»، يحوّل الدكتور سلام جبار مشهداً مزدحماً بالأجساد والمظلات إلى بناء تشكيلي تتفاعل فيه الحركة والكتلة واللون، لتتجاوز دلالاته حدود المشهد اليومي نحو سؤال جوهري: لماذا يخشى الإنسان الحرية التي يمكن أن تمنحه خلاصه؟ تنبع قوة العمل من التقاء بنائه البصري بمضمونه الإنساني، ومن تحويل المطر إلى اختبار يكشف الفرق بين من يستسلم للخوف ومن يجرؤ على مواجهته.
يقوم التكوين على حشد كثيف يحتل القسم السفلي، تتداخل فيه الأجساد وتتقاطع اتجاهاتها، بينما ينفتح الجزء العلوي على شخصيات أقل عدداً وأكثر انكشافاً. ويخلق هذا التوزيع توازناً بين الثقل الأفقي للجماعة والامتداد الرأسي للمشهد، من دون أن يفقد السطح وحدته. فالعين تنتقل بين المظلات والأجساد والبقع اللونية في مسارات متشابكة، تعكس اضطراب الحركة وتمنح اللوحة إيقاعاً متواصلاً.
وتتجلى إحدى أبرز نقاط القوة الفنية في توظيف المظلات. فتكرار أشكالها المستديرة والمضلعة، واختلاف أحجامها وميولها، يصنع إيقاعاً بصرياً غنياً، ويحول ازدحام العناصر إلى شبكة مترابطة. لكنها، إلى جانب وظيفتها التشكيلية، تكشف عن جماعة تتشابه استجاباتها تحت وطأة الخوف، حتى يبدو الاحتماء سلوكاً عاماً يحدّ من حرية الحركة والاختيار.
لونياً، تتقابل الرماديات والبنفسجيات والدرجات الترابية مع الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر. ويؤدي هذا التضاد دوراً بنائياً في توزيع الكتل وتوجيه النظر؛ إذ يبرز الفستان الأحمر وسط الحشد، فيما تمنح المظلة الصفراء المشهد العلوي نقطة جذب مضيئة. ولا يقتصر اللون على تنشيط السطح، بل يميز بين مناطق الثقل والانفتاح، ويعزز التوتر الذي يحكم التكوين.
وتتعمق دلالة الحرية من خلال اختلاف سلوك الشخصيات. فالرجل الذي يغطي رأسه بجريدة، رغم ابتلال قميصه، يجسد مفارقة الاحتماء العاجز؛ إذ لا تمنع وسيلته المطر، لكنها تكشف تمسكه بها. وفي المقابل، تمد فتاة يدها لتستقبل قطراته، مخالفةً حركة الحشد الخائف. هنا تتحول حركة بسيطة إلى موقف إنساني واضح: الحرية تبدأ حين يتوقف الإنسان عن اعتبار كل ما يجهله تهديداً، ويمنح نفسه حق التجربة والاختيار.
أما الشخصية الجالسة في أعلى اللوحة، فوق قطعة من الجينكو الصدئ، والمتحصنة بمظلة ذهبية، فتبدو كأنها تحذر الجماعة من مطر الحرية. ويحمل الجينكو ذاكرة الفقر والحروب وبيوت التجاوز التي عرفها العراقيون، لكنه يتحول في التكوين إلى ما يشبه بساط الريح الذي يرفع صاحبه فوق الآخرين. تنشأ هنا مفارقة حادة: مادة تستحضر البؤس تصبح قاعدة لموقع متعالٍ، فيما يوحي الصدأ بهشاشة هذا الارتفاع. ويمكن قراءة الشخصية بوصفها تجسيداً لسلطة تستمد بقاءها من الخوف والتجهيل، وتخشى أن يتحرر الناس من خطابها.
وتمنح الخلفية الحجرية، بخطوطها الداكنة وكتلها غير المنتظمة، المشهد صلابة تقابل مرونة الأجساد واضطرابها. ويكشف هذا التضاد عن قدرة الفنان على توظيف العلاقات الشكلية لخدمة الفكرة، بدلاً من الاكتفاء بسردها.
إن أهمية الحرية في هذه اللوحة لا تكمن في كونها وعداً بالخلاص فحسب، بل في كونها شرطاً لاستعادة الإنسان حقه في التفكير والاختيار ومواجهة السلطة التي تصادر إرادته. فالحرية لا تبدأ حين ينقشع المطر، بل حين يكتشف الإنسان أن خوفه منه قد يكون القيد الحقيقي؛ وأن أول خطوة نحو التحرر هي أن يمد يده إلى ما أُقنع طويلاً بأنه ينبغي أن يخشاه.
بطاقة بيانات العمل الفني: الدكتور سلام جبار، «عندما تمطر الحرية» ،2026 ،أكريليك على قماش 220 × 168 سم.

اعداد : #ماجد قره 16/10/2026#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.
.

أخر المقالات

منكم وإليكم