بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
يغب عن بالنا يومًا السؤال الذي يبحث عن إجابة ملحّة، وهو: هل ترتكز ثقافتنا العربية على ركائز ومقومات فكرية ومعرفية وقيم سامية تجعل منها منصة للانطلاق في بناء مشروع حضاري يستند إلى قواعد وأسس الحرية والعدالة والمساواة بين أبناء شعبنا العربي؟ أسوةً بالعديد من الشعوب التي نالت حريتها بعد صراعات دامية امتدت لعشرات السنين، وجعلتها تكتسب ثقافة ومعرفة حقيقية مؤثرة، بعد أن تمكنت من الانتصار الساحق على قيودها بفعل انحيازها التام للمبادئ والقيم الإنسانية السامية.
في حقيقة الأمر نعرف الجواب بشكلٍ مسبق، كوننا قرأنا بعمق تاريخنا منذ صيرورته الأولى وعبر سيرورته، الذي يدلنا دلالة واضحة على أن الثقافة العربية لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى تلك المهام؛ لذا غاب صوت المفكر والمثقف والمناضل الحر الذي يدعو إلى تحقيق شعارات الحرية والعدالة والمساواة، ويناضل من أجل تحرير الإنسان العربي من جلّاديه وطغاته وقيوده التي ساهمت في تكبيل عقله. بل وجدنا بعض المفكرين الذين يروّجون للسلطة ويدعمونها لتزداد حياة شعبنا العربي انحطاطًا وتراجعًا. فإذا سعينا للبحث عن أسباب حالة التخلف والانحطاط، وجب علينا أن نعمل على التغيير الجوهري للواقع العربي المؤلم.ولعل إحدى أزمات الثقافة العربية اليوم، وأكثرها نكوصًا بأفرادها، هي أزمة التعاطي مع الأفكار والمفاهيم وأصول الثقافة العربية الغنية التي نعتز بها أيما اعتزاز، وكذلك أزمة النقد الذي هو إما غائب تمامًا ويُنظر إليه بوصفه من أدوات التدمير البنيوي للنصوص، وإما بوصفه سلاحًا مسلطًا على الآخر: “مردّ الداء” و“سبب المحنة”. في حين أنه إذا ما انصبّ على الذات وساءل الهوية العربية اليوم في مكوناتها وأسسها، كان كاشفًا عن أدواء تعاني منها هذه الثقافة وتنفر من النظر إليها ومواجهتها. إن التعاطي مع الأفكار والمفاهيم والتصورات الثقافية من موقع سجالي دفاعي يقلل من إمكانية تفكيكها وتحليلها لإدراك طبقات المعنى فيها، ويجعل إمكانية تحديد مضامينها المعرفية، وتحولاتها التاريخية، ودلالاتها المنطقية، عملية غير ممكنة، ما يسقط العقل في عدمية إبستمولوجية، تغيب معها كل مساءلة نقدية للمفهوم عن تاريخيته وأطره المعرفية وكيفية انبنائه.
وهو ما يجعل حقل إبستمولوجيا العلوم الإنسانية (الثقافية) محورًا لتوصيف الارتجاج المعرفي الكبير الذي مسّ بناء العلم والثقافة والفكر في اللحظة المعاصرة؛ حيث يمكن القول إن النزعة العلمية بقيت إبستمولوجيًا واثقة من ذاتها وبنائها المفاهيمي والمنهجي، فعلى الرغم من نوعية المراجعات النقدية العديدة التي أُنجزت خلال تاريخ العلم الإنساني والثقافة الإنسانية، لم يكن أثرها ينفذ إلى درجة المساس بالبناء المعرفي العلمي من جهة أسسه المتجذرة في الوجود الإنساني، إنما كانت مجرد تعديلات في المفاهيم والمدلولات والنظريات. بل حتى الثورات العلمية الكبرى التي بدّلت نماذج التفكير في كليتها، أي بلغة توماس كوهن بدّلت “براديغمات” العلم وأحدثت قطائع – بمدلولها الباشلاري – لم تنتهِ إلى مساءلة العلم ذاته، إنما كل ثورة من تلك الثورات كانت تنحصر في مساءلة النظرية العلمية السائدة، ثم تخلص إلى إنزالها من عرشها وهيمنتها على التفكير العلمي، وإحلال نظرة بديلة مكانها.إن أشهر التحولات الجذرية التي شهدتها الفيزياء القديمة حدثت مع النظرية الكوبرنيكية، لكنها على الرغم من حدة الانعطافة التي دشنتها في تاريخية الوعي الفيزيائي، فإنها لم تؤزِّم علم الفيزياء ذاته، ولم تُسائل أسسه، إنما ساءلت نظرية بطليموس حصرًا؛ حيث غيّرت من طريقة رؤيته، ورؤية الفيزيائيين، إلى السماء وحركة الفُلك.لكن منذ منتصف القرن التاسع عشر وطوال النصف الأول من القرن العشرين، حدث حراك معرفي متميز خلخل البناءات المعرفية والعلمية والثقافية من جهة مرتكزاتها المنطقية، الأمر الذي خلص بها إلى ما سيصطلح على تسميته بـ“أزمة إدراك المفاهيم”، أزمة ستدفع العلماء والمثقفين إلى استشعار وعي إبستمولوجي قلق، يُسائل مدى صدقية المفاهيم والمنهجيات العلمية وأسس النقد الثقافي ومشروعيتها، بل أوصلهم إلى حد الوقوع في عدمية معرفية انمحت فيها الدلالة، فانتصبت أزمة المعنى بكل شموليتها وجذريتها.والواقع أن ثمة مفارقة قد تعترض القارئ عند تأمل وضعية الفكر والثقافة والعلم في القرن الواحد والعشرين؛ إذ قد يظن أن هذه الأزمة التي عصفت بالمعرفة العلمية والفكرية والثقافية ينبغي أن تنعكس على أدائها وإنتاجها فيصيبها الاهتزاز والاختلال والضمور، بينما العكس هو الذي حصل. يقول إدغار موران: “في الوقت الذي يشيد فيه قرننا الواحد والعشرين هذا صرحًا رهيبًا من المعارف، يغوص وبشكل مذهل في أزمة أسس المعرفة الفكرية والثقافية والعلمية”.
إن أزمة إدراك المفاهيم، تلك التي بلغت من الجذرية حد إيصال التفكير العلمي إلى حالة افتقاد الأساس وغياب المعنى، ليس المقصود بها حصول انهيار في الممارسة العلمية أو تجمد اقتدارها على الفعل والاكتشاف والإبداع، بل إن التأزم مسّ أساس العلم ولم يمس حركته. وهذا ما جعل هيدغر يعتقد، خلافًا لإدموند هوسرل، أن “أزمة إدراك المفاهيم” لا تمس إلا البنية المفاهيمية الرئيسية للفكر والثقافة والعمل، ولا تمس صيرورة الفعل الفكري والثقافي والعلمي. فالأزمة لم توقف صيرورة الممارسة الفكرية والثقافية، بل مسّت يقين العلم في ذاته.
ومن الملاحظ أن هذه الأزمة، إن كانت قد بدأت في الرياضيات سنة 1897 بمفارقة بورالي–فورتي المتعلقة بنظرية المجموعات التي أسسها جورج بورباكي، فإنها سرعان ما ستتمظهر أيضًا في مختلف حقول العلم: في المنطق والفيزياء والبيولوجيا، وفي توقيت متقارب، الأمر الذي أشعر المشتغلين بالعلوم بوجود أزمة حادة تحتاج إلى مراجعة نوعية. وبسبب شمول هذه الأزمة لجميع أنماط العلوم، ستُهتز أيضًا الأسس المنهجية لجميع النماذج المعرفية العلمية، سواء كانت تلك الأسس صورية استنباطية أو استقرائية تجريبية.إن وحدة الأزمة أو قوتها راجعة إلى ما قلناه ابتداءً؛ أي إن صيرورة الفكر والثقافة والعلم وإيقاعات تحولاته لم تشهد من قبل ما يشبهها؛ إذ لم ينحصر فعل التأزم هذه المرة في طرح إشكالات أو عوائق جزئية، ولا حتى عوائق إبستمولوجية كبرى تعترض نظرية ما، بل مسّ البناء العلمي والفكري والثقافي بأكمله – العربي والغربي معًا – ومسّ الأسس الجذرية في أعمق أعماقها، فأشعر العلم لأول مرة بأنه بلا أساس مكين.
وبفعل ذلك شهدت بداية القرن العشرين نقاشات ثرية تشاركت فيها فعاليات من خلفيات معرفية متنوعة، فلسفية وعلمية وفكرية وثقافية، غربية وعربية، بقصد معالجة مشكل تأسيس اليقين العلمي على وجه الخصوص، وفي النظرية الاستقرائية وما يرتبط بها من مفاهيم الاستقراء والسببية والكلية والموضوعية والحتمية. كان النقاش دائراً بين أينشتاين، وهيزنبرغ، وكارل بوبر، ولاكاتوش، وفيراباند، كما دار بين فرج الشريطي، وعفيف بربوش، والمرحوم محمد أركون، وعبد الوهاب شعلان.
ولم يغفل هذا النقاش استحضار التراث الفلسفي الرشدي وابن عربي والهيومي والكانطي الناقد لأنطولوجيا مقولة السببية، موسعًا منه إلى مساءلة مختلف البنيات المفاهيمية المشتغل بها في المقاربة الفيزيائية للوجود، وعلم الفلك العربي، والتصوف الإسلامي.لعل أهم النتائج المترتبة عن هذه الرؤية وهذا الوعي إدراك أن الهوية بدورها، سواء الهوية الثقافية العربية والإسلامية أو الهوية الغربية، وتبعًا لذلك الهوية العربية المعاصرة، هي مجال للتغيير والتحول، كما أنها أرض التلاقح والتفاعل مع الغير، سواء كان الآخر الغربي أو الطرف الاجتماعي المقابل، تدعيمًا لقيم التحاور، وإيمانًا بأن الحقائق ما هي إلا مواضعات هدفها الإصلاح في الأرض وتعميرها والحفاظ على الجنس البشري والرقيّ به. ومن نتائجه كذلك إدراك ضرورة تجاوز ثنائية الخاصة والعامة بشتى تمظهراتها، بما هي لا تفعل شيئًا سوى حفر أخاديد القطيعة في صلب المجتمع وتعطيل الحوار بين أطرافه.


