قراءة أسلوبية،رمزية،نفسية،فكرية،فلسفية في قصيدة: أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ.للشاعر التونسي:أبو القاسم الشابي. – كتبها من برلين : عماد خالد رحمة.

الحبّ بوصفه خلاصاً وجودياً: قراءة أسلوبية-رمزية-نفسية-فكرية- فلسفية في قصيدة «أراكِ فتحلو لديّ الحياة» لأبي القاسم الشابي

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

تندرج قصيدة «أراكِ فتحلو لديّ الحياة» ضمن النصوص الغنائية التي تشكّل لبنة مركزية في المشروع الشعري لأبي القاسم الشابي، حيث يتجاوز الحبّ فيها بعده العاطفي المباشر ليغدو قيمة وجودية وطاقة كونية قادرة على إعادة خلق الذات والعالم. فـ«الأنتِ» في القصيدة ليست حضوراً حسياً فحسب، بل هي مبدأ خلاصي، ورمز للبعث، ونقطة مقاومة ضد ثقل الوجود وعبء الذكريات والانكسارات.
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة عبر مناهج متكاملة: الأسلوبي، الرمزي، النفسي، الاجتماعي/الفكري، والفلسفي، للكشف عن عمقها الدلالي وبنيتها الجمالية، وربطها بالسياق الثقافي والوجودي الذي تشكّلت فيه تجربة الشابي.
أولًا: المنهج الأسلوبي (اللغة، الإيقاع، الصورة، والبنيان اللغوي)
١ _ اللغة والأسلوب؛
تعتمد القصيدة لغة شفيفة، مباشرة، لكنها مشحونة بطاقة إيحائية عالية. يهيمن الفعل المضارع:
أراكِ – تحلو – يملأ – تنمو – تفتنني – يغمر – ترقص…
وهو اختيار دلالي مقصود، إذ يرسّخ استمرارية الأثر، ويجعل الحبّ حدثاً دائماً لا لحظة عابرة. فالمضارع هنا أداة تحرير زمني من ماضٍ مثقل، لا مجرد اختيار نحوي.
لغوياً، يخلو النص من التعقيد الصرفي، ويعتمد الجملة الفعلية البسيطة، ما يعزّز الغنائية والتدفّق العاطفي، ويقرّب الخطاب من النفس الإنسانية دون افتعال.
٢_ الإيقاع والموسيقى:
تنتظم القصيدة على بحر الكامل (متفاعلن)، وهو بحر يتّسم بالقدرة على حمل الانفعال العالي والنبض العاطفي. الإيقاع الداخلي يتكثف عبر:
التكرار: أراكِ… أراكِ…
الجناس الخفيف: الحياة / صباح / الأمل
المدود الصوتية التي توحي بالانفتاح والامتلاء.
الإيقاع هنا ليس زخرفًا موسيقيًا، بل حامل دلالي يعكس ارتعاش الذات وتحرّرها.
٣_ الصورة الشعرية:
تقوم الصورة على التراسل الحسي:
الحياة = صباح
الحب = ورود، أغاني، نشوة
الوجود = عناق
وهي صور تنتمي إلى الحقل الحيوي (النماء، الضوء، الربيع)، في مقابل الحقول المعتمة الغائبة تقريباً، إلا عند استحضار الماضي بوصفه عبئاً.
ثانياً: المنهج الرمزي (تفكيك الرموز والمعاني المخفية)

  1. رمزية “الأنتِ”
    الأنثى في القصيدة تتجاوز كونها معشوقة فردية، لتغدو:
    رمزًا للحياة
    صورة للحرية
    استعارة للوطن الحلم
    أو تمثيلًا للمطلق الجمالي
    وهذا ما ينسجم مع الرومانسية العربية الحديثة، حيث تتحول المرأة إلى كائن ميتافيزيقي (راجع: إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر).
  2. رمزية الطبيعة:
    الورود، الثلوج، المروج، الفجر، القمر…
    كلها رموز للتطهّر والتجدّد، وتؤكّد أن الحبّ ليس هروبًا من العالم، بل إعادة صياغته جمالياً.
  3. رمزية الخلق الجديد
    أراكِ فأُخلق خلقًا جديدًا
    تحيل العبارة إلى فعل الخلق الأنطولوجي، حيث يصبح الحب قوة تأسيس، لا مجرّد إحساس، وهو ما يضع القصيدة في تماس مع الرؤية الفلسفية للوجود بوصفه مشروعًا متجدّدًا.
    ثالثًا: المنهج النفسي (البنية النفسية والدوافع الداخلية)
    تكشف القصيدة عن ذاتٍ مثقلة:
    عبئًا ثقيلًا من الذكريات التي لا تبيد
    وهذا يشير إلى:
    ذاكرة جرح
    تراكم خيبات
    قلق وجودي سابق للحب
    الحب هنا يؤدي وظيفة الشفاء النفسي ، ويعيد للذات توازنها. وفق مقاربة فرويدية-يونغية، يمكن اعتبار “الأنتِ” صورة من الأنيمـا، أي المبدأ الأنثوي المنقذ داخل اللاوعي.
    رابعًا: المنهج الاجتماعي والفكري (السياق الثقافي والوطني)
    لا يمكن فصل النص عن سياقه:
    الشابي كتب في زمن الاستعمار والقهر
    الحب يصبح فعل مقاومة ناعمة
    الجمال يتحول إلى بديل أخلاقي عن القبح السياسي
    فالقصيدة، وإن بدت ذاتية، تحمل نزوعًا إنسانيًا عامًا، حيث تتحوّل الذات إلى مرآة لجماعة مسحوقة تبحث عن خلاص رمزي.
    خامسًا: المنهج الفلسفي (القيم والأسئلة الوجودية)
  4. الحب كقيمة وجودية:
    الحب في القصيدة:
    يخفف عبء الوجود
    يعيد المعنى للحياة
    يسمح بعناق الكينونة كلها
    وهو ما يلتقي مع تصورات كيركغارد عن الحب كقفزة إيمانية، وبرغسون عن الحياة كدفق خلاق.
  5. الوجود بوصفه نشوة:
    كأني أصبحت فوق البشر
    ليست نشوة غرور، بل نشوة مصالحة مع الوجود، حيث تزول الاغترابية، ويتحقق الانسجام بين الذات والعالم.
    خاتمة:
    تقدّم قصيدة «أراكِ فتحلو لديّ الحياة» نموذجًا مكثفًا للشعر الرومانسي العربي في أعلى تجلياته، حيث يتماهى الحب مع الوجود، والجمال مع الخلاص، واللغة مع الروح. إنها قصيدة تؤكد أن الشعر، في لحظاته النادرة، لا يصف الحياة… بل يعيد خلقها.

نص القصيدة:
أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ
أبو القاسم الشابي

“أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ
ويملأُ نَفسي صَبَاحُ الأَملْ
وتنمو بصدري وُرُودٌ عِذابٌ
وتحنو على قلبيَ المشْتَعِلْ
ويفْتِنُني فيكِ فيضُ الحَيَاةِ
وذاك الشَّبابُ الوديعُ الثَّمِلْ
ويفْتِنُني سِحْرُ تِلْكَ الشِّفاهْ
ترفرفُ مِنْ حَوْلهنَّ القُبَلْ
فأَعبُدُ فيكِ جمالَ السَّماءِ
ورقَّةَ وردِ الرَّبيعِ الخضِلْ
وطُهْرَ الثُّلوجِ وسِحْرَ المروج
مُوَشَّحَةً بشُعاعِ الطَّفَلْ
أَراكِ فأُخْلَقُ خلْقاً جديداً
كأنِّيَ لمْ أَبْلُ حربَ الوُجُودْ
ولم أَحتمل فيه عِبئاً ثقيلاً
من الذِّكْرَياتِ التي لا تَبيدْ
وأَضغاثِ أَيَّاميَ الغابراتِ
وفيها الشَّقيُّ وفيها السَّعيدْ
ويغْمُرُ روحِي ضِياءٌ رَفيقٌ
تُكلِّلهُ رائعاتُ الورودْ
وتُسْمِعُني هاتِهِ الكائِناتُ
رقيقَ الأَغاني وحُلْوَ النَّشيدْ
وتَرْقُصُ حَولي أَمانٍ طِرابٌ
وأَفراحُ عُمْرٍ خَلِيٍّ سَعيدْ
أَراكِ فتخفُقُ أَعصابُ قلبي
وتهتزُّ مِثْلَ اهتزازِ الوَتَرْ
ويُجري عليها الهَوَى في حُنُوٍّ
أَناملَ لُدْناً كرَطْبِ الزَّهَرْ
فتخطو أَناشيدُ قلبيَ سَكْرى
تغرِّدُ تَحْتَ ظِلالِ القَمَرْ
وتملأُني نشوةٌ لا تُحَدُّ
كأَنِّيَ أَصبحتُ فوقَ البَشَرْ
أَودُّ بروحي عِناقَ الوُجُودِ
بما فيهِ مِنْ أَنْفُسٍ أَو شَجَرْ
وليلٍ يفرُّ وفجرٍ يكرُّ
وغَيْمٍ يوَشِّي رداءَ السِّحَرْ”

*********
المصادر:
– موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
مواقع: الصحافة الأجنبية.

أخر المقالات

منكم وإليكم