قبل استكمال مشروع تسلق القمم الأربع عشرة الأعلى في العالم، انتهت رحلة المتسلقة العُمانية: نظيرة بنت أحمد الحارثية. في جبال باكستان.

سلطنة عُمان تودّع المتسلقة نظيرة الحارثية.. هذا آخر ما قالته قبل رحيلها.

حصريٌّ لـ«الصحوة» – في الوقت الذي كانت تستعد فيه لبدء مرحلة جديدة من رحلتها نحو استكمال مشروع تسلق القمم الأربع عشرة الأعلى في العالم، انتهت رحلة المتسلقة العُمانية نظيرة بنت أحمد الحارثية في جبال باكستان، إثر انهيار جليدي، لتغيب واحدة من أبرز الشخصيات الرياضية العُمانية التي كتبت اسمها في سجل الإنجازات العالمية بحروف من عزيمة وإصرار.
قبل أيام قليلة فقط، كانت الحارثية تشارك متابعيها عبر حسابها في منصة “إنستجرام” تفاصيل أيامها الأولى في مدينة سكاردو الباكستانية، ووصفتها بأنها كانت مزيجًا من الاستعداد والاستكشاف، بين تجهيز المعدات واستكمال الاحتياجات الأخيرة والحفاظ على التدريبات، مؤكدة أن النجاح في الجبال العالية يبدأ من الإعداد الجيد قبل الوصول إلى المخيم الرئيسي. وختمت رسالتها بعبارة حملت كثيرًا من الأمل: “والآن اقترب موعد الانطلاق نحو بداية المسار، استعدادًا لمرحلة جديدة ضمن مشروع إكمال القمم الـ14 الأعلى في العالم.” لكنها كانت كلمات الوداع الأخيرة، قبل أن تتحول رحلة الحلم إلى خبرٍ أوجع قلوب العُمانيين.
برحيل نظيرة الحارثية، تفقد سلطنة عُمان متسلقة جبال بارزة ونموذجًا استثنائيًا للإصرار والطموح، وامرأة استطاعت أن تثبت أن الإرادة قادرة على تجاوز كل الحدود، وأن الوصول إلى أعلى القمم يبدأ بخطوة واحدة تتبعها سنوات من العمل والصبر.
ولدت نظيرة الحارثية عام 1977، وعملت في وزارة التربية والتعليم سابقًا، كما سبق أن عملت معلمة لمادة الجغرافيا، وحصلت على درجة الماجستير في الجغرافيا من جامعة السلطان قابوس. ولم تكن الرياضة جزءًا من حياتها في بداياتها، إذ بدأت علاقتها بعالم الجبال عام 2015 عندما رافقت مجموعة من الطلبة العُمانيين إلى قمة جبل كليمنجارو ضمن برنامج “GLOBE” البيئي، وهناك تعرّفت للمرة الأولى على رياضة تسلق الجبال، قبل أن يشكل لقاؤها بالمتسلق العُماني الراحل خالد السيابي، أول عُماني يصعد إلى قمة إيفرست، نقطة التحول التي غيّرت مسار حياتها، لتبدأ رحلة تدريب شاقة من الصفر نحو أعالي العالم.
وخلال سنوات قليلة، صنعت الحارثية سجلًا حافلًا بالإنجازات التي وضعتها في مقدمة المتسلقين العرب. ففي عام 2019 أصبحت أول امرأة عُمانية وثاني عُماني يصل إلى قمة جبل إيفرست، أعلى قمة على سطح الأرض. ثم واصلت تحقيق الإنجازات التاريخية، فأصبحت أول امرأة عربية وعُمانية تصل إلى قمة جبل “أما دابلام”، أحد أصعب جبال الهيمالايا من الناحية التقنية، كما نجحت في بلوغ قمة “ماناسلو”، ثامن أعلى جبل في العالم، ثم حققت إنجازًا غير مسبوق بتسلق قمة جبل “K2”، ثاني أعلى قمة على وجه الأرض وأحد أخطر جبال العالم، لتكون أول عُمانية تحقق هذا الإنجاز، قبل أن تضيف إلى رصيدها قمة “نانغا باربات”، لتصبح أول عُمانية تتسلق أربع قمم يزيد ارتفاعها على ثمانية آلاف متر.
ولم تكن هذه الإنجازات وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة سنوات من التدريب والانضباط. فقد اعتمدت الحارثية على برامج لياقة بدنية مكثفة شملت الجري لمسافات طويلة، والسباحة، والتدريب في جبال سلطنة عُمان، ولا سيما الجبل الأخضر، إلى جانب تدريبات حمل الأوزان والتأقلم مع الارتفاعات الشاهقة، استعدادًا لمواجهة البيئات القاسية التي تفرضها جبال الهيمالايا.
كما واجهت خلال مسيرتها تحديات عديدة، من بينها التوفيق بين عملها الحكومي وشغفها بالتسلق، وارتفاع تكاليف الرحلات، وقسوة الظروف الطبيعية ونقص الأكسجين في المرتفعات، فضلًا عن النظرة المجتمعية التي كانت ترى رياضة تسلق الجبال مجالًا غير مألوف للمرأة. لكنها قابلت تلك التحديات بالإصرار والعمل، حتى أصبحت مصدر إلهام لكثير من الشباب والفتيات في سلطنة عُمان والعالم العربي.
ورغم أن رحلتها انتهت في جبال كانت تحلم بأن تضيف فيها إنجازًا جديدًا إلى مسيرتها، فإن ما تركته نظيرة الحارثية سيبقى حاضرًا في ذاكرة الرياضة العُمانية، بوصفها امرأة حملت علم وطنها إلى أعلى القمم، وفتحت الباب أمام جيل جديد من العُمانيين للإيمان بأن المستحيل ليس سوى بداية لطريق يحتاج إلى الشجاعة والعزيمة.
وإذ تنعى سلطنة عُمان ابنةً من بناتها، فإنها تستذكر مسيرةً حفلت بالإنجازات، ورسالةً جسّدتها نظيرة الحارثية طوال حياتها، مفادها أن الأحلام الكبيرة لا تُقاس بالعمر أو البدايات، بل بما يملكه الإنسان من إيمان بقدرته على الوصول.
وتتقدم أسرة صحيفة «الصحوة» بخالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الفقيدة وذويها، وإلى الأسرة الرياضية العُمانية، وإلى كل من عرفها أو استلهم من مسيرتها، سائلين المولى عز وجل أن يتغمدها بواسع رحمته، ويسكنها فسيح جناته، وأن يلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أخر المقالات

منكم وإليكم