فيلم “يوم المكاشفة” (Disclosure Day)، المخرج ستيفن سبيلبيرغ ,يطرح فكرته حول محنة الوجود، ليؤكد ان عالما حديثا يتجهز للولادة.

في فيلم “يوم المكاشفة” (Disclosure Day)، يعود المخرج ستيفن سبيلبيرغ إلى سؤاله القديم، إلى محنته الوجودية، يعود ليؤكد لا على رغبته فحسب، بل على قناعته بوجود عالم حيّ آخر قربنا، يريد أن يمسك مشاهده بيده وعقله، ويدعوه لتلمّس سطوح متباينة حول حقيقة وجود مخلوقات فضائية تشاطرنا الكون، لكنه في هذا الفيلم، وبعد نضوج، يُنزاح بسؤاله نحو إشكال أخلاقي أكثر حداثة: سؤال يريد إجابته، فيما بعد وصول المخلوقات فعلًا، ماذا سنفعل معهم، أو بهم؟ فها نحن وهم الغرباء في كل حكاية؛ غريبو اللغة، غريبو اللون والشكل والعادات.

قد يكونون المهاجرين، وقد يكونون “الآخر”، تلك الجنسيات التي ليست نحن، الأقليات التي شكّل كونُ سبيلبيرغ واحدًا منها في منتصف القرن العشرين مرجعيته الفكرية والإنسانية في مجملها.

عن الإجابة العالقة على بوابات الحقيقة

يُتيح لك “يوم المكاشفة” أن تدخل إليه من بوابات كثيرة: من تصريحات مريبة لباراك أوباما عن مخلوقات الفضاء، ومن الرد عليها بأخرى أكثر هزلًا من دونالد ترامب، ومن هستيريا إيلون ماسك وغزوه للمريخ، ومن جشع أميركا ونزوعها نحو التوسع والغزو والهيمنة، ومن سؤال قديم عن الفضاء والأكوان وما وراء محدودية الأرض للجشعين وللمرفّهين من أصحاب المخيلة أيضًا.

يمكننا أن ندخل إلى عالم الفيلم من بوابته الأسهل والأوضح، من التشويق والإثارة، من باب سياسي ثوري بحت، من تجسيد دور يستحضر جوليان أسانج في ملامحه الجوهرية، ذلك المخبر النبيل الذي أتاح للعامة أن يعرفوا ما تخطط له الحكومة، وأشركهم، إن لم يكن في تقرير مصيرهم، ففي معرفته على الأقل. في يوم المكاشفة، بإمكاننا أن نرى روح صانع أفلام تملؤه العذوبة، ويحركه الغفران والقبول للغريب، للغرباء والمختلفين، كأنما يأتي الفيلم من تقطير الحكمة عبر آلام هذا الكون. كون يأبى ألا يقوده نحو الحقيقة سوى التنازع والصراع، وفوزُ القوي على الضعيف، أو ثورة الضعيف على الطغيان.

يُتيح لك “يوم المكاشفة” أن تدخل إليه من بوابات كثيرة: من تصريحات مريبة لباراك أوباما عن مخلوقات الفضاء، ومن الرد عليها بأخرى أكثر هزلًا من دونالد ترامب، ومن هستيريا إيلون ماسك وغزوه للمريخ، ومن جشع أميركا ونزوعها نحو التوسع والغزو والهيمنة
لفيلم يوم المكاشفة حبكة تقليدية، أخيار وأشرار بلا طيف ألوان، ولا حتى رمادي الحقائق. في حبكته هذه عثرات كثيرة، ربما يُغفر لها أن كل ما يُبنى عليه الفيلم مُخترَع بالكامل: فها أنت تمشي بفرضية لم يثبت سوى عكسها، وبمنطق يبدو مقنعًا. في اتساع هذا الكون، لا يمكن أن نكون الكائنات الحية الوحيدة، ولهذا فعلينا أن نتعلم لغات ونستقرئ إشارات تعرّفنا إلى ما تفعله المخلوقات الأخرى كي تدلّنا إليها. لكن حتى في خيالنا هذا ونظرياتنا المنطقية، لا نحتكم إلا لمخيلة عرجاء، فنصف تلك المخلوقات على صورتنا ومثالنا، لكن بمنظور مختل، مشوّه، وأقل ذكاءً.

لنخترع لغة.. لنغرّد

في فيلم سبيلبيرغ “يوم المكاشفة”، تنطق بشرية مثلنا بلغة ألبسها إياها تلك المخلوقات التي تتجسد بعصفور أو غزال، وقد تُفصح عن نفسها برعونة، بمراهقة، كما فعلت بأفلام بدائية منذ أربعين عامًا، هكذا كالمراهقين الذين يلعبون لعبة مع سكان الأرض، فيرسلون شفرات بلهاء، لا تجد لها تجليًا سوى برسومات فوق حقول القمح، وبموعد نهاية الكون ليُعلَن عبر محطة “سي إن إن”، كما لو أننا في السبعينيات، وكلنا نترقب ما الذي ستقوله المحطة “التلفزيونية” الشمّاء. في يوم المكاشفة، ومن قلب ملايين الدولارات التي صُرفت، لا نرى غير سبيلبيرغ ذاته بأدواته ذاتها التي يحبها ويقدرها كل مشاهد وسينمائي، لكنها تبدو هنا كما لو أنها صدئت، أو لم تُجلخ شفرات مخيّلته بقفزة نحو الجنون الواعي لعبقري.

عن المشروع كفكرة في رحم الكون

لم يكن يوم المكاشفة وليد لحظة إلهام عابرة، بل هو فكرة ظلت تسكن سبيلبيرغ عشرين عامًا، يحملها معه كما يحمل المرء وجعًا لا يجد له تعبيرًا. حين آن الأوان، لم يكتب معالجته على ورق، بل راكمها في تطبيق الملاحظات على هاتفه، اثنتان وخمسون صفحة من الهواجس والأسئلة، ثم أرسلها إلى ديفيد كوب، كاتب السيناريو الذي يثق به أكثر من سواه، وقال له ما معناه: هذه الوردة أغلى ما أملك، ازرعها ولا تدعها تموت. كوب الذي سبق أن كتب له “حديقة الجوراسيك” و”حرب العوالم” و”إنديانا جونز” و”مملكة الجمجمة البلورية”، يصبح بهذا الفيلم الخامس كاتب السيناريو الأكثر تعاونًا مع سبيلبيرغ في مسيرته.

ما الذي دفع سبيلبيرغ إلى هذا الفيلم الآن، في التاسعة والسبعين من عمره؟ ربما هو ذلك التصريح الذي أطلقه في لقائه مع ستيفن كولبير عام 2023، حين قال إن الظواهر غير المفسّرة ربما ليست قادمة من مجرات بعيدة، بل هي نحن أنفسنا نسافر إلى الماضي من المستقبل. وربما هو الزمن ذاته، زمن تصريحات أوباما المريبة عن مخلوقات الفضاء، وردود ترامب الأكثر هزلًا عليها، وعالم بات فيه الإفصاح عن الحقيقة فعلًا ثوريًا يُلاحَق أصحابه. قال سبيلبيرغ: “أنا الآن أكثر ميلًا مما كنت عليه حين صنعت لقاءات قريبة من النوع الثالث للإيمان بأننا لسنا الحضارة الذكية الوحيدة في الكون. ست وأربعون سنة تفصل بين الفيلمين، والسؤال واحد، لكن الروح تغيّرت”.

وجوه الحكاية.. لاعبوها الأهم

في يوم المكاشفة، ما أنقذ الحبكة “وحيدة الخلية” كان أداء الممثلين. تلعب إميلي بلانت دورها الأنضج، لا لشيء إلا لحالة التماهي والتصديق والقبول، وللسير في استقصاء مدى استجابتها لفكرة الغريب والغرباء. في شخصية مارغريت فيرتشايلد، مذيعة الأرصاد الجوية، تجد نفسها أمام ما هو أكبر منها بما لا يُقاس، حيث تقدّم بلانت أداءً يتسرّب إليك ببطء، كما تتسرّب الحقيقة إلى شخصيتها هي. أما جوش أوكونور، فقد استقى حكمًا مرجعيته النفسية مما شاهده من تمزّق لشخصيات علماء وجدوا أنفسهم لا يبغون شيئًا سوى أن يفصحوا عن الحقائق، وها هو له في جوليان أسانج مرجعًا. في دانيال كلنر، لا يؤدي أوكونور دور البطل بمعناه السينمائي المريح، بل دور الإنسان الذي يعرف أن ما يفعله سيكلّفه كل شيء، ولم يُبالِ، بينما لم يكن صعبًا على كولن فيرث أن يصنع ملامح شخصيته من كل فعل مؤسسي وهيمنة لحكومات لا يهمها سوى أن تثبت لنفسها أن لها ضرورة.

يوم المكاشفة.. ما حكته الكاميرا

اختار سبيلبيرغ وشريكه منذ قائمة شندلر يانوش كامينسكي تصوير الفيلم على شريط (35mm)، بعدسات ونِسب للصورة تمنح الكادر ذلك الاتساع الكلاسيكي الذي يليق بأسئلة بحجم الكون. اللجوء إلى الكاميرا الرقمية حضر استثنائيًا في مشاهد محددة تطلّبت كاميرا محمولة. وجاء تصريح كامينسكي عن افتتاح الفيلم بجماليات الـ ” noir” عن سابق قصد متوقعًا، فالتشويق حضر كورقة لم تُحرق مرة في سينما سبيلبيرغ. الكاميرا في يوم المكاشفة لا تكاد تستقر لتعاود الدوران حول شخصياتها، تُبقي المشاهد في حالة من القلق البصري الخفيف. أما المؤثرات الخاصة، فكما صرّح الفريق التقني، كانت المقاربة عملية وواقعية إلى حد كبير؛ فإن تمسّك الممثلون بقطار فقد فعلوا فعلًا، وإن شاهدنا تحطمًا للسيارات فإن السيارات تحطّمت بالفعل.

لكن مع الحفاوة وملاحظة كل تلك التفاصيل وكل هذا الإتقان، لا يمكن لمشاهدة الفيلم أن تخلو من سؤال يُطرح على صانعيه قبل مشاهديه: هل يكفي الإتقان حين تخمد الرؤية؟ سبيلبيرغ الذي اخترع لأجله الـ(blockbuster) بفيلم الفك، وأعاد اختراع الحرب بإنقاذ الجندي رايان، يعود هنا برؤية لم تحلّق فوق أسوار العقل، بل ظلّت مخنوقة في زاوية لم يفتح فرجارها لمهندس استثنائي، إذ أتت الرؤية مقيّدة بنظريات عتيقة، ومخيلة قد لا تكون كسولة، لكنها حكمًا خاملة.

#عبير داغر اسبر#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم