💥 «وجهاً لوجه».. حين يرتدي الرجال تنانير النساء عرض عالمي في تورنتو يختبر حدود السخرية الإيرانية تورونتو ـ خاص «سينماتوغراف»في بلدٍ اعتادت فيه السينما أن تلاحق النساء وهن يواجهن قيود الملابس والرقابة والسلطة، تقلب المخرجة الإيرانية قصيدة غولمكاني المعادلة رأساً على عقب في فيلمها الروائي الطويل الأول «وجهاً لوجه» (Head to Head)، الذي شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «ديسكفري» في الدورة الـ51 لمهرجان تورونتو السينمائي الدولي.الفكرة تبدو بسيطة، وربما ساخرة إلى حد الاستفزاز.. مخرجة إيرانية تفرض على ممثليها الرجال ارتداء التنانير وأغطية الرأس نفسها التي تُفرض عادةً على النساء. لكن ما يبدأ كتجربة تمثيلية غير مألوفة سرعان ما يتحول إلى مواجهة مع الجسد والسلطة والامتياز الذكوري، في فيلم يحاول أن يجعل الرجال يعيشون، ولو مؤقتاً، داخل القيود التي لم يتوقفوا عن فرضها على النساء.هذه المفارقة هي نقطة قوة الفيلم وأيضاً مصدر محدوديته. فغولمكاني تمتلك فكرة سياسية شديدة الوضوح، لكنها لا تنجح دائماً في منحها العمق الدرامي أو الكوميدي الكافي طوال مدة الفيلم.** انقلاب الأدوارتدور أحداث «وجهاً لوجه» حول بهار، الكاتبة والمخرجة السينمائية التي تستعد لتصوير عمل جديد في إيران. تقرر بهار أن يرتدي الممثلون الرجال في فيلمها التنانير وأغطية الرأس، وأن يلتزموا بها طوال الوقت، لا أمام الكاميرا فقط.في البداية، يتعامل الرجال مع القرار باعتباره نوعاً من العبث أو الإهانة المهنية. يشتكون من الحرارة، وصعوبة الحركة، والقيود المفروضة على أجسادهم، وعدم قدرتهم على الشعور بالراحة. لكن احتجاجاتهم تكشف شيئاً أكثر أهمية، هؤلاء الرجال لم يضطروا يوماً إلى التفكير في معنى أن تكون الملابس المفروضة جزءاً من الحياة اليومية للمرأة.هنا تستخدم غولمكاني أبسط أدوات السخرية وأكثرها مباشرة. فهي لا تحتاج إلى شرح طويل كي تجعل المشاهد يرى التناقض، يكفي أن يضطر رجل إلى تعديل غطاء رأسه باستمرار، أو أن يشعر بالقلق من حركة جسده، حتى تبدأ الفكرة في كشف طبيعتها السياسية.** من موقع التصوير إلى الشارعلا تكتفي بهار بإجبار الرجال على ارتداء ملابس النساء داخل موقع التصوير، بل تجد نفسها أمام اختبار أكثر خطورة عندما تضطر المجموعة إلى مغادرة المكان بعد ظهور السلطات.في تلك اللحظة، ينتقل الفيلم من تجربة فنية مغلقة إلى الواقع الإيراني نفسه. يصبح ما كان يبدو تمثيلاً أمام الكاميرا حقيقة اجتماعية، ويجد الرجال أنفسهم مجبرين على التحرك في الشوارع وهم يرتدون الملابس التي طالما اعتبروها جزءاً من هوية النساء وحدهن.هذه النقلة تمنح الفيلم أفضل لحظاته، لأنها تلغي المسافة الآمنة بين السخرية والواقع. لم يعد الرجل يؤدي دور امرأة، بل أصبح مضطراً إلى اختبار القيود التي تحكم وجودها في المجال العام.وتزداد المفارقة حدة عندما ترفض بهار نفسها ارتداء غطاء الرأس، حتى في الأماكن التي يمكن أن يعرضها فيها ذلك للخطر. فهي لا ترى في غطاء الرأس مجرد قطعة ملابس، بل رمزاً لسلطة لا تقبل التفاوض.** مخرجة بين عالمينتكمن إحدى أكثر طبقات الفيلم إثارة للاهتمام في شخصية بهار نفسها. فهي ليست مجرد مخرجة متمردة تستخدم السينما لإيصال رسالة، بل امرأة تعرف حدود النظام الذي تعمل داخله، وتدرك في الوقت نفسه أن قدرتها على تغييره محدودة.تبدو بهار شخصية عصرية، مستقلة، واثقة من رؤيتها، لكنها ليست ساذجة بشأن الواقع المحيط بها. وهي تعرف أن تقديم فيلم ساخر عن القيود المفروضة على النساء قد يلفت انتباه العالم الخارجي، وربما يحقق نجاحاً في المهرجانات، لكن تأثيره داخل إيران يظل أكثر تعقيداً.هذا التناقض يمنح شخصية المخرجة بعداً إنسانياً يتجاوز الخطاب السياسي المباشر. فهي لا تصنع الفيلم من أجل التصفيق الدولي وحده، بل تحاول اختبار إمكانية إحداث تغيير حقيقي، ولو من خلال تجربة صغيرة تبدأ بثلاثة رجال يضطرون إلى مواجهة أنفسهم.وتقدم مهرنوش ستاري أداءً هادئاً ومتحفظاً في دور بهار، وهو أداء ينسجم مع شخصية تبدو وكأنها تحمل إرهاقاً داخلياً أكبر من قدرتها على التعبير عنه. فالمخرجة لا تصرخ طوال الوقت، لكنها تتحرك بإحساس شخص يعرف أن الفرصة المتاحة له قد تكون محدودة.** كوميديا الفكرةرغم قوة الفكرة، فإن الجانب الكوميدي في «وجهاً لوجه» لا يصل دائماً إلى المستوى الذي تعد به الحبكة.توجد لحظات طريفة بالفعل، خصوصاً عندما يبدأ الرجال في التعامل مع الملابس باعتبارها عائقاً جسدياً حقيقياً، أو عندما يجد أحدهم نفسه مضطراً إلى السير في الأماكن العامة دون أن يمتلك خياراً آخر.لكن الفيلم يعتمد كثيراً على الموقف ذاته لإنتاج الضحك، دون أن يطوره بما يكفي. تتكرر المفارقة أكثر مما تتعقد، وتبقى بعض الشخصيات أسيرة ردود الفعل المتوقعة بدلاً من أن تتحول إلى شخصيات درامية تحمل تناقضات أعمق.ومن المفارقات أن أكثر لحظات الفيلم نجاحاً هي تلك التي لا تحتاج إلى حوار. بعض المشاهد الصامتة، التي تعتمد على الحركة والتعبير الجسدي، تمنح الكوميديا مساحة أكثر تلقائية من الحوارات المباشرة التي تشرح الرسالة السياسية بوضوح زائد.وهنا تحديداً تظهر المشكلة الأساسية في الفيلم، الفكرة قوية بما يكفي لإطلاق نقاش طويل، لكنها لا تجد دائماً البناء السينمائي الذي يجعل هذا النقاش يتطور من مشهد إلى آخر.** السخرية كأداة مقاومةمع ذلك، يصعب تجاهل أهمية «وجهاً لوجه» في سياق السينما الإيرانية المعاصرة. فالفيلم ينتمي إلى تقليد من الأعمال التي تستخدم السخرية والعبث لتفكيك السلطة، لكنه يضيف إلى هذا التقليد استراتيجية بسيطة وذكية: بدلاً من تصوير النساء وهن يرفضن القيود، يضع الرجال داخلها.هذه الاستراتيجية لا تقدم اكتشافاً جديداً بالضرورة، لكنها تجعل النقاش أكثر مباشرة. فالرجل الذي يشعر بالضيق من غطاء الرأس لا يختلف في تجربته الجسدية عن المرأة التي عاشت الإحساس نفسه، وإن اختلفت الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بكل منهما.وتبدو غولمكاني، التي سبق أن تناولت في أعمالها القصيرة كيفية مواجهة النساء للأنظمة التي تضعهن في موقع التابع، وكأنها توسع مشروعها السينمائي في أول أفلامها الطويلة نحو مساحة أكثر جرأة. ويشير تقديم الفيلم في مصادر الإنتاج إلى أن أعمالها السابقة اعتمدت على الكوميديا السوداء والعبث والتفاصيل اليومية للكشف عن بنى السلطة غير المرئية.** تورونتو يفتح الطريقحصل «وجهاً لوجه» على عرضه العالمي الأول في مهرجان تورونتو ضمن برنامج «ديسكفري»، المخصص للأفلام الأولى والثانية، وهو اختيار مناسب لفيلم يمثل بداية طويلة لمخرجة تمتلك صوتاً واضحاً منذ تجربتها الأولى.ويأتي العرض في تورونتو وسط اهتمام متزايد بالسينما الإيرانية التي تُنتج في مواجهة القيود الرسمية، بينما تستمر أفلام أخرى من المنطقة في فتح نقاشات حول الحرية والهوية والرقابة. ولا يبدو أن أهمية الفيلم تكمن في كونه عملاً كاملاً أو خالياً من العيوب، بل في امتلاكه سؤالاً سينمائياً وسياسياً يستحق المتابعة، ماذا يحدث عندما يُجبر من اعتاد امتلاك السلطة على اختبار قيودها؟. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت


