فيلم : سواق الأتوبيس..للمصري مخرج الغلابة المبدع: عاطف الطيب..

حبيت أفكركم بالعمل البديع ده

عندما سُئل مخرج الغلابة عاطف الطيب عن أحب أعماله إلى قلبه كانت إجابته قاطعة: “سواق الأتوبيس”!

كان المخرج الإيطالي الشهير مايكل أنجلو أنطونيوني يقول: “كل مخرج فعليًا يخرج فيلمًا أوحد في حياته، وبقية الأفلام ليست إلا تكرارًا لهذا الفيلم” .. وهذا هو الواقع الفني ببساطة لكل من يريد أن يعرف قليلًا أو كثيرًا عن المبدع عاطف الطيب!

والمقصد من هذا الكلام أن بصمة المخرج (الفنان)، وفكره، وأدواته، والهدف من طرحه ورؤيته، وطريقته الفنية في التنفيذ لا تختلف كثيرًا في أعماله، لذا فهو يكررها كثيرًا وإن اختلف الطرح والموضوع، وإنما في النهاية الهدف والرؤية والمبتغى واحد.

وهذا هو صنيع عاطف الطيب ورؤيته، حيث كانت رؤيته وفكره وواقعيته دائمًا هي “الإنسان المصري” البسيط، الواقعي، الذي يبتغي الحياة ويقبل عليها، بالأصالة والقيمة، والحياة الكريمة التي يرضاها.

في عام 1982 خرج إلى النور واحد من أعظم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، حيث يحتل المركز الثامن في قائمة أفضل 100 فيلم مصري في تاريخ السينما .. طبعًا هو فيلم “سواق الأتوبيس”.

الفيلم قام على صناعته مجموعة من المبدعين الشباب وقتها .. الفكرة للمخرج محمد خان، صاحب الملاحم البدعية هو الآخر، والعائد للتو من لندن، والقصة والسيناريو والحوار لبشير الديك، أما الإخراج فكان للمتفرد صاحب البصمة البديعة عاطف الطيب.

أما من حيث التمثيل فكان لأبطاله واقعة وقتها، حيث عرض العمل على عادل إمام وقتها فرفضه، وقبله نور الشريف ليحصد معه كل الثناء ويصبح أحد العلامات المضيئة في تاريخه الفني. كما شارك به عماد حمدي ويعتبر آخر عمل له بالسينما قبل وفاته، ثم كوكبة من نجوم التمثيل وقتها.

عن فكرة الفيلم واستلهام حكايته، يحكي مؤلفه بشير الديك، وذلك في فيديو له شاهدته بنفسي، أنه كان جالسًا بصحبة صديقه المخرج الكبير الراحل محمد خان، وقال له نصًا: بص أنا جات فكرة في بالي ويا ريت لو نعمل معالجة لها، كانت الفكرة على حد قول بشير الديك هي لقصة شخص مهنته سائق تاكسي، ويرى من الدنيا الكثير، والذي تضيق نفسه به!

ويضيف بشير الديك: لحد كده ومحمد خان ترك لي مهمة صياغة معالجة سينمائية للفكرة دي، ومن ثم بناء قصة وسيناريو وحوار لها!!

ويُكمل حديثه: استلهمت من الفكرة البسيطة دي قصة كاملة، لحدوتة حسن سلطان أبو العلا، سائق التاكسي، وورشة أبيه الكبيرة القديمة، والتي قال نصًا أنه رمز بها إلى “مصر” .. وأنهى العمل كاملاً، وقدمه إلى عاطف الطيب، الذي أنبهر به، وقرر أن يحوله إلى هذه التحفة السينمائية!

وبالرغم من الدور المحدود لمحمد خان في كتابة الفيلم، إلا أن عاطف الطيب وبشير الديك أصرا على وجود اسمه معهم في تترات العمل .. وكما ذكرت سالفًا .. كان هذا حديث بشير الديك نصًا.

الفيلم ببساطة يحكي قصة “الإنسان المصري” حسن، ابن المعلم سلطان، الذي قضى زهرة شبابه محاربًا على الجبهة، مدافعًا عن تراب وطنه، ويرى في ذلك كل العز والفخار، ثم يعود ليجد بعد عودته الحال الاجتماعي أصبح غير الحال، والتركيبة الإنسانية قد شابها الجشع واللهاث والجري المسعور على المال وتكوينه.

يفاجأ بعد عودته بأن “ورشة” أبيه قيد الرهن، وأن عليه السعي ليجمع المال من أهله الذين ذاقوا من خيراتها ثم تنكروا لها بعد ذلك، بعدما أصبحوا من أصحاب الأملاك والأموال.

وكعادة عاطف الطيب في أفلامه، فقد استعرض بشكل درامي أثر الإنفتاح الساداتي على المجتمع، بعد سنين الحرب والنضال، وبزوغ الطبقة المتوسطة في حقبة الستينات، فيذهب إلى اخواته وأزواجهم الذي أصبحوا من أعيان فترة الإنفتاح، فها هو ذا الأول قد أصبح من كبار تجار البضائع المهربة في بورسعيد، وزوج أخته الآخرى قد أصبح من الأعيان لكونه تاجر “موبيليا”، وزوج أخته الثالث قد أصبح من كبار الأعيان بعدما سرق ورشة أبيه المعلم سلطان ثم تنكر له.

عاطف الطيب وبشير الديك وضعا تيمة العمل في شخصية “الأسطى حسن” الذي يدافع باستماتة عن قيم آمن بها، عن شخصية المصري الذي ناضل وكافح وآمن بقيم مجتمع الفضيلة والأصالة، ليعود ويجد أن المجتمع نفسه قد تخلى عن كل ذلك وأصبحت له مفرداته وقيمه الرخيصة الهشة، التي تسعى إلى الدنيوية، في زمن أصبح فيه من يمتلك المال هو صاحب الكلمة العليا.

لاحظوا معي أسماء الأبطال، حسن وأبيه سلطان أبو العلا، وكأنما يذكرني بقول الشاعر “أنا تاج العلاء في مفرق الشرق”، أو كأنه يرمز إلى الأب الكبير ذو السلطان والعلاء.

يظل حسن يسعى باستماتة طوال العمل ليسترد قيمته وقيمه، ما آمن به، من حرامية القيم والقوت وذوي المكانات الهشة، الأعيان وذوي الأملاك الذين وصلوا بالكذب والغش والتدليس في عصر إنهارت فيه كل القيم والمُثل والقدوات.

وفي ظل ذلك، تظهر وتتكشف أمامه معادن كل المحيطين به، الأهل، الذي ظنهم سند وعزوة، تركوه لقدره، ليحارب وحده، منكرين كل جمايل وأفضال أبيه (سلطان أبو العلا) وورشته عليهم!

الزوجة التي احبها، وهي أيضًا أحبته، لم تستطع ان تصمد أمام طوفان الحاجة، وطموحاتها وتطلعاتها ورغباتها الشخصية، لم تتحمل قسوة عواصف الحياة، ووسوسات أمها المستمرة، الكارهة لزوجها حسن، والتي دائمًا ما كانت تراه أقل منهم اجتماعيًا، وأنه مجرد “سوَّاق تاكسي” .. وكانت طوال العمل تسعى لفصل ابنتها عنه!

لذا تركته زوجته هي الأخرى، في أشد وقت كان يحتاج إليها فيه!

لم يتبقى له إلا أصدقائه الحقيقيين، المخلصين الأوفياء، والذين عرفهم في أوقات الشدة والأزمة، والتي لم تكن شدته أو أزمته، وإنما وقت شدة الوطن، والذين اجتمعوا جميعًا وقتها ولبُّوا النداء مجيبين محبين.

أصدقائه، أو زملاء الجيش وحرب التحرير والنصر، “شلة القروانة” كما أطلقوا على تجمعهم، الذين أحبوا بعضهم بدون هدف أو مصلحة أو غاية، مجرد حب جمعهم، وعلاقة روحية جمعتهم، لتحقيق النصر المعنوي قبل المادي!

عاطف الطيب المبدع قام بصياغة مشهد في منتهى الشجن والعذوبة والجمال جمع بينع الأصدقاء، وكان عند سفح الأهرامات، مستغلاً إضاءة القمر فقط، وضوء مصابيح السيارات، وجمع “شلة القروانة” .. ليحكوا ويتذكروا لحظات التضحية والفداء والحب الكبير للوطن أيام حرب اكتوبر، والحب الكبير بينهم الذي اجتمعت أنفسهم عليه .. فنرى مشهد به أصالة وقيمة وحب كبير!

نرى أيضًا أخته “وفاء” وزوجها “رزق” .. وركزوا مع رمزية الأسماء، والذين جمعوا أموال بسيطة بعد غربة وشقاء، إلا أنهم لم يتحملا أن يروا أبيهم في هذه الحال، وورشته التي كان خيرها على الجميع تحت وقع الرهن، فأعطوها كاملة لحسن من أجل تحرير ورشة المعلم سلطان أبو العلا!

الفيلم في الحقيقة ملآن رمزيات وعلامات مضيئة لمن يتدبر، وكلها تصب في غاية وهدف واحد كبير .. ورشة المعلم سلطان .. ورمزيتها الكبيرة!

قبل النهاية .. يجتمع اخواته وأزواجهم -اللي بقوا من الأعيان والقطط السمان- في البيت الكبير، وظاهر جلستهم أنهم يريدون المساعدة، وفك رهن الورشة، وفي واقع الأمر، هم أتوا كي يُجهزوا على الورشة الكبيرة ذات الأفضال والجمايل عليهم جميعًا، كل فرد منهم أتى وفي قرارة نفسه أراد أن يشتري الورشة، فمنهم من أراد أن يقوم بهدها ليبني مكانها عمارة كبيرة، ومنهم من أراد أن يجعلها معرض موبيليا، والمعلم سلطان يجلس بينهم .. يبيعوا ورشته وتاريخه ولا يستحون من جلوسه بينهم!!

ليقوم حسن ويطردهم جميعًا من منزل والده، ويذكرهم أن المعلم سلطان مازال حيًا، وانه هو خليفته ووريثه .. في مشهد جميل .. به رمزية كبيرة .. ومعنى مبطن لمن له لُب!!

بدأ الفيلم بمشهد بسيط، الأسطى حسن سواق الأتوبيس تحدث سرقة بين الركاب، ليصرخ الناس ويستنجدوا به أن يغلق الأبواب ويقبض على الحرامي، وبالفعل يفعل ذلك، ولكن الحرامي يقفز من النافذة ويهرب أمام أعين حسن، الذي تنتابه الحسرة لذلك، لما رأى من عجز وقلة حيلة في الإمساك به.

في نهاية العمل، يطل علينا واحد من أجمل المشاهد في تاريخ السينما، الأسطى حسن بعد موت أبيه، وضياع الورشة، وفقدانه زوجته، يتكرر نفس الموقف، ويقفز الحرامي من النافذة، ليلحق به حسن ويقوم بضربه (علقة موت) وهو يردد بكل غل وإنتقام “يا ولاد الكلب” في سابقة لم تحدث في حوارات الأفلام، وتتركها الرقابة كما هي، كان لا يضرب وقتها حرامي الأموال فقط، وإنما كان يفرغ كل همه وحسراته في من سرقوا الأحلام والأماني، في من سرقوا الشعب، ومن سرقوا القيم المجتمعية، ومن سرقوا المستقبل، ومن فرضوا علينا اللهاث والجشع والشر، كان يضرب كل شر وكل ذل وكل مهانة.

وتغلق الكادرات عليه وهو يضرب صنم السرقة، وفي خلفية هذا المشهد كان يعزف السلام الوطني المصري بتوزيع شجي رائع، وكأنما هي رسالة موجهة إلى الجميع.

تموج في الفيلم موسيقى من تأليف المبدع كمال بكير، والتي أخذت طابعًا شرقيًا شجيًا، وجعلته مصريًا واقعيًا مفرط في الواقعية.

سواق الأتوبيس على المستوى الشخصي يحتل لدي المرتبة رقم 2 في ترتيب الأفضل على الإطلاق .. شوفوه .. فهو يستحق المشاهدة والتحليل .. أنا أعشق هذا الفيلم.

سواق_الأتوبيس

أعمال مصرية خالدة

د. أحمد مروان

أخر المقالات

منكم وإليكم