فويتشخ بوغوسلافسكي: أب المسرح القومي البولندي

يُعدّ فويتشخ بوغوسلافسكي (Wojciech Bogusławski، 1757–1829) الشخصية الأكثر تأثيراً في تاريخ المسرح البولندي، ويُلقّب بحق “أبو المسرح البولندي”. جمع في حياته بين التمثيل والإخراج والتأليف وإدارة المسارح والتدريس والتأريخ المسرحي. وفي عصر تقسيم بولندا، جعل من خشبة المسرح حصناً لحماية اللغة البولندية والهوية الوطنية.

أولاً: النشأة والسنوات المبكرة

وُلد بوغوسلافسكي في 9 أبريل 1757 في قرية غلينو قرب بوزنان، لعائلة من النبلاء الصغار. تلقّى تعليمه في كراكوف، ثم في مدرسة داخلية في وارسو. في عام 1774، انتقل إلى بلاط الأسقف كاييتان سووتيك، حيث شارك في العروض المسرحية الهاوية التي كانت تُقام هناك، وكانت هذه أولى تجاربه مع المسرح.

في عام 1775، انضم إلى الحرس المشاة الليتواني، وخدم فيه ثلاث سنوات قبل أن يتركه برتبة ضابط مرشح. وتشير بعض المصادر إلى أن الإحباط بسبب الظلم في الترقيات هو ما دفعه لترك الخدمة العسكرية.

ثانياً: البدايات المسرحية (1778–1783)

في عام 1778، انضم بوغوسلافسكي إلى فرقة لودفيك مونتبرون، وبدأ مسيرته المسرحية الحقيقية. قدّم أول أدواره على خشبة هذه الفرقة، كما اقتبس كانتاتا “الفقر السعيد” لفرانتشيشك بوخوموليتس وحوّلها إلى أوبرا من فصلين لاقت استحسان الجمهور.

في عام 1781، عمل في لفيف مع فرقة أنييسكا وتوماش تروسكولاسكي، لكنه سرعان ما عاد إلى وارسو، حيث التحق بالمسرح القومي عام 1782. وبعد عام واحد فقط، أصبح مديراً للفرقة البولندية في المسرح، وأظهر قدرات إدارية لافتة، إذ نظّم جولات للفرقة في غرودنو ودوبنو. وفي هذه الفترة، حاول بدعم من الملك ستانيسواف أغسطس إنشاء مسرح خاص به في بوزنان، لكن المحاولة فشلت سريعاً.

في عام 1785، أسّس مسرحاً في فيلنيوس وأداره خمس سنوات، قدّم خلالها أعمالاً مهمة مثل “تودّد الشاب الوسيم” لفرانتشيشك زابووتسكي (1785)، كما قدّم لأول مرة في بولندا عمل بومارشيه الثوري “زواج فيغارو” (1786). في فيلنيوس، شكّل فرقة ممثلين متميزة اصطحبها معه لاحقاً إلى وارسو.

ثالثاً: إدارة المسرح القومي ومسرح الالتزام الوطني (1790–1794)

في عام 1790، تولّى بوغوسلافسكي إدارة المسرح القومي للمرة الثانية، وظل في المنصب حتى فشل انتفاضة كوشيوشكو. كان ينظر إلى المسرح باعتباره “مدرسة للفضائل” ومنبراً لنشر المثل الوطنية، وفي فترة البرلمان الكبير (1788–1792) تحوّل المسرح القومي إلى فضاء لمناقشة قضايا الإصلاح الوطني.

قدّم بوغوسلافسكي أعمالاً تناولت أكثر القضايا إلحاحاً في بولندا، منها كوميديا “عودة النائب” (1791) ليوليان أورسن نيمتسيفيتش — أول كوميديا سياسية بولندية — وكتب لها تكملة بعنوان “برهان الامتنان الوطني” (1791). كما كتب وقدّم “هنري السادس في الصيد” (1792).

لكن عمله الأشهر هو أوبرا “المعجزة المزعومة، أو الكراكوفيون والجبليون” (1794). استندت هذه الأوبرا إلى الألحان والرقصات الشعبية، وبدت ظاهرياً كوميديا ريفية، لكنها حملت إشارات وطنية قوية. عُرضت عشية انتفاضة كوشيوشكو ثلاث مرات فقط قبل أن تمنعها الرقابة. لكن الجمهور فهم التلميحات السياسية فوراً، وسرعان ما رددت شوارع وارسو مقاطع منها. كتب الكاتب أنطوني ترينبيتسكي في مراجعته أن العمل “شجّع الانتفاضة، وأعلن علناً لأولئك السادة المصير الحقيقي الذي ينتظرهم”. كاد بوغوسلافسكي يُعتقل بسبب عرض هذه الأوبرا، ويُقال إن تدخّل القائد الأعلى موشينسكي هو ما أنقذه.

رابعاً: المنفى في لفيف والعودة إلى وارسو (1795–1814)

بعد فشل الانتفاضة، غادر بوغوسلافسكي وارسو حاملاً معه أزياء المسرح وديكوره ومكتبته، وتوجّه إلى لفيف. هناك أسّس المسرح البولندي وأداره حتى عام 1799. وبعد مفاوضات طويلة مع الرقابة، أعاد تقديم “الكراكوفيون والجبليون” عام 1796، ثم قدّم “هاملت” لشكسبير عام 1797. كما عرض في لفيف ميلودراما من تأليفه بعنوان “إيسكاهار، ملك غواكسارا” (1797).

في عام 1799، تولّى إدارة المسرح القومي للمرة الثالثة، وظل في المنصب حتى عام 1814. خلال هذه الفترة، قدّم عروضاً أيضاً في بوزنان وكاليش ووفيتش وكراكوف وغدانسك. حافظ على جاذبيته لدى الجمهور الواسع، لكن النقاد بدأوا ينتقدون ما وصفوه بـ “ذوقه العامي”.

في عام 1811، أسّس أول مدرسة درامية في بولندا، وكتب لها بنفسه منهجاً بعنوان “فن الدراما، أو علم فن المسرح لمدرسة الدراما” (1812). وفي عام 1814، سلّم إدارة المسرح القومي إلى صهره لودفيك أوسينسكي، لكنه ظل على صلة بالمسرح. وفي سنواته الأخيرة، كتب “تاريخ المسرح القومي البولندي”، الذي وضع الأساس لدراسات المسرح في بولندا.

خامساً: إنجازه الفني ومكانته التاريخية

كتب بوغوسلافسكي وترجم واقتبس أكثر من ثمانين عملاً مسرحياً، شملت المأساة والكوميديا والميلودراما والنصوص الأوبرالية. أدخل إلى المسرح البولندي أعمال راسين وموليير وفولتير وبومارشيه وديدرو وشيلر وليسينغ، وكان أول من ترجم واقتبس وقدّم شكسبير وموليير وديدرو وليسينغ وشيريدان بالبولندية.

أما بوصفه ممثلاً، فقد بدأ بأدوار العاشق الشاب، لكن أعظم إنجازاته التمثيلية جاءت في فترة إدارته الثانية، حيث برع في أدوار الشخصيات الشعبية، كما أبدع في تجسيد الشيوخ والحكام والطغاة، ومن أبرزها دوره في “الملك لير” (1805).

كتب المؤرخ البولندي إيغناتسي خشانوفسكي عن بوغوسلافسكي قائلاً إن اسمه “مكتوب بحروف من ذهب لا في تاريخ المسرح البولندي فحسب، بل في تاريخ الثقافة الروحية البولندية أيضاً، وخاصة في تاريخ الوطنية البولندية”. ويمكن تلخيص عقيدته الفنية في عبارته الشهيرة: “أن نقدّم بالبولندية حيثما أمكن، وأن نعلن في العروض ونذكّر دائماً — أننا انطلقنا من وارسو، وسنعود إلى وارسو.”

توفي فويتشخ بوغوسلافسكي في 23 يوليو 1829 في وارسو عن عمر يناهز 72 عاماً. وقد حمل الممثلون الذين تخرّجوا من “مدرسته” رسالة المسرح البولندي إلى مدن جديدة، ونشروا شعلته في أرجاء أوسع.

المصادر:

  1. Janusz Drzewucki, “Wojciech Bogusławski, reżyser, aktor, śpiewak,” Polona/Blog, 2024.
  2. “Zmarł Wojciech Bogusławski,” Muzeum Historii Polski w Warszawie.
  3. “Wojciech Bogusławski,” Culture.pl.
  4. “Wojciech Bogusławski,” Lex – Danmarks Nationalleksikon, 2024.
  5. “Saga rodu Bogusławskich,” Polskie Radio, 2011.
  6. “Wojciech Bogusławski,” Encyklopedia Teatru Polskiego.
  7. Zbigniew Raszewski, Wojciech Bogusławski, PIW, Warszawa, 1972.
  8. “Wojciech Bogusławski,” Wikipedia (archived).

أخر المقالات

منكم وإليكم