فورتونا..دولاب الحظ حين تتحول الحياة إلى صورة.. وعجلة القدر من أسطورة في الأدب إلى صورة في الفوتوغرافيا والسينما.- إعداد: فريد ظفور.

فورتونا… دولاب الحظ حين تتحول الحياة إلى صورة
فورتونا… دولاب الحظ
حين تتحول عجلة القدر من أسطورة في الأدب إلى صورة في الفوتوغرافيا والسينما
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: العجلة التي لا تتوقف
منذ أن بدأ الإنسان يراقب السماء، ويتأمل تعاقب الفصول، ويشهد ولادة الأشياء وموتها، وهو يحاول أن يفهم القوة الخفية التي تقلب أحواله: ترفع إنساناً بعد أن كان في القاع، وتهوي بآخر بعدما ظن أنه بلغ القمة.
ومن هنا ولدت صورة فورتونا Fortuna، إلهة الحظ وتقلباته في المخيال الروماني، ثم تحولت عبر القرون إلى واحدة من أكثر الاستعارات رسوخاً في الثقافة الإنسانية: دولاب الحظ.
عجلة تدور باستمرار.
في أعلاها إنسان يظن أنه امتلك العالم، وفي أسفلها إنسان آخر يكتشف أن المجد عابر، وبين الصعود والسقوط تتشكل الحكاية الإنسانية كلها.
ولم تبقَ فورتونا أسيرة الأساطير القديمة. فقد عبرت من النحت إلى الرسم، ومن الشعر إلى المسرح، ومن الموسيقى إلى التصوير الفوتوغرافي، ومن الفيلم الفيلمي إلى الصورة الملونة، ثم إلى الفيديو والتلفزيون والسينما والصورة الرقمية المتحركة.
وفي كل مرة كانت العجلة تجد وسيطاً جديداً لتدور فيه.
فورتونا… أكثر من إلهة للحظ
في التصور الروماني القديم ارتبطت فورتونا بالحظ والقدر وتقلب الأحوال، وكانت صورتها الفنية ترتبط بالعجلة أو الكرة أو الدفة، بحسب السياق الرمزي.
لكن «دولاب الحظ» أصبح لاحقاً أكثر من مجرد رمز ديني أو أسطوري.
لقد تحول إلى استعارة فلسفية للحياة.
فالحياة لا تسير في خط مستقيم دائماً؛ إنها صعود وهبوط، اقتراب وابتعاد، ظهور واختفاء، امتلاء وفراغ.
وهذه الثنائية هي التي جعلت العجلة واحدة من أكثر الرموز قدرة على البقاء.
فالإنسان القديم رأى فيها مصيره، والكاتب رأى فيها حبكة الرواية، والشاعر رأى فيها استعارة للزمن، والموسيقي حوّلها إلى إيقاع، والمصور يستطيع أن يحولها إلى لقطة.
من الأسطورة إلى الأدب
دخلت فكرة فورتونا مبكراً في الأدب الأوروبي، وأصبحت صورة أساسية للتعبير عن عدم ثبات الدنيا.
ومن أشهر تجلياتها الأدبية «عجلة الحظ» التي ظهرت في الأدب والفكر الوسيط، حيث تُصوَّر الحياة باعتبارها دورة ترفع الإنسان ثم تهبط به.
وهنا تصبح العجلة شبيهة ببنية الرواية نفسها.
هناك بداية.
ثم صعود.
ثم ذروة.
ثم سقوط.
ثم نهاية.
لكن النهاية قد تكون بداية أخرى.
وهذا هو سر قوة الرمز:
العجلة لا تنتهي عندما تصل إلى الأسفل، لأنها ستواصل الدوران.
فورتونا في الشعر… حين يصبح الحظ شخصية
في الشعر، لا يظهر الحظ باعتباره فكرة مجردة فقط، بل يتحول إلى مخاطَب.
وهذا ما نراه بصورة واضحة في نص O Fortuna الذي استخدمه كارل أورف في «Carmina Burana».
«يا فورتونا، كالقمر أنتِ، متقلبة الأحوال؛ تارةً تكبرين وتارةً تتضاءلين».
إن الشاعر هنا لا يصف الحظ من الخارج.
إنه يخاطبه.
وهذا التحول مهم جداً فنياً؛ لأن الفكرة المجردة تصبح شخصية لها وجه وصوت وإرادة.
وهكذا ينتقل الرمز من الفلسفة إلى الدراما.
فورتونا في الفنون التشكيلية
قبل أن تصبح العجلة صوتاً موسيقياً، كانت صورة بصرية.
ظهر رمز «عجلة الحظ» في المخطوطات والرسوم والمنحوتات والأعمال الرمزية الأوروبية، وغالباً ما كانت العجلة تحمل شخصيات بشرية في مراحل مختلفة من دورانها.
شخص يصعد.
شخص في القمة.
شخص يهبط.
وشخص يسقط.
إنها، في جوهرها، لوحة واحدة تختصر دورة حياة كاملة.
ومن هنا يمكن للفنان التشكيلي أن يستخدم العجلة باعتبارها استعارة للسلطة والمجد والمال والحب والزوال.
وقد يكون الإنسان في أعلى العجلة اليوم، لكنه قد يجد نفسه غداً في أسفلها.
فورتونا والموسيقى… حين تصبح العجلة إيقاعاً
وصل الرمز إلى ذروة حضوره الحديث مع كارل أورف و«Carmina Burana».
في O Fortuna لا نرى العجلة بأعيننا، لكننا نسمعها.
الإيقاع المتكرر يشبه دوراناً ميكانيكياً.
الجوقة تصعد.
ثم تضرب.
ثم تعود.
ثم يتكرر البناء.
وكأن الموسيقى نفسها أصبحت عجلة.
وهنا تحدث واحدة من أجمل التحولات في تاريخ الفن:
الرمز البصري يتحول إلى بنية صوتية.
لم يعد دولاب الحظ شيئاً نراه؛ أصبح شيئاً نشعر به.
الفوتوغرافيا… اللحظة التي تتوقف فيها العجلة
وهنا نصل إلى علاقة فورتونا بفن التصوير.
الفوتوغرافيا، في جوهرها، فن شديد الصلة بالزمن.
العجلة تدور باستمرار، لكن الكاميرا تستطيع أن تقول:
توقف.
وهذه المفارقة عميقة للغاية.
الحياة متحركة.
والصورة ثابتة.
الإنسان يتغير.
والصورة تحفظ لحظة منه.
الطفل يصبح رجلاً.
والشاب يصبح شيخاً.
والمدينة تتغير.
والوجه يتبدل.
لكن الصورة تقول:
كان هنا.
إنها محاولة صغيرة لمقاومة دوران دولاب الزمن.
التصوير الفيلمي الأحادي… ذاكرة الضوء والظل
في التصوير الفيلمي الأحادي، ولا سيما الأبيض والأسود، تصبح علاقة فورتونا أكثر وضوحاً.
الأبيض والأسود ليسا مجرد غياب للألوان؛ إنهما ثنائية بصرية عميقة:
النور والظلام.
الحضور والغياب.
الحياة والموت.
الصعود والسقوط.
الذاكرة والنسيان.
ولهذا يستطيع المصور بالأبيض والأسود أن يحول وجه الإنسان إلى ما يشبه خريطة زمنية.
التجاعيد ليست مجرد خطوط على الجلد.
إنها آثار دوران العجلة.
الصورة الفيلمية… الزمن داخل المادة
في الفيلم التقليدي، كانت الصورة تُسجل على مستحلب حساس للضوء.
الفوتونات تصل إلى طبقة الفيلم.
تحدث تغيرات كيميائية.
ثم تأتي عملية التحميض والتثبيت والطباعة.
وهنا يصبح الفيلم نفسه نوعاً من الذاكرة المادية.
فاللحظة التي مرت أمام العدسة لا تختفي تماماً؛ إنها تترك أثراً كيميائياً على المادة الحساسة للضوء.
ومن منظور فلسفي، يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره:
مادة قاومت النسيان.
فورتونا تدور.
لكن الفيلم يحتفظ بأثر صغير من إحدى دوراتها.
اللون… عندما تدخل العجلة عالمها المتعدد
مع التصوير الملون، تغيرت العلاقة البصرية مع الزمن.
لم يعد المصور يعتمد على الأبيض والأسود فقط لبناء المعنى، بل أصبح اللون نفسه لغة.
الأحمر قد يصبح علامة على الحب أو الخطر.
الأزرق يمكن أن يقترن بالهدوء أو المسافة.
الأخضر بالحياة والطبيعة.
الذهبي بالمجد والترف.
والرمادي بالزوال.
وهكذا يمكن للون أن يصبح مؤشراً لحركة فورتونا.
صورة تبدأ بألوان مشرقة، ثم تتغير تدريجياً إلى ألوان باردة أو قاتمة؛ فتتحول المعالجة اللونية نفسها إلى سرد بصري عن الصعود والسقوط.
من الصورة الثابتة إلى الفيلم… عندما تبدأ العجلة بالحركة
إذا كانت الصورة الفوتوغرافية توقف الزمن، فإن الفيلم يعيده إلى الحركة.
وهنا تحدث النقلة الكبرى.
في الفوتوغرافيا:
لحظة واحدة.
في السينما:
سلسلة من اللحظات.
الفيلم لا يعرض لحظة واحدة؛ إنه يصنع علاقة بين اللحظات.
لقطة.
ثم لقطة.
ثم لقطة.
وبينها يولد الزمن.
ومن هنا يصبح الفيلم أقرب الوسائط الحديثة إلى فكرة دولاب الحظ.
الشخصية تظهر.
تصعد.
تصل إلى القمة.
تسقط.
تحاول النهوض.
ثم تبدأ دورة جديدة.
إنها بنية درامية يمكن العثور عليها في عدد لا يحصى من الحكايات الإنسانية.
المونتاج… عجلة داخل عجلة
المونتاج السينمائي هو في حد ذاته نوع من الدوران.
المخرج يختار لقطة، ثم يحذف أخرى.
يقربنا من الوجه.
ثم يبتعد بنا.
ينقلنا من الماضي إلى الحاضر.
ومن الحاضر إلى المستقبل.
ومن الحلم إلى الواقع.
ومن الحياة إلى الذاكرة.
وهكذا لا يصبح الزمن في السينما مجرد شيء يسير أمام الكاميرا، بل يصبح مادة يمكن تقطيعها وإعادة تركيبها.
وهنا يستطيع المخرج أن يجعل دولاب الحظ يدور في دقائق.
الحركة البطيئة… حين نحاول الإمساك بالزمن
في المقابل، جاءت تقنيات Slow Motion لتمنح السينما إمكانية تفكيك اللحظة.
سقوط قطرة ماء.
انفجار.
قفزة رياضي.
حركة راقص.
سقوط إنسان.
في الزمن الحقيقي قد تستغرق الحركة جزءاً من الثانية.
لكن الكاميرا تستطيع أن تمدها إلى عدة ثوانٍ.
وهنا يحدث شيء فلسفي:
نحن نرى الزمن الذي لا تستطيع العين الطبيعية أن تراه بهذه الطريقة.
إنها محاولة فنية لإبطاء العجلة.
اللقطة السريعة… عندما تصبح الحياة ومضات
وعلى الجانب الآخر، يمكن للكاميرا أن تسرّع الزمن.
السحب تتحرك بسرعة.
المدينة تتحول إلى تيارات من الضوء.
الليل يأتي ويذهب.
الشروق والغروب يصبحان لحظة واحدة.
وهكذا تستطيع الكاميرا أن تجعل ساعات وأياماً وسنوات تبدو كأنها ثوانٍ.
إنها فورتونا وقد تحولت إلى تقنية تصوير.
الفيديو… العجلة أصبحت قابلة للحمل
مع ظهور الفيديو تغيرت العلاقة بين الصورة والزمن.
لم يعد تسجيل الحركة مرتبطاً حصراً بالشريط السينمائي التقليدي.
أصبح بالإمكان التسجيل إلكترونياً، ثم لاحقاً رقمياً، مع سهولة أكبر في النسخ والتحرير والعرض.
ثم جاءت الهواتف الذكية، فأصبحت الكاميرا في يد الإنسان طوال الوقت.
وهنا تحولت العلاقة مع الزمن جذرياً:
لم يعد الإنسان ينتظر لحظة التصوير.
الحياة نفسها أصبحت قابلة للتسجيل باستمرار.
التلفزيون… دولاب الحظ أمام ملايين العيون
التلفزيون أضاف بعداً آخر.
فالحدث لم يعد يُسجل فقط؛ بل يمكن أن يُبث إلى جمهور واسع في الوقت نفسه.
الخبر العاجل.
المباراة.
الانتخابات.
الحفل.
الحرب.
الاحتفال.
الانهيار.
كلها تتحول إلى صور متحركة تدخل البيوت.
وهنا أصبحت الصورة شريكاً في صناعة الذاكرة الجماعية.
فالمجتمع لا يتذكر الحدث فقط؛ بل يتذكر الصورة التي شاهد بها الحدث.
السينما… فورتونا في وجه الإنسان
ربما تكون السينما أكثر الفنون قدرة على تجسيد دولاب الحظ.
لأن السينما تمتلك:
الصورة + الحركة + الزمن + الصوت + الموسيقى + المونتاج + الأداء + الضوء + اللون.
كل هذه العناصر يمكن أن تعمل معاً لتصوير دورة الإنسان.
البطل يبدأ ضعيفاً.
يواجه العالم.
ينتصر.
ثم يخسر.
أو يبدأ قوياً.
ثم يسقط.
أو يبدأ فقيراً.
ثم يصعد.
ثم يكتشف أن القمة ليست نهاية الرحلة.
وهذه ليست مجرد حبكات سينمائية؛ إنها بنية قديمة قدم الحكاية الإنسانية.
الضوء… فورتونا الخفية في الصورة
من وجهة نظر المصور، ربما يكون الضوء نفسه أقرب استعارة لفورتونا.
فالضوء يتغير باستمرار.
شمس الصباح ليست شمس الظهيرة.
وضوء الغروب ليس ضوء الفجر.
والوجه نفسه يتغير عندما ينتقل الضوء من جهة إلى أخرى.
المصور لا يصور الأشياء فقط؛ إنه يصور علاقة الأشياء بالضوء في لحظة معينة.
وهذه اللحظة لن تتكرر بالطريقة نفسها.
إنها فورتونا.
الظل… الجانب الآخر من العجلة
لا يمكن الحديث عن الضوء دون الظل.
كل صعود يحمل احتمال السقوط.
وكل ضوء يحمل ظله.
ولهذا كان الظل عنصراً مركزياً في تاريخ التصوير والفن التشكيلي والسينما.
في الأبيض والأسود يصبح الظل لغة.
وفي اللون يصبح الظل أكثر تعقيداً.
وفي السينما يصبح الظل شخصية درامية.
وفي بعض الأعمال قد يكون ما لا نراه أهم مما نراه.
وهنا تقترب الصورة من الفلسفة:
هل نرى الحقيقة أم نرى ظلها؟
فورتونا والذاكرة الفوتوغرافية
الصورة لا توقف الزمن تماماً.
إنها تحفظ أثراً من الزمن.
وهذه نقطة جوهرية.
الصورة القديمة لا تعيد لنا الماضي.
لا نستطيع الدخول إليها.
لكنها تمنحنا نافذة عليه.
وجه طفل في صورة قديمة لا يزال طفلاً إلى الأبد، رغم أن صاحب الوجه ربما أصبح اليوم شيخاً.
وهنا تكمن قوة التصوير:
الصورة تحفظ الإنسان في لحظة لا يستطيع الإنسان نفسه العودة إليها.
كأنها تقول:
لقد مر الزمن من هنا.
الصورة الرقمية… عندما تصبح الذاكرة خوارزمية
مع الانتقال من الفيلم إلى الحساسات الرقمية، تغيرت طبيعة الصورة.
لم تعد الصورة تعتمد على المستحلب الكيميائي بالطريقة التقليدية، بل أصبحت الإشارة الضوئية تُلتقط بواسطة الحساس، وتتحول إلى بيانات رقمية، ثم تُعالج خوارزمياً.
الفوتون.
ثم الإشارة.
ثم البيانات.
ثم البكسل.
ثم الصورة.
وهنا يدخل دولاب الحظ إلى مرحلة جديدة:
لم تعد الصورة مجرد أثر كيميائي للضوء؛ بل أصبحت أثراً حسابياً يمكن تعديله ونسخه وضغطه ومعالجته وإعادة تركيبه.
الذكاء الاصطناعي… عندما تصبح فورتونا خوارزمية
في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، وصلت العلاقة بين الصورة والاحتمال إلى مستوى جديد.
الصورة لم تعد بالضرورة نتيجة حدث وقع أمام عدسة.
يمكن أن تكون نتيجة نموذج حسابي يولّد صورة من وصف أو من مجموعة من البيانات.
وهنا يظهر سؤال فلسفي جديد:
إذا كانت الصورة تستطيع أن تُخلق من دون أن يكون لها أصل فوتوغرافي أمام الكاميرا، فأين تقف فورتونا؟
في التصوير التقليدي كان المصور ينتظر اللحظة.
أما في الصورة التوليدية، فإن الخوارزمية تستطيع أن تولد احتمالات متعددة.
كأن دولاب الحظ انتقل:
من العالم الفيزيائي إلى العالم الحسابي.
من فورتونا إلى «اللحظة الحاسمة»
في التصوير الفوتوغرافي، هناك دائماً تلك اللحظة التي يضغط فيها المصور على زر الغالق.
قد يكون المشهد قبلها مختلفاً تماماً.
وبعدها بثانية يصبح مختلفاً أيضاً.
الضغط على الغالق هو اختيار.
وكل اختيار يستبعد آلاف الاحتمالات الأخرى.
لهذا يمكن النظر إلى التصوير الفوتوغرافي بوصفه مواجهة بين:
فورتونا التي تولد الاحتمالات، والمصور الذي يختار لحظة واحدة منها.
العالم يمنحنا ملايين اللحظات.
لكن المصور يقول:
هذه هي اللحظة التي أريد أن أتذكرها.
فورتونا في الصورة المتحركة
في الصورة المتحركة لا نلتقط لحظة واحدة فقط.
نحن نلتقط تعاقب اللحظات.
وهنا يمكن للمصور السينمائي أو المخرج أن يجعل الزمن نفسه موضوعاً للصورة.
طفل يكبر.
مدينة تتغير.
وجه يتقدم في العمر.
بناء ينهار.
شجرة تنمو.
بحر يتبدل.
ضوء يختفي.
كل ذلك يجعل الصورة المتحركة سجلاً مرئياً لدوران الزمن.
الفوتوغرافيا والفيديو… بين مقاومة الزمن والاستسلام له
الفوتوغرافيا تقول:
توقف.
الفيلم يقول:
استمر.
الفيديو يقول:
سجّل.
السينما تقول:
أعد بناء الزمن.
والصورة الرقمية تقول:
احفظه في هيئة بيانات.
أما الذكاء الاصطناعي فيضيف:
يمكنني أيضاً أن أتخيل زمناً لم يحدث.
وهكذا، في أقل من قرنين، انتقلت الصورة من محاولة حفظ اللحظة إلى القدرة على إعادة تشكيل الزمن نفسه.
دولاب الحظ في حياتنا اليومية
لكن فورتونا لا تحتاج إلى أسطورة كي تكون حاضرة.
إنها موجودة في حياتنا اليومية.
صورة زفاف.
صورة طفل.
صورة أم.
صورة مدينة.
صورة حرب.
صورة سفر.
صورة منزل قديم.
صورة شخص رحل.
كل صورة هي نقطة على دولاب الزمن.
وفي الألبومات العائلية خصوصاً، يصبح التصوير نوعاً من الأرشيف الشخصي لفورتونا.
نرى الناس كما كانوا.
نرى البيوت قبل أن تتغير.
نرى المدن قبل أن تتوسع.
ونكتشف أن الزمن كان يدور طوال الوقت، بينما كنا نعتقد أنه ثابت.
المصور أمام دولاب الحظ
المصور لا يستطيع إيقاف الزمن.
ولا يستطيع التحكم في كل ما يحدث أمامه.
لكن يمكنه أن يختار.
يمكنه أن يراقب.
يمكنه أن ينتظر.
يمكنه أن يعرف متى يأتي الضوء.
ومتى تتقاطع الخطوط.
ومتى يتحرك الإنسان داخل الإطار.
ومتى تصبح اللحظة ذات معنى.
وهنا تتحول المهنة إلى نوع من الإصغاء.
المصور الجيد لا يطارد اللحظة فقط؛ بل يصغي إلى اقترابها.
فورتونا كفلسفة للصورة
إذا تأملنا تاريخ الصورة من الكهف إلى الهاتف الذكي، نجد أن الإنسان كان يحاول دائماً أن يحتفظ بشيء من عالم يختفي.
الرسم على جدار الكهف.
النحت.
المخطوط المصور.
اللوحة.
الكاميرا.
الفيلم.
الفيديو.
التلفزيون.
السينما.
الصورة الرقمية.
الصورة التوليدية.
كلها محاولات مختلفة للإجابة عن سؤال واحد:
كيف نحتفظ بما يوشك أن يختفي؟
وهنا تصبح فورتونا رمزاً للزمن نفسه.
فالعجلة ليست الحظ فقط.
إنها الحركة التي لا نستطيع إيقافها.
خاتمة: عندما يصبح المصور شاهداً على دوران العجلة
ربما لا تكمن عظمة فورتونا في كونها إلهة للحظ، وإنما في كونها صورة قديمة لحقيقة لم تتغير:
كل شيء يتغير.
الشباب يتحول إلى شيخوخة.
المدينة إلى أثر.
اللقاء إلى ذكرى.
الضوء إلى ظل.
الفيلم إلى أرشيف.
واللحظة إلى صورة.
ومن هنا تبدو الكاميرا وكأنها واحدة من أدوات الإنسان لمواجهة دولاب الحظ.
هي لا توقف العجلة، لكنها تنتزع منها لحظة واحدة.
وفي الفيلم الأحادي تحفظ تلك اللحظة في الفضة والضوء.
وفي اللون تحفظها في طبقات اللون.
وفي الفيديو تحفظ حركتها.
وفي التلفزيون تجعلها جزءاً من الذاكرة الجماعية.
وفي السينما تعيد بناءها درامياً.
وفي الصورة الرقمية تحولها إلى بيانات.
وفي الصورة المتولدة خوارزمياً تبدأ حتى في اختراع احتمالات لم تقع بعد.
لكن مهما تغيرت الأدوات، يبقى السؤال واحداً:
ماذا يبقى من اللحظة عندما تمر؟
ربما تبقى الصورة.
وربما يبقى الفيلم.
وربما يبقى المشهد في ذاكرة من شاهده.
وربما لا يبقى إلا أثر ضوء صغير.
وهنا، في المسافة بين الضوء والذاكرة والزمن، تستمر فورتونا في الدوران.
فالعجلة لا تتوقف.
لكن المصور يستطيع، للحظة واحدة، أن يقول لها:
توقفي… أريد أن أصنع من دورانك صورة.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
أكثّف التكرار وأحافظ على النبرة الشعرية
أوضح الفرق بين الفيلم والفيديو والصورة الرقمية
أضيف أمثلة بصرية فوتوغرافية وسينمائية ملموسة

أخر المقالات

منكم وإليكم