فنانو العراق -التأسيس وبداية الخطوط الاولى للوحة.

فنانو العراق المرحلة الاولى البدايات والتأسيس نستعيدهم لا لنكتب تاريخًا مضى، بل لنكتشف كيف بدأ الفن العراقي حكايته في هذه السلسلة نعود إلى الذاكرة التشكيلية العراقية، لنستعيد أسماءً أسست للوحة العراقية، ووضعت اللبنات الأولى لمسيرتها الحديثة. نتوقف عند تجارب الرواد، فنانًا بعد آخر، لقراءة منجزهم الفني، وتحولات أساليبهم، وصلتهم بالمكان والموروث والإنسان العراقي، وما تركوه من أثرٍ امتد إلى الأجيال التي جاءت من بعدهم.محمد صالح زكي ريشة التأسيس وبدايات اللوحة العراقية الفن لا يبدأ من اللوحة وحدها، بل من اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن ما يراه يمكن أن يتحول إلى ذاكرة.في تاريخ الفن التشكيلي العراقي أسماء لم تأتِ إلى المشهد في زمن مكتمل المؤسسات، ولم تجد أمامها أكاديميات راسخة ولا قاعات عرض واسعة ولا حركة نقدية متخصصة، وإنما وجدت أرضاً تكاد تكون خالية إلا من الرغبة في اكتشاف الرسم بوصفه لغة جديدة. ومن بين تلك الأسماء يبرز الفنان محمد صالح زكي واحداً من الأسماء المؤسسة التي أسهمت في نقل الرسم العراقي من حدود الممارسة الفردية إلى فضاء أوسع من الوعي الفني.ولد محمد صالح زكي في بغداد سنة 1888، ويعد من الفنانين العراقيين المؤسسين للحركة التشكيلية العراقية. ارتبطت بداياته بالتجربة العسكرية، إذ درس في الأكاديمية العسكرية في إسطنبول، وكانت دروس الرسم جزءاً من تكوينه هناك، الأمر الذي أتاح له التعرف إلى أساليب الرسم الأوروبية وتقنياته في وقت مبكر. وبعد عودته إلى العراق واصل علاقته بالفن، وظل الرسم حاضراً في حياته إلى جانب عمله العسكري. تكمن أهمية هذه البداية في أنها تكشف طبيعة المرحلة التي ظهر فيها زكي. فالفنان العراقي في تلك الفترة لم يكن أمام طريق واضح يمكن أن يسلكه؛ كانت ممارسة الرسم الحديثة في بداياتها، وكان على الفنان أن يتعلم ويجرب ويعرّف المجتمع بفكرة اللوحة الحديثة في آن واحد. ولهذا ارتبط اسم محمد صالح زكي بمجموعة من الفنانين الأوائل الذين أسهموا في إدخال الرسم الزيتي والرسم على الحامل إلى الحياة الفنية العراقية.جمعته هذه المرحلة بأسماء مهمة مثل عبد القادر الرسام، والحاج محمد سليم، وعاصم حافظ، وهم من المجموعة التي ارتبطت بالبدايات العثمانية في تاريخ الرسم العراقي الحديث. وقد أسهم هؤلاء في إدخال الأساليب الأوروبية إلى الممارسة الفنية العراقية وتحفيز الاهتمام بالفن التشكيلي، الأمر الذي مهد الطريق أمام أجيال لاحقة ستتولى تطوير الحركة الفنية العراقية باتجاهات أكثر تنوعاً. لم يكن محمد صالح زكي فناناً منعزلاً عن حركة المجتمع. فقد كان ضابطاً في الجيش العراقي الملكي، ووصل إلى منصب آمر الحرس الملكي في عهد الملك فيصل الأول. وبين التنقلات العسكرية والمدن العراقية المختلفة ظل يحمل أدواته الفنية معه، فكانت الطبيعة العراقية رفيقته الدائمة، يرسم الجبال والأهوار والريف والمشاهد التي تقع أمام عينه خلال رحلاته. وهنا تظهر إحدى السمات المهمة في تجربته: الطبيعة العراقية كانت مدرسة مفتوحة أمامه. لم يكن الرسم بالنسبة إليه نقلاً آلياً للمنظر، بل وسيلة لاكتشاف البيئة وتسجيل تفاصيلها. ولذلك حضرت في أعماله مشاهد الريف والجبال والأهوار، وهي موضوعات ستظل لاحقاً جزءاً مهماً من ذاكرة الرسم العراقي.كان زكي يميل إلى الرسم الواقعي، وخصوصاً رسم المناظر الطبيعية، كما تناول موضوعات مرتبطة بالتاريخ العسكري العراقي. واعتمد الألوان الزيتية في إنتاجه، وظل متمسكاً بالرسم حتى بعد تقاعده من الخدمة العسكرية. وتشير المصادر إلى أنه شارك في مناسبات ومعارض فنية مبكرة، منها مهرجان سوق عكاظ سنة 1922، كما شارك في المعرض الصناعي الزراعي سنة 1932، وهو معرض كانت له أهمية في إظهار أعمال الرسم والتخطيط والخط العربي والنحت أمام الجمهور. كان معرض عام 1932 محطة ذات دلالة في تاريخ الفن العراقي؛ لأن ظهور أعمال الفنانين العراقيين ضمن جناح فني منح اللوحة حضوراً عاماً يتجاوز المرسم الخاص. وفي هذا السياق يمكن قراءة مشاركة محمد صالح زكي ضمن حركة أوسع كانت تعمل على ترسيخ فكرة الفن التشكيلي داخل المجتمع، وجعل الفنان جزءاً من المشهد الثقافي العام.لم يكتف زكي بالتجربة المحلية، فقد زار أوروبا سنة 1938، واطلع على المتاحف الفنية هناك، وشاهد أعمالاً وتجارب مختلفة. وقد شكل هذا السفر فرصة لتعميق ثقافته البصرية، وإعادة النظر في ما كان يعرفه من أساليب الرسم، والاقتراب أكثر من تاريخ الفن الأوروبي. لكن قيمة محمد صالح زكي لا تختصر في سفره أو في أعماله الزيتية. أهميته الحقيقية تكمن في موقعه داخل الجيل الذي فتح الباب. فالفنان المؤسس لا يقاس دائماً بمدى قربه من التجارب الحداثية اللاحقة، وإنما بقدرته على وضع الأساس الذي يسمح للأجيال القادمة بأن تبدأ من نقطة أكثر تقدماً.لقد كانت الحركة التشكيلية العراقية في بداياتها بحاجة إلى الفنان الذي يثبت أن اللوحة يمكن أن تكون جزءاً من الحياة الثقافية، وأن الطبيعة العراقية تستحق أن تتحول إلى موضوع فني، وأن دراسة اللون والضوء والمنظور يمكن أن تنتقل من التجارب الفردية إلى ممارسة لها حضور اجتماعي.ومن هذه الزاوية يصبح محمد صالح زكي حلقة أساسية بين البدايات الأولى والتطور الذي سيشهده الفن العراقي في العقود اللاحقة.فقد جاءت بعده أجيال أكثر اتصالاً بالأكاديميات الأوروبية وأكثر قدرة على التعامل مع المدارس الحديثة، وظهرت أسماء مثل فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي وعطا صبري وغيرهم. لكن هؤلاء لم يبدأوا من فراغ؛ كانت هناك تجارب سبقتهم ومهدت للمشهد الذي وجدوه أمامهم.واللافت أيضاً أن أثر محمد صالح زكي امتد داخل أسرته الفنية، فقد كان ابنه الفنان زيد صالح زكي من الأسماء المهمة في الجيل اللاحق، وانخرط لاحقاً في جماعة الرواد وواصل تجربته في الرسم الواقعي وجرب اتجاهات فنية أخرى. وتشير المصادر إلى أن زيد نشأ في بيت مفتوح على الفن، وكان والده على صلة بفنانين من الرواد الأوائل، الأمر الذي وفر له بيئة فنية مبكرة أثرت في تكوينه. وهذا الامتداد العائلي يكشف جانباً آخر من تاريخ التأسيس: الفن لم ينتقل في العراق من المؤسسات وحدها، بل انتقل أيضاً من الفنان إلى تلميذه، ومن الأب إلى الابن، ومن المرسم إلى المجالس الثقافية، ومن مشاهدة اللوحة إلى ممارسة الرسم.كان محمد صالح زكي يميل إلى البساطة والواقعية، ويبحث عن جمال المشهد من خلال اللون والضوء والتكوين. وتكشف الأعمال المنسوبة إليه في أرشيف الفن العراقي الحديث عن اهتمام واضح باللوحة الزيتية والمناظر الطبيعية. وتوجد في أرشيف الفن العراقي الحديث أعمال له محفوظة ضمن السجل التوثيقي للأعمال العراقية، بعضها من دون عناوين محددة، وهو ما يعكس أهمية استمرار جهود أرشفة هذا التراث الفني المبكر. ومن المهم عند قراءة تجربته ألا نحاكمها بمعايير المدارس التي ظهرت بعده. فزكي ينتمي إلى زمن كانت فيه مهمة الفنان مختلفة؛ كان عليه أولاً أن يؤسس حضور اللوحة، وأن يرسخ الرسم الزيتي، وأن يجعل الطبيعة العراقية مادة صالحة للفن، وأن يفتح نافذة على التجارب الأوروبية من دون أن يفقد صلته بالمكان.لهذا فإن تجربة محمد صالح زكي تحمل قيمة تاريخية تتجاوز حدود أسلوبه. إنه واحد من الفنانين الذين أسهموا في بناء الذاكرة الأولى للفن التشكيلي العراقي، وواحد من الذين جعلوا الرسم جزءاً من الثقافة العراقية الحديثة.توفي محمد صالح زكي في بغداد سنة 1973، بعد حياة طويلة امتدت خمسة وثمانين عاماً تقريباً، عاش خلالها تحولات كبرى في تاريخ العراق، وظل الرسم حاضراً في مسيرته حتى سنواته الأخيرة. وعندما نستعيد اسمه اليوم ضمن سلسلة فناني العراق الأوائل: دور التأسيس والبناء، فإننا لا نستعيد فناناً من الماضي فقط، بل نستعيد مرحلة كاملة كان فيها كل خط على القماش محاولة لتأسيس لغة، وكل معرض خطوة نحو تكوين جمهور، وكل تجربة في الطبيعة تدريباً للعين العراقية على رؤية العالم بطريقة جديدة.لقد ترك محمد صالح زكي أثراً هادئاً، لكنه عميق لم يكن صوته صاخباً في تاريخ الحداثة العراقية، غير أن الريشة التي حملها في البدايات كانت جزءاً من الطريق الذي أوصل اللوحة العراقية إلى مراحلها الأكثر نضجاً. ومن هنا تأتي قيمة الرواد: أنهم لا يرسمون لأنفسهم وحدهم، بل يتركون وراءهم طريقاً يستطيع الآخرون أن يكملوه.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم