فراس الشاروط يقرأ في تجربة كاظم نوير التشكيلية.

الفنان د. كاظم نوير

ذاكرة المدينة؛ رحلة الموروث والحداثة د. فراس الشاروط ..كاظم نوير واحد من الفنانين الشباب الذين يرتقون سلم الفن الأصيل درجة درجة بلا عجل، في معرضه الأخير الذي أقامه على قاعة أثر للفنون، قدّم فيه صوراً إبداعية عبر مصداقية الأثر الإنساني وإن بدا هذا الأمر فيه ميل جميل نحو الغنائية في اللون والحركة والملمس الواضح الذي يتركه فوق سطح اللوحة.* كاظم نوير على خارطة التشكيل العراقي:مسيرة وإبداع الفنان كاظم نوير تنطلق من اهتمامه بالحياة الإنسانية الشعبية وخصوصاً في مدينته الديوانية يضاف إليها دراسته الفنية الأكاديمية التي جعلت من استعماله لأدواته وتقنياته الفنية ذات شيء أشبه بالوثيقة، ليستقل ذلك الشيء مكوناً رؤية خاصة به وحده مؤكداً حضوره الفني على خارطة الفن التشكيلي العراقي.* اللوحة.. الوثيقة.. الذاكرة: يدخل بنا كاظم نوير في معرضه نحو حلم عشناه، حلم شاهدناه، حلم نسيته الذاكرة واسترجعته بألوان كاظم المشعة، عوالم من التراث ذات حلم صوفي من موشحات بصرية لونية تتحرك مع الغانيات والكلاب السائبة والمآذن الملونة، إن كاظم نوير يعقد اتفاقاً جدلياً مع ألوانه، فمرة يهادن ومرة يغضب فيشع الأحمر وسط العمل، ونحن معه كمتلقين نحاور اللوحة ونعقد الهدنة حتى لا نخرج مع أطياف الرؤى الجمالية لأثر الرموز. إننا نتعرف على ذلك من الرؤية/ القراءة للوحة، إذ مواكبة الموروث الشعبي على بنية نسيج سطح القماش، فتأخذ الكائنات حريتها فوق ذلك النسيج مشبعة بآمال رحلت ولقاءات مزركشة بالألوان وحيوات أزلية بين الموت والرحيل، بين الضوء والظل.كسر الفنان حواجز خلفيات لوحاته من انسجامها مع مقدماتها، لذلك جاءت ألوانه قوية لتبقى عالقة في تلاقي الحركات القلقة للشخصيات من فعل الحفر الغائر للون في جسد اللوحة أو لنقل ذاكرتها المستباحة.بذل كاظم في معرضه هذا جهداً مميزاً ورسم كأنه لم يرسم من قبل ليؤكد عمل الفنان الإبداعي وصراعه الدائم مع شذوذ لوحته عن أعرافه الذاتية، فقد استطاعت اللوحة تجاوز خصوصيتها إلى عاميته، لأن الجدل على سطوح اللوحات يمهد للعين الرؤية إلى أبعاد اللوحة الفلسفية سواء على صعيد المضمون أم على صعيد الشكل، فاللون يتراكم ليبني علاقات تتجسد من أشكال الكائنات، فنرى توالي الحضارات عبر كل ضربة ملونة أو عبر طبقات اللون المضاءة كلها، فأي ذاكرة جنوبية يثيرها هذا الديواني.* التغيير والدخول لعالم الجمال: إن كاظم نوير لم يكن لديه تطور فني ذات خط وأسلوب واحد وحسب، بل امتلك حيوية التغيير التشكيلي في كل منتج قدمه، يعني إن كاظم قدمته أعمالاً لا تقل أهمية مما قدم في المجتمعات كلها وعلى صعيد الثقافات كافة، وإن ما شاهده وتعلمه كله قد اختزن في ذاكرته ليخرج بصورة إبداعية متميزة. إن دور الفنان كاظم تأكد من مثابرته على إحداث تحرك دائم من أجل لوحة مختلفة بأدوارها المتعددة، حتى يصل بلوحته إلى آفاق جمالية لأن رؤيته كفنان إنسانية شاملة.ترى الحركة بين لوحة وأخرى في أعمال هذا الفنان وهي تنثر شذى ألوانها فوق غروب شمس المدينة، فيدخل بنا إلى الجمال من بوابة التوافق مع ما في العالم من فن، ليثبت وجوداً جعل من جماليات لوحاته شيئاً يبقى عالقاً في الذاكرة. ثانيا: التقارب بين فضاءات الغرب والفسيفساء الشرقية يرتكز الفنان كاظم نوير في أعماله على إنشاء تكوينات ذات ألوان لها خصيصة الحركة لتثري مساحات اللوحة بتفاصيل دقيقة عن الحياة الإنسانية بكل أبعادها متخذاً من بؤرة متوسطة صغيرة مرتكزاً حالماً يتسع في سياق متجانس لبناء الصورة التعبيرية أو تعبيرية الصورة ويحاول معها إسقاط الحواجز بين الألوان لدرجة التداخل تتراوح انشغالات الفنان- نوير- بين التشخيص ذي الخلفيات البيئية الشرقية للزخرفيات التي تكون تمويهاً رقيقاً للجسد الإنساني وبين معطيات التجريد الكامل خاصةً في لوحاته المتخذة من أشكال مشبعة باللون حرفية جداً تنساب كشلال عذب على منمنمات شرقية قديمة لتعطي لوحة فنية متناغمة. حاول كاظم نوير قدر الإمكان أن يقارب بين الفضاءات بمنمنمات وضربات لونية شرقية عبر لعبة اللون والتجريد والخط المجرد الذي يشكل بناءات وتركيبات تأخذ حيزاً تشخيصياً يتمازج مع التكوينات العمرانية إنها صورة عن البيئة العراقية والإنسانية والطبيعية بتكوينات متقنة ولا سيما وهي متخذة بعداً تشريحياً غير انه التفت لخصيصة توظيف الفضاءات والفراغات المتداخلة للمفردات المحيطة.كانت البدايات المبكرة للفنان متداخلة بصورة كبيرة مع لغة الخطاب الحداثوي للذائقة التقليدية التي عبّر عنها في المحاكاة التصويرية للبيئة الشعبية بشكل لا يلوي من الغنائية اللونية التي تنتمي إلى الأجواء الشرقية الدافئة، على الرغم من إن كاظم يحاول وبجهد كبير إلى التخلص والإفلات من هذه التشخيصية إلى التفكيك والتركيب بوساطة تنفيذ الأشكال ذات البعدين وتجسيدها فراغياً للإيحاء بالبعد الثالث الذي يقترب من التجسيم مطوعاً الشكل العربي لمساحة اللوحة ونشره في فضاءاتها لإعادة تشكيل زخرفها بالألوان الحمراء والزرقاء والصفراء الذهبية، وقد يتخذ من الرصاصي والأسود شكلاً، ولكنها ألوان تحيلنا إلى أجواء التأريخ ورائحة درابين بغداد العباسية من نقوش وأزياء وزخارف.لوحاته مغرقة بمحليتها مع عنايته بالرموز والأشكال القديمة ومفرداتها، فهي تعبر بصورة دقيقة عن بيئة الديوانية– الجنوبية من حيث ثراء أشكاله وكائناته الزخرفية العمرانية التي تؤثث خلفية اللوحة وتفاصيلها أو من عنايته بالأزياء والنقوش والمآذن وحتى الغواني والكلاب السائبة والاقتراب من وجوه ألفتها وعرفتها سابقاً وما زالت تسكن المخيلة عن شاعر شعبي ديواني متعب، أو عن سكّير صعلوك طيب، إنها تأثيراته بالمفردة المحلية التي تجعل من الوجوه والأجساد كائنات أسطورية خرجت من دفة حكايات ألف ليلة وليلة.#الفن والنقد التش

أخر المقالات

منكم وإليكم