غضب وانتقام امرأة وقصة نجاح كارن بليكسين** (Karen Blixen)، اوباسمها المستعار **إيزاك دينيسين** (Isak Dinesen)

وقعت في حب رجلٍ لم يختَرها، فتزوّجت شقيقه التوأم. عبرت المحيط بمفردها نحو أرضٍ لم ترَها من قبل. بَنَت شيئاً كان مقدَّراً له أن ينهار. أحبّت مجدداً، وفقدت ذلك الحب أيضاً. عادت خالية الوفاض… ومن رحم كل هذا، ولدت واحدة من أجمل الأعمال الأدبية التي كُتبت على الإطلاق.كان اسمها **كارن بليكسين** (Karen Blixen)، لكن العالم سيعرفها لاحقاً باسمها المستعار **إيزاك دينيسين** (Isak Dinesen).كانت في السابعة والعشرين من عمرها عندما وقعت في حب **هانز فون بليكسين فينيكه**. رجل ساحر، من أولئك الذين يتقنون إشعالك بالتميّز بنظرة واحدة. لكنه لم يحبها، وانتهت الحكاية قبل أن تبدأ حتى.كان للتوأم هانز أخ يُدعى **برور** (Bror).مختلف، قلق، ومفعم بالحياة. من طينة الرجال الذين لا يمنحون الاستقرار، بل الحركة. لم يقدّم لها اليقين… لكنه قدّم لها مخرجاً. وحين يكون القلب مجروحاً، يكون ذلك بالضبط ما نحتاجه.وهكذا قررا الرحيل.غادرا الدنمارك متوجهَين إلى شرق إفريقيا البريطانية، برغبة تأسيس مزرعة بنّ في المنطقة التي تُعرف اليوم بـ **كينيا**. مشروعٌ بدا وكأنه مغامرة… لكنه كان أشبه بقفزة في الفراغ.في عام 1913، سافرت كارن بمفردها. وفي 14 يناير 1914، حطّت رحالها في ممباسا، وفي اليوم نفسه تزوجت من برور، لتصبح “بارونة” حتى قبل أن تستوعب حقيقة المكان الذي وصلت إليه.كانت المزرعة تقع عند أقدام **تلال نغونغ** (Ngong Hills). مكانٌ يبدو وكأنه اقتُطع من حلم.لكن الأحلام، أحياناً، تطالب بثمن باهظ للغاية.لم تبقَ خيانات برور سرّاً؛ فقد نقل إليها مرض “الزهري” (Syphilis)، ليسم حياتها إلى الأبد. كان يختفي لأسابيع، بينما تبقى هي وحيدة، تحاول الحفاظ على تمسك الأشياء ببعضها.انفصلا، ثم وقع الطلاق.ومع ذلك، لم ترحل.لأن شيئاً ما، في هذه الأثناء، كان قد تغيّر.لقد تسللت إفريقيا إلى روحها. تعلمت اللغة السواحيلية، وعاشت إلى جوار عمال قبيلة “الكيكويو”، وداوت المرضى، وساعدت الأطفال على التعلم. كانوا ينادونها **”مسابو”** (Msabu).لم تعد مجرد امرأة هارية؛ بل أصبحت جزءاً من هذا العالم.لكن المزرعة استمرت في الانهيار. لم تكن الأرض صالحة لزراعة البن، وتوالت سنوات الجفاف، وهجمات الجراد، والأزمات الاقتصادية. ورغم ذلك صمدت كارن، مستثمرةً كل ما تملك.وهناك، في منتصف المعركة، وجدت شيئاً لم تملكه من قبل: **وجدت نفسها**.ثم جاء **دينيس فينش هاتون** (Denys Finch Hatton).مختلف عن الجميع. حُرّ، عميق، وقادر على الإصغاء، والمشاركة، والرؤية الحقيقية.لكنه لم يكن ملكاً لأحد.كان يصل بطائرته الصغيرة، يمضي بعض الوقت… ثم يرحل مجدداً. لم يكن يريد وعوداً، ولا يبتغي قيوداً.ورغم ذلك، بين رحيل وآخر، ولد حبٌ مكتمل. حبٌّ نُسِج من الصمت، والقراءة المتبادلة، والتحليق فوق السافانا، وحميمية روحية نادرة.حبٌّ حقيقي… لكن بلا مستقبل.في 14 مايو 1931، تحطمت طائرته.ومات على الفور.دفنته كارن عند أقدام تلال نغونغ، في المكان الذي اختاراه معاً. ومع جثمانه، دفنت جزءاً من روحها.بعد ثلاثة أسابيع فقط، فقدت المزرعة أيضاً.سبعة عشر عاماً من حياتها تبخرت في لحظة.كانت في السادسة والأربعين من عمرها. كانت مريضة، ولم يعد لديها أي شيء.فعادت إلى الدنمارك، إلى غرفتها القديمة.وهناك، بدأت تكتب.اختارت الكتابة باللغة الإنجليزية، ربما لتصنع مسافة بينها وبين ألمها. لم تكن تحاول شرح إفريقيا، بل كانت تحاول **الحفاظ عليها**؛ أضوائها، صمتها، ناسها، الحب، والنزيف.في البداية، لم يرغب أحد في نشر كتابها.كان مختلفاً جداً، وصادقاً أكثر من اللازم.ثم في عام 1937، نُشرت روايتها **”خارج إفريقيا” (Out of Africa)** أخيراً.وكانت تبدأ بهذه العبارة:> *”I had a farm in Africa, at the foot of the Ngong Hills.”*> *”كانت لديّ مزرعة في إفريقيا، عند أقدام تلال نغونغ.”*> عبارة بسيطة، لكنها اختزلت كل شيء: الحب، الفقد، والحنين. وداعٌ يشبه العودة الأبدية.اجتاح الكتاب العالم، وما زال يفعل ذلك حتى اليوم.تُرشحت كارن بليكسين لنيل جائزة نوبل مرتين. وعندما فاز **إرنست همنغواي** بالجائزة عام 1954، صرّح بأن هذه الجائزة كانت تستحقها هي.وفي عام 1985، تحولت قصتها إلى فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه (“Out of Africa”)، من بطولة ميريل ستريب وروبرت ريدفورد، وحصد سبع جوائز أوسكار.توفيت كارن عام 1962. ولم تعد إلى إفريقيا أبداً.لكن ربما، في الأعماق، لم تغادرها قط.لأن هناك أمكنة، وأشخاصاً، وعلاقات حب… لا نستطيع الاحتفاظ بها. يمرون بنا، يغيروننا، ثم يختفون.ومع ذلك، يظلون معنا.يبقون في الكلمات التي نجدها لنروي قصصهم، وفي الذكريات التي تصرّ على الحياة حتى عندما يُفقد كل شيء آخر.وربما تكون هذه هي معجزة الحكايا التامة: **أن تحوّل ما لم نعد قادرين على امتلاكه… إلى شيء لا يمكن لأحد أن ينتزعه منا أبداً.**#كارن_بليكسين #خارج_إفريقيا #قصص_ملهمة #أدب #أدب_عالمي #قصص_حب #كينيا #تاريخ #إرادة #أمل #معاناة #روايات #أوسكار #شغف #كتابة #Out_of_Africa #Karen_Blixen #قصة_نجاح#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم