تمتد المنطقة التي تغطيها الصورة عبر نحو 230 سنة ضوئية، وتظهر فيها سحب برتقالية كثيفة تحيط بفقاعات زرقاء مضيئة، إلى جانب خيوط حمراء داكنة وتجمعات من النجوم الساطعة…
كشف تلسكوب “جيمس ويب” الفضائي صورة جديدة تظهر آلاف النجوم في مراحل مختلفة من التكوين، داخل منطقة كونية تبعد نحو 161 ألف سنة ضوئية عن الأرض، وتعد من أصغر مناطق ولادة النجوم عمرًا في مجرة سحابة ماجلان الكبرى، إذ يقل عمرها عن 3 ملايين سنة.
ونشرت “وكالة الفضاء الأوروبية” الصورة في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، ضمن سلسلة صور الشهر التي يلتقطها التلسكوب، موضحة أنها تصور منطقة تعرف باسم “إن 159″، داخل سحابة ماجلان الكبرى، وهي مجرة قزمة تدور ضمن نطاق تأثير جاذبية مجرتنا درب التبانة.
وتكشف الصورة تفاصيل دقيقة لسحب كثيفة من الغاز والغبار، تتخللها نجوم حديثة التكوين ومناطق مضيئة، ما يتيح للعلماء تتبع المراحل المختلفة لنشأة النجوم داخل بيئة كونية واحدة.
وتمتد المنطقة التي تغطيها الصورة عبر نحو 230 سنة ضوئية، وتظهر فيها سحب برتقالية كثيفة تحيط بفقاعات زرقاء مضيئة، إلى جانب خيوط حمراء داكنة وتجمعات من النجوم الساطعة.
وبحسب “وكالة الفضاء الأوروبية”، تضم منطقة “إن 159” آلاف النجوم في مراحلها المبكرة، وتشكل مختبرًا طبيعيًا لدراسة العمليات الفيزيائية التي تؤدي إلى ولادة النجوم وتطورها.
وسحابة ماجلان الكبرى، رغم تسميتها، ليست سحابة غازية، بل مجرة قزمة غير منتظمة الشكل، تضم مليارات النجوم، ويبلغ قطرها نحو 14 ألف سنة ضوئية.
وتعد من أقرب المجرات إلى درب التبانة، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة من النصف الجنوبي للكرة الأرضية، ما يجعلها هدفًا مهمًا للدراسات الفلكية المتعلقة بتشكل النجوم وتطور المجرات.
وتبدأ عملية ولادة النجوم داخل سحب جزيئية ضخمة تحتوي على كميات كبيرة من غاز الهيدروجين البارد، حيث تؤدي الجاذبية إلى انهيار أجزاء من هذه السحب، فتزداد كثافتها وترتفع حرارتها تدريجيًا حتى تتكون نجوم جديدة.
وتضم منطقة “إن 159” نجومًا ضخمة وساخنة تطلق كميات كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية، التي تؤدي إلى انتزاع الإلكترونات من ذرات الهيدروجين المحيطة بها، في عملية تعرف باسم التأين.
وينتج عن هذه العملية غاز متأين يصدر ضوءًا، مكوّنًا مناطق تعرف فلكيًا باسم “مناطق الهيدروجين المتأين”، التي تعد من أبرز المؤشرات على نشاط تشكل النجوم.
وتظهر هذه المناطق في صورة “جيمس ويب” على هيئة فقاعات زرقاء مضيئة، بينما تمثل السحب البرتقالية المحيطة بها إشعاع جزيئات كربونية معقدة تعرف باسم الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.
أما الخيوط الحمراء الداكنة التي تعبر وسط الصورة، فتتكون من غاز الهيدروجين الجزيئي البارد، وتشكل بعض أكثر أجزاء السديم كثافة.
وتوفر هذه التراكيب الغازية حماية مؤقتة للنجوم الوليدة من الإشعاع القوي والرياح النجمية الصادرة عن النجوم الضخمة القريبة.
وتكشف الصورة أيضًا عن تأثير النجوم الكبيرة في البيئة المحيطة بها، إذ تدفع رياحها النجمية القوية الغاز إلى الخارج، فتتشكل تجاويف واسعة وحواف كثيفة داخل السحب.
ومع استمرار هذه العمليات، تتبدد التراكيب الغازية تدريجيًا، وتصبح النجوم التي نشأت بداخلها أكثر وضوحًا بعد انحسار المادة التي كانت تحيط بها.
واعتمد الباحثون في التقاط الصورة على بيانات كاميرا الأشعة تحت الحمراء القريبة “نيركام”، المثبتة على تلسكوب “جيمس ويب”، ضمن برنامج رصدي مخصص لدراسة النجوم في مراحل مختلفة من تطورها.
وتتيح حساسية التلسكوب العالية للأشعة تحت الحمراء رصد نجوم خافتة وأجرام حديثة التكوين تحجبها سحب الغاز والغبار عن أدوات الرصد التقليدية.
ووفقًا للبيانات التي نشرتها “وكالة الفضاء الأوروبية”، تمكن الباحثون من اكتشاف نجوم خافتة تقل كتلتها عن عُشر كتلة الشمس، والتمييز بين النجوم الكبيرة الساخنة والنجوم الفتية التي لا تزال محاطة بالسحب التي تشكلت داخلها.
وأظهرت النتائج أن الجزء الغربي من منطقة “إن 159” يحتوي على تجمع أكثر تركيزًا من الأجرام النجمية الفتية، ما يشير إلى أنه يمر بمرحلة أبكر من تشكل النجوم مقارنة بأجزاء أخرى من المنطقة.
وتسمح هذه الاختلافات للعلماء بمقارنة مراحل متعددة من عملية ولادة النجوم داخل السديم نفسه، بدءًا من انهيار السحب الجزيئية وصولًا إلى ظهور النجوم وتراجع كثافة الغازات المحيطة بها.
وتضم الصورة أيضًا سديمًا صغيرًا ومضيئًا يعرف باسم “بابيون”، أو “سديم الفراشة”، يظهر في الجانب الأيسر من المنطقة المرصودة.
ويتكون هذا السديم من تجمع كثيف وصغير نسبيًا من الهيدروجين المتأين، ويعتقد العلماء أنه يرتبط بعمليات تشكل النجوم الضخمة.
وكان تلسكوب “هابل” الفضائي قد تمكن من تمييز هذا السديم للمرة الأولى عام 1999، قبل أن توفر أرصاد “جيمس ويب” الحديثة تفاصيل إضافية عن البيئة الغازية والنجوم المحيطة به.
وتكتسب منطقة “إن 159” أهمية علمية إضافية بسبب طبيعة التركيب الكيميائي لسحابة ماجلان الكبرى، التي تحتوي على نسبة أقل من العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم مقارنة بمجرة درب التبانة.
ويطلق علماء الفلك على هذه العناصر اسم “المعادن”، ويؤثر انخفاض نسبتها في خصائص الغاز والغبار والظروف التي تتشكل فيها النجوم.
وبحسب “وكالة الفضاء الأوروبية”، تجعل هذه الخصائص سحابة ماجلان الكبرى بيئة مناسبة لدراسة عمليات تشكل النجوم في ظروف تشبه، من بعض الجوانب، البيئات التي سادت خلال المراحل المبكرة من تاريخ الكون.
وتتيح هذه المقارنة للباحثين فهم كيفية انهيار السحب الغازية وتكوّن الأجيال الأولى من النجوم، إلى جانب دراسة تأثير النجوم الضخمة في تشكيل المناطق التي تنشأ فيها نجوم جديدة.
وتبرز أهمية الصورة الجديدة في قدرتها على إظهار مراحل متزامنة من تشكل النجوم داخل منطقة واحدة، إذ تجمع بين السحب الجزيئية الكثيفة والنجوم الوليدة والنجوم الساخنة التي بدأت تؤثر في محيطها بالإشعاع والرياح.
وتوفر هذه الأرصاد بيانات تساعد العلماء على دراسة دورة حياة السحب الجزيئية، وفهم العلاقة بين ولادة النجوم وتغير البيئة المحيطة بها، في واحدة من أكثر مناطق تشكل النجوم نشاطًا في سحابة ماجلان الكبرى.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


